فهرس الكتاب

الصفحة 903 من 11127

558 - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) بضم الكاف، محمَّد بن العَلاء (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أُسامة _ بضم الهمزة فيهما _ (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة وفي آخره دال مهملة، هو ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي يُكنَّى أبا بردة.

(عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريِّ رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين

ج 3 ص 519

كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه ثلاثة بالكُنَى قد سبق ذكرهم في باب فضل من علم [خ¦79] ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الإجارة أيضًا [خ¦2271] .

(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه قال (مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ) المَثَل _ بفتح الميم والمثلثة _ في الأصل بمعنى المِثل _ بكسر الميم _ وهو النَّظير، يقال مِثل ومَثَل ومَثيل كشِبه وشَبَه وشَبيه، ثمَّ قيل للقول السَّائر الممثل مضربه بمورده مَثَلٌ، ولم يَضْرِبوا مَثَلًا إلَّا لما فيه غرابة، وفائدته التَّوضيح والتَّقرير، والمعنى هنا مثل المسلمين مع نبيِّهم.

(وَ) مثل (الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ قَوْمًَا) وهذا تشبيه المركَّب بالمركَّب، فالمشبَّه والمشبَّه به هما المجموعان الحاصلان في الطَّرفين، وإلَّا كان القياس أنْ يُقَال كمثل أقوام استأجرهم رجل، فالمُمثلُ الأمم مع أنبيائهم، والمُمَثَّل به الأُجَراء مع من استأجرهم.

(يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) الخطاب للمُستَأجر، والمُراد منه لازمُ هذا القول وهو تركُ العمل.

(فَاسْتَأْجَرَ) قومًا (آخَرِينَ) بفتح الخاء المعجمة.

(فَقَالَ) لهم المستأجر (أَكْمِلُوا) بهمزة قطع من الإكمال، وللكُشميهنيِّ من العمل (بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمُ) خبر مُقدَّم مبتدؤه قوله (الَّذِي شَرَطْتُ) لهؤلاء من الأجر (فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ) بنصب «حِينَ» على أنَّه خبرُ كان؛ أي الزَّمان زمان (صَلاَةِ الْعَصْرِ) أو برفعه على أنَّ كان تامَّة.

(قَالُوا لَكَ مَا عَمِلْنَا) أي ليكن لك ما عملنا لا حاجة لنا في أُجْرَتك التي شرطتَ لنا، فقال لهم لا تفعلوا أكملوا بقيَّة يومكم فإنَّه ما بقي من النهار إلَّا شيء يسير، وخذوا أجرتكم كاملة وافية فأبوا عليه وتركوا ذلك كلَّه، وفي باب الإجَارة إلى نِصْفِ النَّهار فغضبت اليهود والنَّصارى [خ¦2268] ؛ أي الكفَّار منهم.

(فَاسْتَأْجَرَ) قومًا (آخَرِينَ) فقال لهم اعملوا بقيَّةَ يومِكم (فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ) الأوَّلين كلَّهم فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله، وما جاء به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومثل اليهود والنَّصارى الَّذين تركوا ما أمرهم الله عزَّ وجلَّ وحرَّفوا وكفروا بالنَّبيِّ الذي بعث بعد نبيِّهم، بخلاف الفريقين السَّابقين في الحديث السَّابق [خ¦557] حيث أعطوا قيراطًا قيراطًا؛ لأنهم ماتوا قبل النَّسخ، وبهذا يندفع ما يُتوهَّم من المخالفة بين الحديثين حيث دلَّ حديث أبي موسى على أنَّ الفريقين لم يأخذا شيئًا، وحديث ابن عمر دلَّ على أن كلاًّ منهما أخذ قيراطًا.

وقال ابنُ رشيد ما مُحصِّله إنَّ حديث ابن عمر رضي الله عنهما

ج 3 ص 520

ذكرَ مثالًا لأهل الأعذار لقوله فعجزوا، فأشار إلى أنَّ من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكونَ له صنيع في ذلك يحصل له الأجر تامًَّا فضلًا من الله تعالى، وذكر حديث أبي موسى مثالًا لمن أخَّر من غير عذر، وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم لا حاجة لنا إلى أجرك، فأشار بذلك إلى أن من أخَّر عامدًا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار.

وقال الخطَّابي دلَّ حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ مبلغ أجرة اليهود لعمل النَّهار كلَّه قيراطان، وأجرة النَّصارى للنِّصف الباقي من النَّهار إلى اللَّيل قيراطان، ولو تمَّموا العمل إلى آخر النَّهار لاستحقُّوا تمام الأجرة وأخذوا قيراطين إلَّا أنَّهم انخزلوا ولم يفوا بما ضمنوه فلم يصيبوا إلَّا ما خصَّ كل فريق منهم من الأجرة وهو قيراط، ثمَّ إنَّ المسلمين لما استوفوا أجرة الفريقين معًا حاسدوهم وقالوا. .. إلى آخره، ولو لم يكن صورة الأمر على هذا لم يَصحَّ هذا الكلام، وفي طريق أبي موسى زيادةُ بيانٍ له.

وقوله لا حاجةَ لنا. .. إلى آخره إشارة إلى تحريفهم الكُتُبَ وتبديلهم الشَّرائع، وانقطاع الطَّريق بهم عن بلوغ الغاية فحرَّموا إتمام الأجرة بجنايتهم على أنفسهم حين امتنعوا من إتمام العمل الَّذي ضمنوه.

وقال محمودٌ العينيُّ المقصودُ من حديث أبي موسى رضي الله عنه ضرب المثل للنَّاس الذين شُرِعَ لهم دين موسى عليه السَّلام ليعملوا الدَّهر كلَّه بما يأمرهم به، وينهاهم عنه إلى أن بعثَ الله عيسى عليه السلام فأمرهم باتِّباعه فأبوا وتبرَّؤا ممَّا جاء به عيسى عليه السَّلام، وعمل آخرون بما جاء به فأمرهم أن يعملوا بما يُؤْمَرون به باقي الدَّهر فعِملوا حتَّى بُعِثَ سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدعاهم إلى العمل بما جاء به فأبوا وعصوا، فجاءَ الله بالمسلمين فعملوا بما جاء به وأكملوا إلى قيام السَّاعة، فلهم أجر من عمل الدَّهر كله بعبادة الله تعالى كإتمام النَّهار الذي استؤجر عليه كلَّه.

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه قدَّر لهم مدَّة أعمال اليهود ولهم أجرهم قيراطًا إلى أن نسخَ الله شريعتهم بعيسى عليه السَّلام، وقال عندَ مَبْعَثِ عيسى عليه السَّلام من يَعمل إلى مدَّة هذا الشَّرع فله أجره قيراطًا، فعملت النَّصارى إلى أن نسخ الله ذلك بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قالَ مُتَفضِّلًا على المسلمين منْ يعملْ بقيَّةَ النَّهارِ إلى اللَّيل فله قيراطان، فقال المسلمونَ نحن نعملَ إلى انقطاعِ الدَّهر، فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى عليه السَّلام وعمل بشريعته أيضًا فله أجره مرَّتين، وكذلك النَّصارى إذا آمنوا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما جاءَ في الحديث (( ورجلٌ آمن بنبيِّه، وآمن بي فيُؤتَى أجره مرَّتين ) ).

تكميل قال المُهَلَّب ما معناه أَوردَ البُخاريُّ

ج 3 ص 521

حديث ابن عمر، وحديث أبي موسى رضي الله عنه في هذه التَّرجمة؛ ليدلَّ على أنَّه قد يستحقَّ بعمل البعض أجر الكلِّ مثل الذي أُعطِيَ من العصر إلى اللَّيل أجرِ النَّهار كله فهو نظير من يُعطَى أجر الصلاة كلِّها ولو لمْ يدرِك إلَّا ركعة، وبهذا يظهر مطابقة الحديثين للتَّرجمة.

وقال الحافظ العَسْقَلانيُّ وتكملةُ ذلك أن يُقَال إنَّ فضل الله الذي أقام به عمل ربع النَّهار مُقام عمل النهار كله هو الذي اقتضى أن يقوم إدراك الرَّكعة الواحدة من الصلاة الرباعيَّة الَّتي هي العصر مَقام إدراك الأربع في الوقت، فاشتركا في كون كلٍّ منهما ربع العمل، وحصل بهذا التَّقرير جواب عمَّن اسْتَشكل وقوعَ الجميع أداءً مع أنَّ الأكثر إنَّما وقع خارج الوقت، فيُقَال في هذا ما أُجِيبَ به أهل الكتابين ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وقال صاحبُ «التَّلويح» في كلام المهلَّب بُعد فإنَّه لو قال إنَّ هذه الأمَّة أُعْطِيَت ثلاث قراريط لكان أشبه، ولكنَّها ما أُعْطِيَت إلَّا بعضَ أجر جميع النَّهار، نعم؛ عمِلَت هذه الأمَّة قليلًا، وأخذت أجرًا كثيرًا، ثمَّ هو أيضًا منفكٌّ عن محل الاستدلال؛ لأنَّ الأمَّة عملت آخر النَّهار فكان أفضل من عمل المتقدِّمين قبلها، ولا خلاف أنَّ تقديم صلاة العصر أفضل من تأخيرها، ثمَّ هو من الخصوصيَّات التي لا يُقَاس عليها؛ لأنَّ صيام آخر النَّهار لا يجزئ عن جملته، وكذلك سائر العبادات. انتهى.

وفيه أنَّه ليس في كلام المُهَلَّب ما يقتضي أنَّ إيقاع العبادة في آخر وقتها أفضل من إيقاعها في أوَّله، وأمَّا إجزاء عمل البعض عن الكلِّ فمن قَبيل الفضل فهو كالخصوصيَّة سواءٌ.

على أنَّ قوله ولا خلاف أنَّ تقديم صلاة العصر. .. إلى آخره غير وجيه؛ لأنَّ الخلاف موجود في تقديم صلاة العصر وتأخيرها، وقياسه على الصَّوم كذلك؛ لأن وقت الصَّوم لا يتجزَّأ بخلاف الصَّلاة.

هذا؛ وقال ابن المنيَّر هذا الحديث مثال لمنازل الأمم عند الله تعالى، وأنَّ هذه الأمَّة أقصرها عمرًا، وأقلُّها عملًا، وأعظمها ثوابًا.

ويُسْتَنبط مِنَ الحديثِ بتكلُّف أنَّ وقت العصر يمتدُّ إلى غروب الشَّمس، وأقرب الأعمال المشهور بهذا الوقت صلاة العصر وهو من قبيل الأخذ بالإشارة لا من صريحِ العبارة، فإنَّ الحديث مثال، وليس المراد به العمل الخاص بهذا الوقت، بل هو شامل لسائر الأعمال من الطَّاعات في مدَّة بقاء الأمَّة إلى قيام السَّاعة، وقد قالَ إمامُ الحرمين إنَّ الأحكام لا تُؤْخَذ من الأحاديث

ج 3 ص 522

التي تأتي لضرب الأمثال فإنَّه موضع تَجوُّز، انتهى.

وقال الحافظ العَسْقَلانيُّ وما أبداه مناسبٌ لإدخال هذا الحديث في أبواب أوقات العصر لا لخصوص التَّرجمة، وهي مَنْ أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، بخلاف ما أبداه المهلَّب وأكملناه. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت