فهرس الكتاب

الصفحة 901 من 11127

556 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفَضْل بن دُكَين (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ (شَيْبَانُ) هو ابن عبد الرَّحمن التَّيميُّ (عَنْ يَحْيَى) هو ابن أبي كثير، وفي نسخة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوف.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجالُ هذا الإسناد بهذا التَّرتيب قد تقدَّموا في باب كتابة العلم [خ¦112] ، وهم ما بين كوفيِّ وبَصْريٍّ ومَدَني، وقد أخرجَ متنه مسلم والنسائي وابن ماجه أيضًا.

(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً) أي ركعة؛ إذ الركعة إنما يكون تمامها بسجودها فسُمِّيتْ على هذا المعنى سجدةً على ما قاله الخطَّابي.

ويدلُّ عليه الرِّواية الأخرى للبخاري [خ¦579] (( من أدرك من الصبح ركعة ) )وكذلك فسَّرها في رواية مسلمٌ حيث قال (( والسَّجدة إنما هي الركعة ) )لكن المُراد منها بعض الصلاة، وإدراكُ شيء منها كالرَّكعة والسَّجدة والتَّحريمة، وهي أدناها لإتمام الرَّكعة، والتَّقييد في الحديث بركعة خارجٌ على الغَالب، فإنَّ غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعةٌ ونحوها، وأمَّا التَّكبيرة الأولى وما يقرب منها فلا تكاد تحسُّ، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.

(مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ) وفي رواية (الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ) على أن تكون كلها أداءً كما هو الصحيح.

وقال بعض الشَّافعيَّة كلها قضاء، وتظهرُ فائدةُ الخلاف في مسافر نوى العصر وصلَّى ركعة في الوقت، فإن قلنا الجميع أداء فله قصرها، وإن قلنا كلها قضاء أو بعضها وجبَ إتمامُها أربعًا إن قلنا فائتة السَّفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها، وهذا كله إذا أدرك ركعة في الوقت، فأمَّا إذا أدرك ما دون ركعة فقال الجمهور كلها قضاء.

والفرق أنَّ ركعة تشتمل على معظم أفعال الصَّلاة؛ إذ معظم الباقي كالتَّكرير لها، فجعل ما بعد الوقت تابعًا لها بخلاف ما دونها، وعلى القول بالقضاء يأثم المصلِّي

ج 3 ص 512

بالتأخير إلى ذلك الوقت، وكذا على القول بالأداء نظرًا إلى التحقيق لا نظرًا إلى الظاهر المستند إلى الحديث، والله أعلم.

(وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ) ففي الحديث دليل صريح على أن من صلى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت قبل السَّلام لا تبطل صلاته بل يُتمَّها، وهذا بالإجماع، وأما في الصُّبح فكذلك عند الشَّافعي ومالك وأحمد.

وعند أبي حنيفة تبطلُ صلاة الصُّبح بطلوعِ الشَّمس فيها، وقالوا الحديث حجَّة عليه.

وقال النَّوويُّ قال أبو حنيفة رحمه الله تَبْطلُ صلاة الصُّبح بطلوع الشمس فيها؛ لأنه دخل وقت النَّهي عن الصلاة بخلاف الغروب، والحديث حُجَّة عليه.

وقال محمود العَينيُّ مَنْ وقفَ على ما أَسَّس أبو حنيفة رحمه الله مذهبه عليه [1] ، وعثر على ما حملَ هذا الحديث عليه عرف أن الحديث ليس بحُجَّة عليه، وعرف أنَّ غير هذا الحديث من الأحاديث حجَّة عليهم فنقولُ لا شكَّ أنَّ الوقتَ سببٌ للصَّلاة وظرفٌ لها، ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببًا؛ لأنه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعيَّن أن يجعل بعض الوقت سببًا وهو الجزء الأوَّل لسلامته عن المُزَاحِم، فإن اتَّصل به الأداء تقرَّرت السَّببيِّة وإلَّا تنتقل إلى الجزء الثَّاني والثَّالث والرَّابع وما بعده إلى أن يتمكَّن فيه من عقد التَّحريمة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت.

ثمَّ هذا الجزء إن كان صحيحًا بحيث لم يُنْسب إلى الشَّيطان، ولم يُوصَف بالكراهة كما في الفجر وَجَب عليه كاملًا حتَّى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع الشَّمس في خلال الصَّلاة فسدت خلافًا لهم؛ لأن ما وَجَب كاملًا لا يتأدَّى ناقصًا كالصوم المنذور المطلق، أو صوم القضاء لا يتأدَّى في أيام النحر والتَّشريق، وإن كان هذا الجزء ناقصًا منسوبًا إلى الشَّيطان كالعصر وقتَ الإحمرار وجب ناقصًا؛ لأن نُقْصان السَّبب مؤثر في نقصان المُسبِّب، فيتأدَّى بصفة النُّقصان؛ لأنه أدى كما لزم كما إذا نذر صوم النَّحر وأدَّاه فيه، فإذا غربت الشَّمس في أثناء الصَّلاة لم تفسد العصر؛ لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدَّى فيه؛ لأن ما وجب ناقصًا يتأدَّى كاملًا بالطَّريق الأولى.

فإن قلتَ يلزم أن يُفسد العصر إذا شرعَ فيه في الجزء الصَّحيح ومدَّها إلى أن غربت.

فالجواب أنَّه لما كان الوقت متَّسعًا جاز له شغل كل الوقت فيُعْفى الفساد الذي يتَّصل فيه بالبناء؛ لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذِّر.

وأمَّا الجواب عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه

ج 3 ص 513

فإنَّه صريح في ذكر البناء بعد طلوع الشَّمس فبأن يُقال قد تواترت الآثار عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنَّهي عن الصلاة عند طلوع الشمس ما لم يتواتر بإباحة الصَّلاة عند ذلك، فدلَّ ذلك على أن ما كان فيه الإباحة منسوخًا بما كان فيه التَّواتر بالنَّهي.

وتحقيقه أنه اجتمعَ في ذلك الباب مُحرِّم ومُبِيح، وقد تواترت الأخبار والآثار في باب المُحرِّم ما لم تتواتر في باب المُبِيح، وقد عُرِفَ من القاعدة أن المُحرِّم والمبيح إذا اجتمعا يكون العمل للمحرم، ويكون المُبِيح منسوخًا وذلك لأن النَّاسخ هو المتأخِّر.

ولا شكَّ أن الحُرْمة متأخِّرة عن الإباحة؛ لأن الأصلَ في الأشياء الإباحة، والتَّحريم عارض، ولا يجوز العكس؛ لأنه يلزم النَّسخ مرَّتين، وما قِيلَ إنَّ النَّهي المذكور عن الصَّلاة في ذلك الوقت إنَّما ورد في التَّطوُّع دون قضاء الفرائض فمردودٌ بحديث عِمْرَان ابن الحُصَيْن رضي الله عنه الذي أخرجه البُخاريُّ ومسلم وغيرهما قال (( سرينا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة _ أو قال في سريَّة _ فلمَّا كان آخر السَّحر عرَّسنا فما استيقظنا حتى أيقظنا حرُّ الشمس. .. ) )الحديث [خ¦344] .

وفيه أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخَّر صلاة الصُّبح حتى حينَ فاتتْ عنهم إلى أن ارتفعت الشَّمس ولم يصلِّها قبل الارتفاع، فدلَّ ذلك أن النَّهي عامٌ يشملُ الفرائض والنَّوافل، والتَّخصيص بالتطوُّع ترجيح بلا مُرَجِّح.

ومن فوائد هذا الحديث ما استدَّل عليه إمامنا الأعظم أبو حَنيفة رحمه الله ومن تَبِعَه أنَّ آخر وقت العصر هو غروب الشَّمس؛ لأن من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك، فإذا كان مُدْرِكًا يكون ذلك الوقت من وقت العصر؛ لأن معنى قوله (( فقد أدرك ) )؛ أدرك وجوبها حتَّى إذا أدرك الصَّبي قبل غروب الشَّمس، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو طَهُرَت الحائض يجب عليه صلاة العصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءًا يسيرًا لا يَسَعُ فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشَّمس.

وقالُ زَفرْ رحمه الله لا يجب ما لم يجد وقتًا يسع الأداء فيه حقيقة، وعن الشَّافعيِّ فيما أدرك ما دون ركعة كتكبيرة مثلًا قولان أحدهما لا يلزمه، والآخر يلزمه وهو أصحَّهما.

ثمَّ إنَّهم اختلفوا في معنى الإدراك هل هو للحكم أو للفضل أو للوقت في أقلِّ من ركعة؟ فذهب مالكٌ والجمهور وهو أحد قولي الشَّافعيِّ إلى أنَّه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقل من ركعة متمسِّكين بلفظ الركعة، وبما في «صحيح ابن حبان» عن أبي هريرة رضي الله عنه

ج 3 ص 514

(( إذا جئتُم إلى الصَّلاة ونحن سجود فاسجدوها ولا تعدُّوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة ) ).

وذهب أبو حنيفةَ وأبو يوسف والشَّافعيُّ في قولٍ إلى أنه يكون مدركًا لحكم الصلاة، وأمَّا قيد الركعة في الحديث فخارجٌ مَخْرجَ الغالب كما تقدَّم حتَّى قال بعض الشَّافعية إنَّما أراد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذكر الركعة البعض من الصَّلاة؛ لأنه روي عنه (( من أدرك ركعة من العصر، ومن أدرك ركعتين من العصر، ومن أدرك سجدة من العصر ) )فأشار إلى بعض الصَّلاة مرَّة بركعة، ومرَّة بركعتين، ومرَّة بسجدة، والتَّكبيرة في حكم الركعة؛ لأنَّها بعض الصَّلاة، فمن أدركها فكأنَّه أدرك ركعة.

وقال القرطبيُّ واتَّفق هؤلاء _ يعني أبا حنيفةَ وأبا يوسف والشَّافعيُّ في قولٍ _ على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل الغروب، واختلفوا في الظُّهر، فعند الشَّافعيِّ في قولٍ هو مُدرِك بالتَّكبيرة لها لاشتراكهما في الوقت، وعنه أنَّه بتمام القيام للظُّهر؛ لأنه يكون قاضيًا لها بعد.

واختلفوا في الجمعة فذهب مالكٌ والثَّوريُّ والأوزَاعيُّ واللَّيثُ وزُفَرُ ومحمَّدٌ والشَّافعيُّ وأحمدُ إلى أنَّ مَنْ أدركَ منها ركعة أضاف إليها أخرى.

وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسف إذا أحرمَ في الجمعة قبل تمام الإمام صلَّى ركعتين وهو قول النَّخعيِّ والحكم وحمَّاد.

وأغرب عطاء ومَكْحُول وطاوُس ومُجَاهد فقالوا إنَّ مَنْ فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلِّي أربعًا؛ لأنَّ الجمعة إنما قصرت لأجل الخطبة.

وحمل أصحاب مالك قوله (( من أدرك ركعة من العصر ) )على أصحاب الأعذار كالحائض والمُغْمى عليه وشبههما.

ثمَّ هذه الرَّكعة التي يدرك بها الوقت هي بقدر ما يكبِّر فيها للإحرام، ويقرأ أمَّ القرآن قراءة معتدلة، ويركع ويسجد سجدتين يفصل بينهما، ويطمئنُّ في كل ذلك على قول من أوجب الطُّمأنينة.

وأمَّا على قول مَنْ لا يُوجِب قراءة أمِّ القرآن في كلِّ ركعةٍ فَيكْفِيه تكبيرة الإحرام، والوقوف لها، وأشهب لا يراعي إدراك السَّجدة بعد الرَّكعة.

وسبب الخِلاف هو أنَّ المفهوم من اسم الركعة هل هي الشَّرعيَّة أو اللُّغويَّة؟ وأما التي يدرك بها فضيلة الجماعة فحكمها بأن يكبِّر لإحرامها ثم يركع، ويُمَكِّن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، وهذا مذهب الجمهور.

ورُوي عن أبي هريرة أنَّه لا يُعتدُّ بالركعة ما لم يُدرِك

ج 3 ص 515

الإمام قائمًا قبل أن يركع، ورُوِي معناه عن أشهب. ورُوِي عن جماعةٍ من السَّلف أنَّه متى أحرم والإمام راكع أجزأه، وإن لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام، وقيل يُجزِئهُ إن رفع الإمام رأسه ما لم يرفع النَّاس.

ونقله ابنُ بَزِيزة عن الشَّعبي قال وإذا انتهى إلى الصَّف الآخر ولم يرفعوا رؤوسهم، أو بقي واحدٌ منهم لم يرفعْ رأسه، وقد رفعَ الإمامُ رأسَه فإنَّه يركع، وقد أردك الصلاة.

وقال ابن أبي ليلى وزُفَرْ والثَّوريُّ إذا كبَّر قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وإن رفعَ الإمامُ قبل أن يضع يديه على ركبتيه لا يعتدُّ بها.

وقال ابن سيرين إذا أدرك تكبيرة يدخل بها في الصَّلاة، وتكبيرة للرُّكوع فقد أدرك تلك الركعة.

وقال القُرطبيُّ وقيل يجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام.

وقال ابن بزيزة قال أبو العالية إذا جاء وَهُمْ سجودٌ يسجد معهم، فإذا سلَّم الإمام قام فركعَ ركعة، ولا يسجد ويعتدُّ بتلك الرَّكعة.

وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما أنَّه كان إذا جاءَ والقوم سجودٌ سجد معهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد أخرى ولا يعتدُّ بها.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه إذا ركعَ ثمَّ مشى فدخلَ في الصَّف قبل أن يرفعوا رؤوسهم اعتدَّ بها، وإن رفعوا رؤوسهم قبل أن يَصِلَ إلى الصَّف فلا يعتدُّ بها، والله أعلم.

[1] في الأصل (مذهبه أبو حنيفة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت