فهرس الكتاب

الصفحة 8982 من 11127

6032 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى) بفتح العين وسكون الميم، أبو عثمان الضُّبعي البصري، ثقةٌ مستقيم الحديث، قاله ابن حبَّان، وما له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وآخر في «كتاب الصَّلاة» [خ¦1202] ، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ) بفتح المهملة وتخفيف الواو مهموزٌ ممدود، أبو الخطَّاب السَّدوسي البصري المكفوف، أيضًا له عند البخاريِّ هذا الحديث، وآخر في «المناقب» [خ¦3686] ، قال (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) بفتح الراء وسكون الواو، أبو غياث التَّميمي مشهورٌ كثير الحديث.

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) بلفظ الفاعل، من الانكدار، وقد تابع رَوْح بن القاسمِ عن محمد بن المنكدر سُفيانُ بن عيينة، كما سيأتي (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال ابن بطَّالٍ هو عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ الفزاري، وكان يُقال له الأحمق المُطاع [1] ، ورجا النَّبي صلى الله عليه وسلم بإقباله عليه تألفه ليُسلم قومه؛ لأنَّه كان رئيسهم، وكذا فسَّره به القاضي عياض ثمَّ القرطبي والنَّووي

ج 25 ص 450

جازمين بذلك، ونقله ابن التِّين عن الدَّاودي لكن احتمالًا لا جزمًا.

وقد أخرجه عبد الغنيِّ بن سعيدٍ في «المبهمات» من طريق عبد الله بن عبد الحكم عن مالكٍ أنَّه بلغه عن عائشة رضي الله عنها استأذن عُيينة بن حصنٍ على النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( بئس ابن العشيرةِ ... ) )الحديث. وأخرجه ابن بشكوال في «المبهمات» من طريق الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثيرٍ أنَّ عيينة استأذن، فذكره مرسلًا.

وأخرج عبد الغنيِّ أيضًا من طريق أبي عامر الخرَّاز عن أبي يزيد المدنيِّ عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلمَّا سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم صوته قال (( بئس أخو العشيرة ... ) )الحديث.

وهكذا وقع في أواخر الجزء الأوَّل من «فوائد أبي إسحاق الهاشمي» . وأخرجه الخطيب فيُحمل على التَّعدد. وقد حكى المنذريُّ في «مختصره» القولين فقال هو عُيينة، وقيل مخرمة.

وأمَّا ابن الملقِّن فاقتصر على أنَّه مخرمة، وذكر أنَّه نقله من حاشيةٍ بخط الدِّمياطي، لكنَّه حكى بعد ذلك عن ابن التِّين أنَّه جوز أن يكون عُيينة قال وصرَّح به ابن بطَّال.

(فَلَمَّا رَآهُ قَالَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ) وفي رواية معمرٍ (( بئس أخو القوم وابنُ القوم ) )وهي بالمعنى، قال القاضي عياض المراد بالعشيرة الجماعة والقبيلة، وقال غيره العشيرة الأدنى إلى الرَّجل من أهله، وهم ولد أبيه وجدِّه؛ أي بئس هذا الرَّجل منها، وهو كقولك يا أخا العرب لرجلٍ منهم، وهذا الكلام من أعلام النُّبوة؛ لأنَّه ارتدَّ بعده صلى الله عليه وسلم، وجيء به أسيرًا إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه، وقيل كان يُظهر الإسلام، ويُخفي الكفر، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يُبيِّن حاله.

(فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ) على وزن تفعَّل من الطَّلاقة؛ أي أبدى له طلاقةَ وجهه وانشرح وانبسط، ومنه يقال وجهٌ طلقٌ؛ أي مسترسلٌ منبسطٌ غير عبوسٍ، ووقع في رواية أبي عامرٍ (( بشَّ وهشَّ ) ).

(النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ) لِما جُبل عليه من حسن الخلق، وفي رواية أحمد من وجهٍ آخر عن عائشة (( واستأذن آخر فقال نِعْم أخو العشيرة،

ج 25 ص 451

فلمَّا دخل لم يهشَّ له ولم ينبسط كما فعل بالآخر، فسألته ... )) فذكر الحديث.

(فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا) كذا في رواية الكشميهنيِّ بصيغة المبالغة، وفي رواية غيره .

قال الخطابيُّ جمع هذا الحديث علمًا وأدبًا، وليس قول النَّبي صلى الله عليه وسلم في أمَّته بالأمور الَّتي يسمِّيهم بها ويُضيفها إليهم من المكروه غيبةً، وإنَّما كان يكون ذلك من بعضِهِم في بعضٍ، بل الواجب عليه أن يبيِّن ذلك ويُفصح به، ويُعرِّف النَّاس أمره، فإنَّ ذلك من باب النَّصيحة والشَّفقة على الأُمَّة، ولكنه لِمَا جُبل عليه من الكرم وأُعطيه من حسن الخلق أظهرَ له البشاشة ولم يجبْهه بالمكروه؛ لتقتدي به أمَّته في اتِّقاء شرِّ من هذا سبيله، وفي مداراته ليسلموا من شرِّه وغائلته.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وظاهر كلامه أن يكون هذا من جملةِ الخصائص، وليس كذلك، بل كلُّ من اطَّلع من حال شخصٍ على شيء وخشيَ أنَّ غيره يغترُّ بجميل ظاهره، فيقع في محذورٍ ما، فعليه أن يُطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدًا نصيحتهُ، وإنَّما الَّذي يمكن أن يختصَّ به النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يَكْشِف له عن حال من يغترُّ بشخصٍ من غير أن يطلعه المغترُّ على حاله، فيذمَّ الشَّخص بحضرته ليجتنبه المغترُّ؛ ليكون نصيحةً، بخلاف غير النَّبي صلى الله عليه وسلم فإنَّ جواز ذمِّه للشَّخص يتوقَّف على تحقق الأمر بالقول أو الفعل ممَّن يريد نصحه.

وقال القرطبيُّ في الحديث جواز غيبة المعلِن بالفسق أو الفحش، ونحو ذلك من الجُور في الحكم، والدُّعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم اتِّقاء شرِّهم ما لم يؤدِّ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى.

ثمَّ قال تبعًا للقاضي عياض والفرق بين المداراة والمداهنة

ج 25 ص 452

أنَّ المداراة بذل الدُّنيا لصلاح الدُّنيا أو الدِّين، أو هما معًا، وهي مباحةٌ، وربَّما استحبَّت، والمداهنة ترك الدِّين لصلاح الدُّنيا، والنَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما بذل له من دنياه حسن عشرته، والرِّفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحْه بقولٍ، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنَّ قولَه فيه قول حقٍّ، وفعله معه حُسْنُ عشرةٍ، فيزول مع هذا التَّقدير الإشكال بحمد الله تعالى.

وقال القاضي عياض لم يكن عُيينة _ والله أعلم _ أسلم حينئذٍ، فلم يكن القول فيه غيبةً، أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصِحًا فأراد النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يبيِّن ذلك؛ لئلَّا يغترَّ به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم وبعده أمور تدلُّ على ضعفِ إيمانه، فيكون ما وصفه به النَّبي صلى الله عليه وسلم من جملة علامات النُّبوة، وأمَّا إِلَانةُ القول له بعد أن دخل فعلى سبيل التَّآلف له.

وهذا الحديث أصلٌ في المداراة، وفي جواز غيبة أهل الكفْر والفسق والظُّلمة وأهل الفساد، ومن يحتاج النَّاس إلى التَّحذير منه.

(إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ) وفي رواية ابن عُيينة (( من تركه، أو وَدَعَهُ النَّاس ) )، قال المازريُّ ذكر بعض النُّحاة أنَّ العرب أماتوا مصدر يدعُ وماضيه، والنَّبي صلى الله عليه وسلم أفصحُ العرب، وقد نطق بالمصدر في قوله (( لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعات ) )وبماضيه في هذا الحديث.

وأجاب القاضي بأنَّ المراد بقولهم أماتوه؛ أي تركوا استعماله إلَّا نادرًا. قال ولفظ أماتوه يدلُّ عليه، ويؤيِّد ذلك أنَّه لم يُنقل في الحديث إلَّا في هذين الحديثين مع شكِّ الرَّاوي في حديث الباب، مع كثرة استعمال «تَرَكَ» ، ولم يقل أحدٌ من النُّحاة أنَّه لا يجوز.

(اتِّقَاءَ شَرِّهِ) أي لأجل الاتِّقاء عن شرِّه؛ أي قبيح كلامه؛ لأنَّ المذكور كان من جفاة الأعراب. وقال القرطبيُّ في هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّ عيينة المذكور خُتم له بسوءٍ؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم اتَّقى فحشه وشرَّه، وأخبر أنَّ من يكون كذلك يكون شرُّ النَّاس منزلةً عند الله

ج 25 ص 453

يوم القيامة.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ولا يخفى ضعفُ هذا الاستدلال، فإنَّ الحديث ورد بلفظ العموم فمن اتَّصف بالصِّفة المذكورة فهو الَّذي يتوجَّه عليه الوعيد.

وشرط ذلك أن يموتَ على ذلك، ومن أين له أنَّ عُيينة مات على ذلك؟ واللَّفظ المذكور يحتمل أن يقيَّد بتلك الحالة الَّتي قيل فيها ذلك، وما المانع أن يكونَ تاب وأناب، وقد كان عُيينة ارتدَّ في زمن أبي بكرٍ رضي الله عنه وحارب، ثمَّ رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح في عهد عمرَ رضي الله عنه، وله مع عمر رضي الله عنه قصَّةٌ ذكرت في «تفسير الأعراف» [خ¦4642] ، ويأتي شرحها في «كتاب الاعتصام» إن شاء الله تعالى [خ¦7286] ، وفيها ما يدلُّ على جفائه.

والحديث الَّذي فيه (( أنَّه أحمق مُطاع ) )أخرجه سعيد بن منصورٍ عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم النَّخعي، قال جاء عُيينة بن حصن إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة رضي الله عنها، فقال من هذهِ؟ قال (( أمُّ المؤمنين ) )قال ألا أَنْزِلُ لكَ عن أجمل منها، فغضبتْ عائشة رضي الله عنها، وقالت مَن هذا؟ قال (( هذا أحمق مُطاع ) ). ووصله الطَّبراني من حديث جريرٍ، وزاد فيه (( اخرج فاستأذِن، قال إنَّها يمين عليَّ أن لا استأذن على مُضريٍّ ) )، وعلى تقدير أن يَسْلَم له ذلك وللقاضي قبله في عُيينة، لا يَسْلَمُ ذلك في مَخْرمة بن نوفلٍ. وسيأتي في «باب المداراة» [خ¦6139] ما يدلُّ على أنَّ تفسير المبهم هنا بمخرمة بن نوفلٍ هو الرَّاجح.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( متى عهدتني فحاشًا ) )، وقد أخرجه مسلم أيضًا في «الأدب» ، وكذا أبو داود فيه، والتِّرمذي في «البرِّ» .

[1] في هامش الأصل وجاء حين أقبل على الشرك وترك حديثه مع ابن أم مكتوم فأنزل الله ( {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت