6013 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غيَّاث، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيْدُ) من الزِّيادة (ابْنُ وَهْبٍ) أبو سليمان الهَمْدانيُّ (قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) البجليَّ (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ) أي من لا يرحم الخلق من مؤمنٍ وكافرٍ
ج 25 ص 421
وبهائم مملوكة وغيرها. قال ابن بطَّال ويدخل في الرَّحمة التَّعاهد بالإطعام، والسَّقي والتَّخفيف في الحمل، وترك التَّعدِّي بالضَّرب في الدُّنيا.
وقال ابن أبي جمرةَ يحتمل أن يكون المعنى من لا يرحم غيره بأيِّ نوعٍ من الإحسان لا يحصل له الثَّواب، كما قال تعالى {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن 60] .
ويحتمل أن يكون المراد مَن لا يكون فيه رحمة الإيمان في الدُّنيا لا يُرحَم في الآخرةِ، أو من لا يرحم نفسه بامتثال أوامر الله تعالى، واجتنابِ نواهيهِ لا يرحمه الله؛ لأنَّه ليس له عنده عهدٌ، فتكون الرَّحمة الأُولى بمعنى الأعمال، والثَّانية بمعنى الجزاء؛ أي لا يُثاب إلَّا من عملٍ صالحًا.
ويحتمل أن تكون الأُولى الصَّدقة، والثَّانية البلاء؛ أي لا يسلم من البلاء إلَّا من تصدَّق، أو من لا يرحم الرَّحمة التي ليس فيها شائبة أذىً لا يرحم مطلقًا، أو لا ينظر الله بعين الرَّحمة إلَّا لمن جعل في قلبه الرَّحمة، ولو كان عمله صالحًا. انتهى ملخَّصًا.
قال وينبغي للمرء أن يتفقَّد نفسه في هذه الأوجه كلِّها، فما قصَّر فيه لجأ إلى الله تعالى في الإعانة عليه، ثمَّ في إطلاق رحمة العباد في مقابلة رحمة الله نوع مشاكلةٍ. ويجوز في (( من لا يَرحم لا يُرحم ) )الرَّفع والجزم، أمَّا الرفع فعلى كون «مَن» موصولة على معنى الَّذي لا يَرحم لا يُرحم، وأمَّا الجزم فعلى كون «من» متضمِّنةً لمعنى الشَّرط فتجزم الَّذي دخلت عليه وجوابه، والأوَّل على البناء للفاعل، والثَّاني على البناء للمفعول.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( من لا يَرحم لا يُرحم ) )، وقد أخرجه البخاري في «التَّوحيد» [خ¦7376] ، وأخرجه مسلم في «فضائل النَّبي صلى الله عليه وسلم» .
ثمَّ إنَّه وقع في حديث جرير في روايةٍ لمسلم (( من لا يرحم النَّاس لا يرحمه الله ) )وهو عند الطَّبراني بلفظ (( مَن لا يرحم مَن في الأرض لا يرحمه من في السَّماء ) ). وله من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه رفعه (( ارحم مَن في الأرض يرحمك من في السَّماء ) )ورواته ثقاتٌ. وهو في حديث عبدِ الله بن عَمرو رضي الله عنهما عند أبي داود والتِّرمذي والحاكم
ج 25 ص 422
بلفظ (( ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السَّماء ) )، وفي حديث الأشعث بن قيسٍ عند الطَّبراني في «الأوسط» (( مَن لم يرحمِ المسلمين لن يرحمه الله ) ).