فهرس الكتاب

الصفحة 8963 من 11127

6019 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكلاعي الحافظ، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ الإمام (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضم المعجمة وفتح الراء آخره مهملة، خُويلد (الْعَدَوِيِّ) الخزاعيِّ الكعبيِّ الصَّحابي رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ) فائدة ذكر الآذان والعين التَّوكيد (حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) وفي رواية مسلمٍ (( فليُحسن إلى جاره ) ) (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ) بالنصب على أنَّه مفعول ثانٍ للإكرام؛ لأنَّه في معنى الإعطاء، أو بنزع الخافض؛ أي بجائزتهِ، وهي العطاء، مشتقَّةٌ من الجواز؛ لأنَّه حقُّ جوازه عليهم، وقد ظرف بعضهم فقال

~إِنَّ العَطَايَا فِي زَمَانِ اللُّؤمِ قَدْ صَارَتْ مُحَرَّمَةً وِكَانَتْ جَائِزَةً

(قالَ وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) جائزته (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) وجاز وقوع الزَّمان خبرًا عن الجنَّة إمَّا باعتبار أنَّ له حكم الظَّرف، وإمَّا فيه مضافٌ مقدَّر؛ أي زمان جائزته يومٌ وليلةٌ. وقال الكرماني معناه أنَّه تكلَّف له يومًا وليلةً، فيزيده في البرِّ، وفي اليومين الآخرين يُقدِّم له ما يحضره، فإذ مضى الثَّلاثة فقد مضى حقَّه، وما زاد عليها فهو صدقةٌ.

كما قال (وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَة أَيَّامٍ) يحتمل أن يُرادَ بعد اليوم واللَّيلة، ويحتملُ أن يدخلَ فيه اليوم واللَّيلة، وهو أشبه (فَمَا كَانَ) من البرِّ (وَرَاءَ ذَلِكَ) المذكور من الثَّلاث (فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) قال الهرويُّ أي يُقرى ثلاثة أيَّام ثمَّ يُعطى ما يجوز به مسافة يومٍ وليلةٍ، قال وأكثره قَدْر ما يجوز به المسافر من منهلٍ إلى منهلٍ. وقال سُحنون

ج 25 ص 433

الضِّيافة على أهل القرى دون الحضرِ. وقال الشَّافعي مطلقًا، وهي من مكارم الأخلاق. وعن مجاهد الضِّيافة ليلة واحدة فرضٌ، ولا شكَّ أن الضِّيافة من سنن المرسلين. وفي «صحيح مسلم» (( الضِّيافة ثلاثة أيَّامٍ وجائزته يومٌ وليلةٌ ) )، وهذا يدلُّ على المغايرة؛ أي قدر ما يجوزُ به المسافر ما يكفيه يومًا وليلةً.

فقوله (( وجائزته ) )بيانٌ لحالةٍ أخرى، وذلك أنَّ المسافر تارةً يُقيم عند من ينزل عليه، فهذا لا يزاد على الثَّلاث، وتارةً لا يقيم، فهذا يُعطى ما يجوز به قدر كفايته يومًا وليلةً. ومنه حديث (( أجيزوا الوفد، بنحو ما كنتُ أُجيزهم ) ). وفي التَّعبير بالصَّدقة تنفيرٌ عنه؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس يأنفون غالبًا من أكل الصَّدقة.

(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) واشتملَ حديث الباب من الطَّريقين على أمورٍ ثلاثةٍ تجمع مكارمَ الأخلاق الفعليَّة والقوليَّة، أمَّا الأوَّلان فمن الفعليَّة، وأوَّلهما يرجع إلى الأمر بالتَّخلي عن الرَّذائل، والثَّاني يرجع إلى الأمر بالتَّحلي بالفضائل، وحاصله من كان كامل الإيمان، فهو متَّصفٌ بالشَّفقة على خلق الله قولًا بالخير، أو سكوتًا عن الشَّر، أو فعلًا لِما ينفع، أو تركًا لما يضرُّ. وفي معنى الأمر بالصَّمت عدَّة أحاديث

منها حديث أبي موسى [خ¦11] وعبدِ الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم [خ¦10] (( المسلمُ من سلم المسلمون من يدهِ ولسانهِ ) ). وللطَّبراني عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قلت يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضلُ؟ فذكر فيها (( أنْ يسلمَ المسلمون من لسانكَ ) ). ولأحمد وصحَّحه ابن حبَّان من حديث البراء رضي الله عنه رفعه في ذكر أنواع من البرِّ، قال (( فإن لم تُطق ذلك فكفَّ لسانك إلَّا من خيرٍ ) ). وللتِّرمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( مَن صمتَ نجا ) ). وله من حديثه (( كثرةُ الكلام بغير ذكرِ الله يُقسِّي القلب ) ). وله من حديث سفيان الثَّقفي قلت يا رسول الله، ما أكثرُ ما تخاف عليَّ؟ قال (( هذا ) )وأشار

ج 25 ص 434

إلى لسانه، وللطَّبراني مثله من حديث الحارث بن هشامٍ.

وفي حديث معاذ عند أحمد والتِّرمذي والنَّسائي أخبرني بعملٍ يدخلني الجنَّة. فذكر الوصيَّة بطولها، وفي آخره (( ألا أخبرك بملاكِ ذلك كلِّه، كفَّ عليك هذا ) )وأشار إلى لسانه. وللتِّرمذي من حديث عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه قلت يا رسول الله ما النَّجاة؟ قال (( أمسك عليك لسانك ) ).

والحاصل أنَّ المرء إذا أراد أن يتكلَّم فليفكَّر قبل كلامه، فإن علم أنَّه لا يترتَّب عليه مفسدةٌ، ولا يجرُّ إلى مُحرَّمٍ، ولا مكروهٍ فليتكلَّم، وإن كان مباحًا فالسَّلامة في السُّكوت؛ لئلَّا يجرَّ المباح إلى محرمٍ أو مكروهٍ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه البخاري في «الرِّقاق» أيضًا [خ¦6476] ، وأخرجه مسلم في «الأحكامِ» ، وأبو داود في «الأطعمة» ، والتِّرمذي في «البرِّ» ، والنَّسائي في «الرِّقاق» ، وابن ماجه في «الأدب» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت