6040 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين؛ أي ابن بحرٍ أبو حفص الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفي، وهو شيخ مسلم أيضًا، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحاك بن مَخْلد النَّبيل البصري شيخ البخاريِّ،
ج 25 ص 466
وربَّما روى عنه بواسطةٍ كما هنا (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين المهملة وسكون القاف، الأسديُّ مولى آل الزُّبير الفقيه الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمرٍ، قال البزَّار بعد أن أخرجه عن عَمرو بن علي الفلَّاس شيخ البخاريِّ فيه لم يروه عن نافعٍ إلَّا موسى بن عقبة، ولا عن موسى إلَّا ابن جُريج.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد رواه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ثوبان عند أحمد والطَّبراني في «الأوسط» ، وأبو أُمامة عند أحمد، ورواه عن أبي هريرةَ، أبو صالح عند المصنِّف في «التَّوحيد» [خ¦7485] ، وأخرجه مسلم والبزَّار.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا) وفي رواية أبي ذرٍّ (نَادَى جِبْرِيلَ) بالنصب (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ) بفتح الهمزة وكسر الحاء المهملة بعدها موحدة مشددة مفتوحة وتضم، وهو مذهب سيبويه، والمحقِّقين على الاتِّباع بها، وفي رواية أبي ذرٍّ بسكون المهملة وكسر الموحدة الأولى وإسكان الثانية بالفكِّ. ووقع في بعض طرقه بيان سبب هذه المحبَّة والمراد بها، ففي حديثِ ثوبان رضي الله عنه (( إنَّ العبد ليلتمس مرضاتَ الله تعالى، ولا يزال كذلك حتَّى يقول يا جبريل إنَّ عبدي فلانًا يلتمسُ أن يرضيني، ألا وإنَّ رحمتي عليه ... ) )الحديث أخرجه أحمد والطَّبراني في «الأوسط» .
ويشهدُ له حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه الآتي في «الرِّقاق» ففيه (( ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبَّه ) ) [خ¦6502] ، ووقع في حديث ثوبان (( فيقول جبريل رحمةُ الله على فلانٍ ويقول حملة العرش ... ) ).
(فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ) وفي حديث ثوبان (( في أهل السَّموات السَّبع ) ) (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي) قلوب (أَهْلِ الأَرْضِ) ومحبَّتهم له، وميلهم إليه، ورضاهم عنه، ويفهم منه أنَّ محبَّة قلوب النَّاس علامة محبَّة الله عزَّ وجلَّ، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، ومحبَّة الله لعبدِهِ إرادة الخير له، ومحبَّة الملائكة استغفارهُم له، وإرادتهم الخيرَ له؛ لكونه مطيعًا لله تعالى، محبوبًا له.
وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ «أهل» ، وزاد الطَّبراني في حديث ثوبان (( ثمَّ يهبطُ إلى الأرض، ثمَّ قرأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
ج 25 ص 467
سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم 96] )) . وثبتت هذه الزَّيادة في آخر هذا الحديث عند التِّرمذي وابن أبي حاتمٍ من طريق سُهيل عن أبيه. وقد أخرج مسلم إسنادها ولم يسق اللَّفظ، وزاد مسلم فيه (( وإذا أبغضَ عبدًا دعا جبريل ... ) )فساقه على منوال الحبِّ، فقال في آخره (( ثمَّ يوضع البغضاء في الأرض ) ).
ونحوه في حديث أبي أُمامة عند أحمد، وفي حديث ثوبان عند الطَّبراني (( وإنَّ العبد يعمل بسخطِ الله فيقول يا جبريل إنَّ فلانًا يستسخطني ... ) )فذكر الحديث على منوال الحبِّ أيضًا، وفيه (( فيقول جبريلُ سخط الله على فلانٍ ) )، وفي آخره مثل ما في الحبِّ (( حتَّى يقوله أهل السَّموات السَّبع، ثمَّ يهبط إلى الأرض ) ).
وقوله (( يُوضع له القَبول ) )هو من قوله تعالى {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} [آل عمران 37] أي رضيَها، قال المطرزيُّ القبول مصدرٌ ولم أسمع غيرها بالفتح. وقد جاء مفسَّرًا في رواية القعنبيِّ (( فتوضع له المحبَّة ) )والقَبول الرِّضا بالشَّيء وميل النَّفس إليه، وقال ابنُ القطَّاع قبِل الله منك قبولًا، والشَّيء والهديَّة أُخذت، والخبر صُدِّق. وفي «التهذيب» فلانٌ عليه قبول إذا كانت العين تقبله، والقبول من الرِّيح الصِّبا؛ لأنَّها تستقبل الدَّبور.
ومحبَّة العباد له اعتقادهم فيه الخير وإرادتهم دفع الشَّرِّ عنه ما أمكن، ومحبَّة الله تعالى للشَّيء قد تُطلق على إرادة إيجاده وعلى إرادةِ تكميله، والمحبَّة الَّتي في هذا الباب من القبيل الثَّاني. وحقيقة المحبَّة عند أهل المعرفة من المعلومات الَّتي لا تحدُّ، وإنَّما يعرفها من قامت به وجدانًا لا يمكن التَّعبير عنه، والحبُّ على ثلاثة أقسامٍ إلهيٌّ، وروحانيٌّ، وطبيعيٌّ.
وحديث الباب يشتمل على هذه الأقسام الثَّلاثة، فحبُّ اللهِ العبدَ حبٌّ إلهيٌّ، وحبُّ جبريلَ والملائكة له حبٌّ روحانيٌّ، وحبُّ العباد له حبٌّ طبيعيٌّ، والله الموفِّق.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى في «بدء الخلقِ» [خ¦3209] .