6045 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، عبد الله بن عَمرو المنقريُّ البصري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيد (عَنِ الْحُسَيْنِ) هو ابنُ ذكوان المعلِّم (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، ابن الخصيب الأسلمي قاضي مرو، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم بينهما مهملة ساكنة وبالراء، كان على قضاءِ مرو (أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ) ظالم بن عَمرو (الدِّيْلِيَّ) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية، وفي رواية أبي ذرٍّ بضم الدال وفتح الهمزة، شهد مع عليٍّ رضي الله عنه صفِّين، وولي البصرة لابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما [1] ، وقد أسنَّ وهو أوَّل من تكلَّم بالنَّحو.
(حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندب بن جنادة، وقيل غير ذلك رضي الله عنه، وفي رواية الإسماعيليِّ من وجهين عن أبي مَعمرٍ شيخ البخاريِّ فيه بالسَّند إلى أبي الأسود أنَّ أبا ذرٍّ حدَّثه (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ) أي لا ينسبه إلى الفسق بأن قال يا فاسقُ (وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ) بأن قال يا كافرُ (إِلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ) تلك الرَّمية؛ أي رجعت إليه بأن يصير هو فاسقًا أو كافرًا، والضَّمير في «ارتدَّت» راجعٌ إلى الرَّمية الَّتي يدلُّ عليها قوله (( لا يرمي ) )، وفي رواية الإسماعيلي بالمهملة؛ أي رجعَ عليه.
(إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ) المرمي (كَذَلِكَ) وإن كان موصوفًا بذلك لا يرتدُّ عليه شيءٌ، وذلك أنَّ هذا يقتضي أنَّ من قال لآخر أنت فاسقٌ أو يا فاسقُ، أو قال أنت كافرٌ، أو يا كافر، فإن كان ليس كما قال كان هو المستحقُّ للوصف المذكور، وأنَّه إذا كان كما قال لم يرجعْ عليه شيءٌ؛ لكونه صدق فيما قال، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون آثمًا في صورةِ قوله له أنت فاسقٌ، بل فيه تفصيلٌ.
فإن كان قصد نصحهُ أو نصحَ غيره ببيان حاله جازَ، وإن قصدَ
ج 25 ص 475
تعييره وشهرتهِ بذلك، ومحض أذاه لم يجز؛ لأنَّه مأمورٌ بالسَّتر عليه وتعليمهِ وموعظتهِ بالحسنى، فمهما أمكنَهُ ذلك بالرِّفق لا يجوز له أن يفعله بالعنفِ؛ لأنَّه قد يكون سببًا لإغرائهِ وإصراره على ذلك الفعلِ كما في طبع كثيرٍ من النَّاس من الأنفة، لاسيَّما إذا كان الآمر دونَ المأمور في المنزلة.
وقال النَّووي اختلف في تأويل هذا الرُّجوع، فقيل يرجعُ عليه الكفر إن كان مستحلًّا، وهذا بعيدٌ من سياق الخبر. وقيل محمولٌ على الخوارج؛ لأنَّهم يكفِّرون المؤمنين، هكذا نقله القاضي عياض عن مالك وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ الصَّحيح عند الأكثرين أنَّ الخوارجَ لا يُكفَّرون ببدعتهم.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولما قاله مالك وجهٌ وهو أنَّ منهم من يكفِّر كثيرًا من الصَّحابة ممَّن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنَّة وبالإيمان، فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهِمْ للشَّهادة المذكورة لا من مجرَّد صدورِ التَّكفير منهم بتأويلٍ، كما سيأتي إيضاحه في «باب مَن أكفر أخاه بغير تأويلٍ» [خ¦6103] .
والتَّحقيق أنَّ الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقولَ ذلك لأخيهِ المسلم، وذلك قبل وجود فرقةِ الخوارج وغيرهم، وقيل معناهُ رجعتْ عليه نقيصتهُ لأخيهِ ومعصيةُ تكفيره وهذا لا بأسَ به. وقيل يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفرِ، كما قيل المعاصي بريدُ الكفر، فيخاف على من أَدامها وأصرَّ عليها سوء الخاتمة.
وأَرْجَح من الجميع كله أنَّ من قال ذلك لمن يُعَرفُ منه الإسلام ولم يقم له شبهةٌ في زعمهِ أنَّه كافرٌ فإنَّه يَكْفُر بذلك، فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالرَّاجع التَّكفير لا الكفر، فكأنَّه كفَّر نفسه لكونه كفَّر من هو مثلهُ، ومن لا يكفِّره إلَّا كافرٌ يعتقد بطلان دين الإسلام. ويؤيِّده أنَّ في بعض طرقه وجب الكفر على أحدهما.
وقال القرطبيُّ حيث
ج 25 ص 476
جاء الكفر في لسان الشَّرع فهو جحد المعلوم من دين الإسلام بالضَّرورة الشَّرعية، وقد ورد الكفر في الشَّرع بمعنى جحدِ النِّعم وترك شكر المُنْعم والقيام بحقِّه. وفي حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه (( يكفرنَ الإحسان ويكفرنَ العشير ) ).
والحاصل أنَّ المقول له إن كان كافر كفرًا شرعيًّا فقد صدقَ القائل، وذهبَ به المقول له، وإن لم يكن رجعَ للقائل معرَّة ذلك القول وإثمه، وهذا من أعدلِ الأجوبة. وقد أخرج أبو داود عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه بسندٍ جيِّدٍ رفعه (( إنَّ العبدَ إذا لعن شيئًا صعدت اللَّعنة إلى السَّماء فتغلق أبواب السَّماء دونها، ثمَّ تهبطُ إلى الأرض فتأخذ يمنةً ويسرةً، فإن لم تجدْ مساغًا رجعت إلى الَّذي لُعن، فإن كان أهلًا وإلَّا رجعت إلى قائلها ) ).
وله شاهدٌ عند أحمد من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه بسندٍ حسنٍ، وآخر عند أبي داود والتِّرمذي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، ورواته ثقاتٌ، لكنَّه أعلَّ بالإرسال.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في «الإيمان» .
[1] ابن عباس رضي الله عنهما ولي البصرة لعلي رضي الله عنه، فلعله استناب أبا الأسود مكانه.