6061 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياسٍ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن مهران الحذَّاء، وصرَّح به مسلم في روايته من طريق غُنْدر عن شعبة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نُفَيع _ بضم النون وفتح الفاء _ ابن الحارث الثَّقفي (أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ) بضم المعجمة على البناء للمفعول (عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا) في رواية غندر فقال رجلٌ يا رسول الله ما من رجلٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه في كذا وكذا؛ لعلَّه يعني الصَّلاة لما سيأتي (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْحَكَ) هي كلمة ترحُّم وتوجُّع، تقال لمن وقع في هَلَكةٍ لا يستحقُّها. وقد يقال بمعنى المدح والتَّعجب، وهي منصوبةٌ على المصدرية، وقد تُرفع وتُضاف ولا تضاف، فيقال ويح زيدٍ وويح له، وويحًا له، وأمَّا ويلٌ فهي كلمة عذابٍ وحزنٍ.
(قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ) أي أهلكته، استعارةٌ من قطع العنق الَّذي هو القتل؛ لاشتراكهما في الهلاك كما مرَّ [خ¦6060] ، لكن هذا الهلاك في الدِّين، وقد يكون من جهة الدُّنيا (يَقُولُهُ مِرَارًا) وفي رواية يزيد بن زُريع عن خالد الحذَّاء الَّتي مضت في «الشَّهادات»
ج 25 ص 505
(( ويحك قطعتَ عنقَ صاحبك قطعتَ عنقَ صاحبك مرارًا ) ) [خ¦2662] .
(إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا) أي لأحدٍ (لاَ مَحَالَةَ) بفتح الميم؛ أي لا بدَّ؛ أي لا حيلة له في ترك ذلك، والميم زائدةٌ، ويحتمل أن يكون من الحول؛ أي القوَّة والحركة (فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى) بضم أوله؛ أي يظنُّ (أَنَّهُ كَذَلِكَ) أي الممدوح، وفي رواية يزيد بن زُريعٍ (( إن كان يعلم ذلك ) )وكذا في رواية وهيبٍ (وَحَسِيبُهُ) بفتح الحاء وكسر السين المهملة وبالموحدة (اللَّهُ) يعني يحاسبهُ الله على عمله الَّذي يعلم حقيقته، وقيل أي كافيه، والجملة اعتراضيَّةٌ.
وقال الطِّيبي هي من تتمَّة القول والجملة الشَّرطية حال من فاعل «فليقل» ، والمعنى فليقلْ أحسب أنَّ فلانًا كذا إن كان يحسب ذلك منه، والله يعلم سرَّه فيما فعل فهو يجازيهِ إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌّ، ولا يقل أتيقَّن ولا أتحقَّق أنَّه محسنٌ جازمًا به.
(وَلاَ يُزَكِّي) على البناء للفاعل وهو المخاطب أوَّلًا، المقول له «فليقل» ؛ أي ولا يزكِّي هو (عَلَى اللَّهِ أَحَدًا) بالنصب كذا في رواية الكُشميهني، منعٌ له عن الجزم، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمستملي على البناء للمفعول بالرفع نائب الفاعل. وفي رواية غندر (( ولا أزكِّي ) )بهمزةٍ بدل التحتانية، والمعنى لا يقطع على عاقبة أحدٌ، ولا على ما في ضميره؛ لأنَّ ذلك مغيَّب عنه. وقوله (( ولا يزكي ) )خبرٌ ومعناه النَّهي؛ أي لا تزكوا أحدًا على الله؛ لأنَّه أعلَمُ بكم منكم.
(قالَ وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، هو ابن خالدٍ البصري (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء بسنده السَّابق (وَيْلَكَ) وفي رواية أبي ذرٍّ أي بدل ويحك، وهي كلمة حزنٍ وهلكٍ، وقيل ويح وويل بمعنىً واحدٍ، وتعليق وهيب هذا يأتي موصولًا في «باب ما جاء في قول الرَّجل ويلك» [خ¦6162] .
ومطابقة الحديث للتَّرجمة مثل ما ذكر في الحديث السَّابق، وقد مضى الحديث في «الشَّهادات» أيضًا [خ¦2662] .
تتمَّة قال ابن بطَّال حاصل النَّهي أنَّ من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العُجب لظنِّه أنَّه بتلك المنزلة فربَّما ضيَّع العمل، والازدياد من الخير
ج 25 ص 506
اتِّكالًا على ما وُصف به، ولذلك تأوَّل العلماء في الحديث الآخر (( احثوا في وجوه المدَّاحين التُّراب ) )أنَّ المراد بهم من يمدح النَّاس في وجوههم بالباطل، وبما ليس فيهم.
وقال عمر رضي الله عنه المدح هو الذَّبح، ولم يُرِد به من مدح رجلًا بما فيه، فقد مُدِحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأشعار والخُطب والمخاطبة، ولم يَحْثُ في وجه مادحه التُّراب، ولا أمر بذلك، وقد قال أبو طالبٍ فيه
~وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثُمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
ومدحه حسَّان رضي الله عنه في كثيرٍ من شعره، وكذا كعب بن زهيرٍ وغيره. هذا، فأمَّا الحديث المشار إليه فأخرجه مسلم من حديث المقدادِ رضي الله عنه، وللعلماء فيه خمسة أقوالٍ
أحدها هذا وهو حملهُ على ظاهره واستعمله المقداد راوي الحديثِ.
والثَّاني أنَّ المراد الخيبة والحرمان كقولهم لمن رجع خائبًا رجع وكفُّه مملوءة ترابًا.
والثَّالث قولوا له بفيك التُّراب، والعرب تستعمل ذلك لمن تكره قوله.
والرَّابع أنَّ ذلك يتعلَّق بالممدوح كأن يأخذَ ترابًا فيذرُّه بين يديه يتذكَّر بذلك مصيره إليه فلا يطغى بالمدح الَّذي سمعه.
والخامس أنَّ المراد بحثو التُّراب في وجه المادح إعطاؤه ما طلب؛ لأنَّ كل الَّذي فوق التُّراب ترابٌ. وبهذا جزم البيضاويُّ وقال شبَّه الإعطاء بالحثي على سبيل التَّرشيح والمبالغة في التَّقليل والاستهانة.
قال الطِّيبي ويحتمل أن يُراد دفعه عنه وقطعَ لسانه عن عرضه بما يرضيهِ من الرَّضخ، والدَّافع قد يدفع خصمه بحثي التُّراب على وجهه استهانةً به. وأمَّا الأثر عن عمر رضي الله عنه فورد مرفوعًا أخرجه ابن ماجه وأحمد من حديث معاويةَ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فذكره بلفظ (( إيَّاكم والتَّمادح فإنَّه الذَّبْحُ ) ). وإلى لفظ هذه الرِّواية رمز البخاريُّ في التَّرجمة.
وأخرجه البيهقي في «الشعب» مطوَّلًا وفيه (( وإيَّاكم والمدح فإنَّه من الذَّبح ) ). وأمَّا ما مدح به النَّبي صلى الله عليه وسلم فقد أرشدَ مادحيه إلى ما يجوزُ من ذلك
ج 25 ص 507
بقوله (((لا تُطروني كما أطرتْ النَّصارى عيسى بن مريم ) )وقد تقدَّم بيانه في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3445] .
وقد ضبط العلماء المبالغة الجائزة والممنوعة بأنَّ الجائزة يصحبها شرطٌ أو تقريبٌ، والممنوعة بخلافها.
ويستثنى من ذلك ما جاء عن المعصوم فإنَّه لا يحتاج إلى قيدٍ كالألفاظ الَّتي وصف النَّبي صلى الله عليه وسلم بعض الصَّحابة مثل قوله لابن عمر رضي الله عنهما (( نعم العبد عبد الله ) ) [خ¦3740] وغير ذلك.
وقال الغزاليُّ في «الإحياء» آفة المدح أنَّه قد يكذب وقد يُرائي الممدوح بمدحه، ولاسيَّما إن كان فاسقًا أو ظالمًا؛ فقد جاء في حديث أنسٍ رضي الله عنه رفعه (( إذا مُدح الفاسق غضب الرَّبُّ ) )أخرجه أبو يَعلى وابن أبي الدُّنيا في «الصمت» ، وفي سنده ضعفٌ.
وقد يقول ما لا يتحقَّقه ممَّا لا سبيل له إلى الاطِّلاع عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (( فليقل أحسب ) )، وذاك كقوله أنَّه ورع ومتَّقٍ وزاهد، بخلاف ما لو قال رأيته يصلِّي أو يحجُّ أو يزكِّي فإنَّه يمكنه الاطلاع على ذلك، ولكن تبقى الآفة على الممدوح فإنَّه لا يؤمن أن يُحدِث فيه المدح كبرًا أو إعجابًا، أو يكله على ما شهره به المادح فيفتُر عن العمل؛ لأنَّ الذي يستمرُّ في العمل غالبًا هو الذي يرى نفسه مقصِّرًا، فإن سَلِمَ المدح من هذه الأمورِ لم يكن به بأسٌ وربَّما كان مستحبًّا.
قال ابن عُيينة من عرف نفسه لم يضرُّه المدح. وقال بعض السَّلف إذا مُدح الرَّجل في وجهه فليقل اللَّهمَّ اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تُؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا ممَّا يظنُّون. أخرجه البيهقي في «الشعب» ، والله الموفِّق للصَّواب.