6014 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي ابن عَمرو بن حزمٍ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن أمِّ أبي بكر، والسَّند كلُّهم مدنيُّون، والثَّلاثة من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ، أوَّلهم يحيى وهو روى عن عَمْرة كثيرًا، وأدخل هنا بينه وبينها واسطةٌ، وروايته عن أبي بكرٍ المذكور من رواية الأقران (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ) عليه السَّلام (بِالْجَارِ) مسلمًا كان أو كافرًا، عابدًا أو فاسقًا، صديقًا أو عدوًا، غريبًا أو بلديًا، نافعًا أو ضارًا، قريبًا أو أجنبيًّا، قريب الدَّار أو بعيدها (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) أي سيجعله قريبًا وارثًا، وقيل معناهُ أي يأمرني عن الله بتوريث الجار
ج 25 ص 424
من جارهِ.
واختلف في المراد بهذا التَّوريث، فقيل يجعل له مشاركةٌ في المال بفرض سهمٍ يعطاه مع الأقارب، وقيل المراد أن يُنَّزلَ منزلةَ من يرث بالبرِّ والصِّلة، والأوَّل أظهر، فإن الثَّاني استمرَّ، والخبر مشعر بأنَّه لم يقع، ويؤيِّده ما أخرجه البخاريُّ من حديث جابرٍ رضي الله عنه نحو حديث الباب بلفظ (( حتَّى ظننت أنَّه يجعل له ميراثًا ) ).
قال ابن أبي جمرةَ الميراث على قسمين حسيٌّ ومعنويٌّ، فالحسيُّ هو المراد هنا، والمعنويُّ ميراث العلم، ويمكن أن يُلحظَ هنا أيضًا، فإنَّ من حقِّ الجار أن يعلمه ما يحتاج إليه، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ اسم الجار يشمل كلَّ ما ذُكِر آنفًا، وله مراتب بعضها أعلى من بعضٍ، فلأعلاهنَّ ما اجتمعت فيه الصِّفات الأُوَل كلُّها، ثمَّ أكثرها وهلم جرًا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصِّفات الأُخر كذلك، فيعطى كلٌّ حقَّه بحسب حاله [1] .
وقد يتعارض صنفان فأكثر فيرجِّح أو يساوي، وقد حمله عبد الله بن عَمرٍو أحد من روى الحديث على العموم، فأمر لمن ذُبحت له شاةٌ أن يهديَ منها جاره اليهودي، أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» ، والتِّرمذي وحسنه.
وقد وردت الإشارة إلى ذلك في حديثٍ مرفوعٍ أخرجه الطَّبراني من حديث جابر رضي الله عنه رفعه (( الجيران ثلاثةٌ جارٌ له حقٌّ، وهو المشرك له حقُّ الجوار، وجارٌ له حقَّان وهو المسلم له حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام، وجارٌ له ثلاثة حقوقٍ مسلم له رحمٌ، له حقُّ الجوار والإسلام والرَّحم ) ).
وقال القرطبيُّ الجار يُطلق ويُراد به الدَّاخل في الجوار، ويُطلق ويراد به المجاور في الدَّار، وهو الأغلب، والَّذي يظهر أنَّ المراد به في الحديث الثَّاني؛ لأنَّ الأوَّل كان يرث ويورث، فإن كان هذا الخبر صدر قبل نسخ التَّوارث بين المتعاقدين، فقد كان ثابتًا، فكيف يترجَّى وقوعه وإن كان بعد النَّسخ، فكيف يظنُّ عوده بعد رفعه، فتعيَّن أنَّ المراد به المجاور في الدَّار.
ثمَّ إنَّه اختلف في حدِّ الجوار، فعن علي رضي الله عنه من سمع النِّداء فهو جارٌ، وقيل من صلَّى معك صلاة الصُّبح في المسجد فهو جارٌ. وعن عائشة رضي الله عنها حقُّ الجوار أربعون دارًا
ج 25 ص 425
من كلِّ جانبٍ، وعن الأوزاعيِّ مثله، وقال الشَّيخ أبو محمد بن أبي جَمرة حفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهليَّة يحافظون عليه، ويحصل امتثال الوصيَّة بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطَّاقة كالهديَّة والسَّلام، وطلاقة الوجه عند لقائه، وتفقُّد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه، إلى غير ذلك، وكفُّ أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسيَّة كانت أو معنويَّة، وقد نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان عمَّن لم يأمن جاره بوائقَه، كما في الحديث الَّذي يليه [خ¦6016] ، وهي مبالغةٌ تنبئ بعظم حقِّ الجار، وأنَّ إضراره من الكبائر.
قال ويفترق الحال في ذلك بالنِّسبة للجار الصَّالح وغير الصَّالح، والَّذي يشمل الجميع إرادة الخير له، وهو عظتُه بالحسنى، والدُّعاء له بالهداية، وترك الإضرار له إلَّا في الموضع الَّذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل.
والذي يخصُّ الصَّالح هو جميع ما تقدَّم، وغير الصَّالح كفُّه عن الَّذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، وتبيين محاسنه، والتَّرغيب فيه برفقٍ، ويعظُ الفاسق بما يناسبه بالرِّفق أيضًا، ويسترُ عليه زَلَلَهُ عن غيره، وينهاه برفقٍ، فإن أفاد فيه، وإلَّا فيهجره قاصدًا تأديبه على ذلك مع إعلامه بالسَّبب ليكفَّ. انتهى ملخَّصًا.
والحاصل أنَّ كيفية حفظ حقِّ الجار أن يعاشرَ مع كلِّ واحدٍ من الَّذين ذكروا بما يليقُ بحاله من إرادة الخير ودفع المضرَّة والنَّصيحة، ونحو ذلك.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في «الأدب» ، وكذا أبو داود فيه، والتِّرمذي في «البرِّ» ، وابن ماجه في «الأدب» .
[1] في هامش الأصل من المسلم والعابد والصديق والقريب وغيرها. منه.