557 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) وزِيْدَ في رواية الأَصيليِّ قولَه بضم الهمزة وفتح الواو، ونسبته إلى أويس أحد أجداده، وقد مرَّ في باب الحرص على الحديث [خ¦99] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (إِبْرَاهِيمُ) وفي رواية بسكون العين، هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، أبو إسحاق الزُّهريُّ القرشيُّ المدنيُّ.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عُمَر ابن الخطَّاب رضي الله عنه (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ) ظاهره أنَّ بقاء هذه الأمَّة وقعَ في زمان الأمم السَّالفة، وليس ذلك بمراد قطعًا، وإنَّما معناه أن نسبة مدَّة هذه الأمم إلى مدَّة من تقدَّم من الأمم [مثلُ ما بين صلاة العصر وغروب الشمس إلى بقية النهار فكأنه قال إنما بقاؤكم بالنسبة إلى ما سلف] [1] .
وحاصله أنَّ «في» بمعنى إلى، وأن فيه تقدير مضاف، وهو لفظ «نسبة» .
(كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) أي مثل نسبة وقت العصر إلى بقية النَّهار، وكان القِيَاس أن يُقَال وغروب الشمس، بالواو؛ لأنَّ «بين» يقتضي التَّعدد، ولكن المراد من الصلاة وقتَ الصلاة،
ج 3 ص 516
وله أجزاء فكأنَّه قال بين أجزاء وقت العصر.
(أُوتِيَ) على صيغة البناء للمفعول؛ أي أُعطِيَ (أَهْلُ التَّوْرَاةِ) وهم اليهود قومُ موسى عليه السلام (التَّوْرَاةَ) بالنَّصب على أنه مفعول ثانٍ لقوله (( أوتي ) )وأما مفعوله الأوَّل فهو قوله «أهل التوراة» وقد أُقِيمَ مُقام الفاعل (فَعَمِلُوا) وزِيدَ في رواية أي بالتوراة.
(حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا) أي عن استيفاء عمل النَّهار كلِّه، قال الدَّاوديُّ قاله أيضًا في النصارى، فإن كان منهم مَنْ ماتَ مُسْلِمًا فلا يُقَال عجز؛ لأنه عمل بما أمر به، وإنْ كانَ قاله فيمن آمن ثم كفرَ فكيف يعطي القيراط مَنْ حَبِطَ عملُه؟.
وأُجيب بأنَّ المُراد من ماتَ منهم مُسْلِمًا قبل التَّغيير والتَّبديل، وعبَّر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عملَ النَّهار كله، وإن كانوا قد استوفوا بما قدِّر لهم.
فقوله (( عجزوا ) )أي عن إحراز الأجر الباقي دون الأوَّل، لكن من أدرك منهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآمن به أُعطِيَ الأجر مرَّتين، كما ينطق به الحديث الآخر [خ¦3011] .
(فَأُعْطُوا) أي أُعْطِيَ كلُّ واحدٍ منهم (قِيرَاطًا قِيرَاطًا) فالأوَّل مفعولٌ ثانٍ للإعطاء، والثَّاني تأكيد، أو المعنى أعطوا أجرهم حال كونه قِيْرَاطًا قيراطًا، فهو حال، وإنَّما كرَّر لفظ القيراط ليدلَّ على تقسيم القَرَارِيط على جميعهم، كما هو عادة كلامهم حيث أرادوا تقسيم الشَّيء على مُتَعدِّد، والمعنى أعطوا الأجر متساوين، وهو نصف دَانِقٍ، والمراد منه النَّصيب والحصَّة، وقد مرَّ الكلامُ فيه مستوفىً في باب اتِّباع الجنائز من الإيمان [خ¦47] .
(ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا) بها من نصف النهار (إِلَى) وقت (صَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا) وانقطعوا عن العمل أيضًا (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا) كذلك.
(ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا بِهِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا) على البناء للمفعول. (قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ) اليهود والنصارى، وفي رواية ابن عساكر على إدارة الجنس (أَيْ) حرف نداء نحويًا (رَبَّنَا) بالنَّصب (أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟) لأن الوقت من الصُّبح إلى الظُّهر أكثر من وقت العصر إلى المغرب، لكنَّ قول النَّصارى إنَّما يَصحُّ على مذهب أبي حنيفة أنَّ وقت العصر بصيرورة الظلِّ مثليه، وهذا من جملة أدلَّته على مذهبه [2] .
وأما على مذهب صاحبيه والشَّافعيَّة أنه بصيرورة الظل مثله فمُشكِل، ويمكن أن يُجَاب بأنَّ عمل المجموع من أهل الكتابين أكثر وإن لم يكن عمل أحدهما أكثر، ويمكن أن يقال أيضًا لا يلزم من كونهما أكثر عملًا كونهم أكثر زمانًا؛ لاحتمال كون العمل أكثر في الزَّمان الأقلِّ؛ لكون العمل في زمنهم أشقُّ.
ويُؤيِّده قوله تعالى {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة 286] ، وممَّا يؤيِّد كون
ج 3 ص 517
المُرَادِ كثرةَ العمل وقِلَّته لا بالنِّسبة إلى طول الزَّمان وقصره كونُ أهل الإخبار متَّفقين على أنَّ المدَّة الَّتي بين عيسى ونبيِّنا عليهما الصَّلاة والسلام دون المدة التي بين نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيام السَّاعة؛ لأنَّ جمهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا إنَّ مدَّة الفترة بين عيسى ونبيِّنا عليهما الصلاة والسَّلام ستمائة سنة، وثبت ذلك في «صحيح البُخاريِّ» عن سلمان [خ¦3948] .
وقِيلَ إنَّها دون ذلك، حتَّى جاء عن بعضهم أنها مئة وخمس وعشرون سنة، وهذه مدَّة المسلمين بالمُشَاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسَّكنا بأنَّ المُرَاد التَّمثيل بطول الزَّمانين وقصرهما للَزِمَ أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظهر، ولا قائل به فدَّل على أنَّ المَراد كثرة العمل وقلَّته.
وأقولُ أو المراد كونُ زمان كل واحدٍ من هذه الأمَّة أقصرَ من زمانِ كلِّ واحدْ من تلك الأمَّة، لا كون مدَّة شريعتهم أقصرَ من مدَّةِ شريعة تلك الأمَّة، ولعلَّه أقرب الاحتمالات.
وقِيل يُحْتَمل أن يكون ذلك قول اليهود خَاصَّة فيندفِعُ الاعتراض من أصله، ويكون نسبة ذلك إلى الجميع في الظَّاهر غير مرادة، بل هو من قبيل التَّغليب، والله أعلم.
(قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي هل نقصتكم؛ إذ الظُّلم قد يكون بزيادة الشَّيء، وقد يكون بنقصانه، وفي بعض النسخ بهمزة الاستفهام (مِنْ أَجْرِكُمْ) الذي شرطته ووعدُته لكم. (مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا لاَ) أي ما نقصتنا مِنْ أَجرنا شيئًا (قَالَ فَهْوَ) أي ما أعطيه من الثَّواب (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) .
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( إلى غروب الشَّمس ) )فإنه يدلُّ على أن وقت العصر إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، وأنَّ مَنْ أدركَ ركعةً من العصر قبل الغروب فقد أدرك وقتها فليتمَّ ما بقي، وهذا المقدار بطريق الاستئناس الإقناعي لا بطريق الأمر البُرهاني.
وفي الحديث تفضيلُ هذه الأمَّة، وتوفير أجرها مع قلَّةِ العمل، وإنَّما فُضِّلتْ لقوَّة يقينها، ومراعاة أصل دينها، فإن زلَّت فأكثر زللها في الفروع بخلاف مَنْ كانَ قبلهم كقولهم {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} [الأعراف 138] وكامتناعهم من أخذ الكتاب حتَّى نتق الجبل فوقهم، وقولهم {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} [المائدة 24] .
وفيه ما استنبطه بعضهم أنَّ مدَّة المسلمين من حين وُلِدَ سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قيام السَّاعة ألف سنةٍ، وذلك لأنه جعل النَّهار نصفين
الأوَّل لليهود فكانت مدَّتهم ألف سنةٍ وستُّمائةِ سنةٍ وزيادةٌ في قول ابن عبَّاس في رواية أبي صالح عنه، ومدَّة النَّصارى ستمائة سنة؛ لأنَّه كان بين عيسى ونبيِّنا عليهما الصلاة والسلام
ج 3 ص 518
ستمائة سنة فبقيَ للمسلمين ألف سنة وزيادة.
وفيه نظر من حيث الاختلافُ في مدَّة الفترة، فذكر الحاكم في «الإكليل» أنها مئة وخمس وعشرون سنة، وذكر أنَّها أربعمائة سنة، وقِيل خمسمائة وأربعون سنة.
وعن الضَّحاك أربعمائة وبضع وثلاثون سنة، على أنَّه في قولِ ابن إسحاق بين موسى وعيسى عليهما الصَّلاة والسَّلام ألف سنة وتسعمائة وتسع عشرة سنة، وإن كان القول الأوَّل في المُدَّتين أصح الأقوال.
نعم، ذكر السُّهيليُّ أنَّ جعفرَ بن عبد الوَاحِد الهَاشِمي حدَّث بحديثٍ مرفوع (( إن أحسنت أمَّتي فبقاؤها يوم من أيَّام الآخرة وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم ) ).
وفي حديث رَمْلَة الخُزَاعِي قال رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع درجات، وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنَّك تبعتها، ففسَّر له النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاقة بقيام السَّاعة التي أنذر بها، ودرجات المِنْبَر عدَّة الدُّنيا سبعة آلاف سنة بُعِثَ في آخرها ألفًا.
قال السُّهيليُّ والحديث وإن كان ضعيف الإسناد فقد رُوِيَ موقوفًا على ابن عبَّاس رضي الله عنه من طرقٍ صحاحٍ أنه قال الدُّنيا سبعة أيَّامٍ كل يوم ألف سنة. وصحَّحه الطَّبريُّ وعضده بآثار.
وفيه ما استدلَّ به بعضُ أصحابنا الحنفية على أن آخرَ وقتِ الظُّهر ممتدٌ إلى أنْ يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، وذلك أنه جعلَ لنا من الزَّمان في الدُّنيا في مقابلة مَنْ كانَ قبلنا من الأمم بقدر ما بين صلاة العصر إلى غروب الشَّمس، وهو يدلُّ على أن بينهما أقل من ربع النَّهار؛ لأنه لمْ يبقَ من الدُّنيا ربع الزَّمان؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( بعثت أنا والسَّاعة كهاتين ) ) [خ¦4936] وأشار بالسَّبَّابة والوُسْطى، فشبَّه ما بقي من الدُّنيا إلى قيامِ السَّاعةِ عندما انقضى بقدر ما بين السَّبابة والوسطى مِنَ التَّفاوتِ وهو نصف الأنملة وهو أقل من الرُّبع، وهذا كلُّه على سبيل الحرز والتَّخمين، والعلم عند الله الملك الحقُّ المبين، ثمَّ رجال هذا الحديث مدنيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي.
وقد أخرجه المؤلِّف في الإجارة إلى نصف النَّهار [خ¦2269] ، وباب فضل القرآن [خ¦5021] ، والتَّوحيد [خ¦7533] ، وباب ذكر بني إسرائيل [خ¦3459] ، وأخرجه مسلم والتِّرمذيَّ أيضًا.
[1] ما بين معقوفين مستدرك من الفتح.
[2] في هامش الأصل قوله وهذا من جملة أدلته على مذهبه تمسَّك به بعض الحنفيَّة منهم أبو زيد الدَّبوسي في كتاب (( الأسرار ) )قال ما حاصلهُ إنَّه لو كان وقت العصر إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله لكان مساويًا لوقت الظُّهر، وقد قالوا كنَّا أكثر عملًا، فدلَّ على أنَّه دون وقت الظهر. وأُجِيب بمنع المساواة، وأمَّا ما نقله بعض الحنابلة من الإجماع على أن وقت العصر ربع النَّهار فمحمولٌ على التَّقريب، وعلى التنزُّل لا يلزم من التَّمثيل والتشبيه التسوية من كل وجه على أنَّ الخبر إذا وَرد في معنىً مقصودٍ لا يؤخذ منه المعارضة لما ورد في ذلك المعنى بعينه مقصودًا في أمر آخر، والله أعلم. منه.