فهرس الكتاب

الصفحة 9040 من 11127

6069 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الأويسيُّ، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه (عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو محمد بن عبد الله بن مسلم الزُّهري عن ابن شهابٍ محمد بن مسلمٍ، وقد روى إبراهيم بن سعدٍ عن الزُّهري نفسه كثيرًا بلا واسطةٍ، وربَّما أدخل بينهما واسطةً كما هنا، وفي رواية عن ابن أخي ابن شهابٍ عن عمِّه. أخرجه مسلم والإسماعيليُّ.

(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّ أُمَّتِي) المسلمون (مُعَافًى) بضم الميم وفتح الفاء مقصورًا، اسم مفعولٍ من العافية الَّتي وضعت موضع المصدر، يقال عافاه الله عافيةً، والعافية دفاع الله عن العبد ما يضرُّه ويؤذيه، والمعنى هنا يعفون عن ذنوبهِم ولا يؤاخذون بها.

(إِلاَّ المجاهِرون) بكسر الهاء؛ أي إلَّا المعلنون بالفسقِ لاستخفافهم بحقِّ الله تعالى ورسوله وبصالح المؤمنين، وفيه ضربٌ من العناد لهم، و «المجاهرون» بالرفع وصحَّح عليه في الفرع وهو

ج 25 ص 525

رواية النَّسفي، وشرح عليها ابن بطَّال والسَّفاقسي وقال كذا وقع وصوابه عند البصريِّين النَّصب وهي رواية الأكثرين، وكذا في رواية مسلم ومستخرجي الإسماعيلي وأبي نُعيمٍ. وأجاز الكوفيُّون الرَّفع في الاستثناء المنقطع، كذا قال. وقال ابن مالكٍ «إلَّا» على هذا بمعنى «لكن» ، وعليها خرجوا قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرو {ولا يلتفت منكم أحدٌ إلَّا امرأتُك} ؛ أي لكنَّ امرأتك إنَّه مصيبها ما أصابهم، وكذلك هنا، والمعنى لكنَّ المجاهرون بالمعاصي لا يُعافَون، فالمجاهرون مبتدأٌ والخبر محذوفٌ.

وفي «المصابيح» هذا الباب الَّذي فتحه ابن مالكٍ يؤدِّي إلى جواز الرَّفع في كلِّ مستثنىً من كلامٍ تامٍّ موجبٍ، مثل قام القوم إلَّا زيدٌ، إذ يكون الواقع بعد «إلَّا» مرفوعًا بالابتداء والخبر محذوفٌ، وهو مقدَّر بنفي الحكم السَّابق وينقلب كلُّ استثناء متَّصل منقطعًا بهذا الاعتبار ومثله غير مستقيمٍ على ما لا يخفى.

وقال الكرمانيُّ حقُّ الكلام النَّصب إلَّا أن يُقال العفو بمعنى التَّرك، وهو نوعٌ من النَّفي، ومحصِّل الكلام كلُّ واحدٍ من الأمَّة يُعفى عن ذنبه ولا يؤخذ به إلَّا الفاسق المعلن، انتهى، واختصره من كلام الطِّيبي فإنَّه قال كتب في نسخ «المصابيح» (( المجاهرون ) )بالرَّفع وحقُّه النصب. وأجاب بعض شرَّاح «المصابيح» بأنَّه مستثنىً من قوله (( معافى ) )وهو في معنى النَّفي؛ أي كلُّ أمَّتي لا ذنب عليهم إلَّا المجاهرون.

قال الطِّيبي والأظهر أن يقال المعنى كلُّ أمَّتي يُتركون في الغيبة إلَّا المجاهرون، والعفو بمعنى التَّرك وفيه معنى النَّفي كقوله تعالى {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة 32] ، والمجاهرُ هو الَّذي جاهر بمعصيته وأظهرها وكشفَ ما ستر الله عليه فتحدَّث بها. وقد ذكر النَّووي أنَّ من جاهرَ بفسقِهِ أو بدعتهِ جاز ذكره بما جاهرَ به دون ما لم يُجاهر به، انتهى.

والمجاهرُ في هذا الحديث يُحتمل أن يكون من جاهر بكذا بمعنى جهر به، والنَّكتة في التَّعبير بفاعل إرادة المبالغة، ويحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة والمراد الَّذين يجاهرُ بعضهم بعضًا بالتَّحدُّث بالمعاصي، وبقيَّة الحديث تؤكِّد الاحتمال الأوَّل.

(وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ) كذا في رواية ابن السَّكن، ورواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني، وعليه شرح ابن بطَّال، وفي رواية الباقين بدل (( المجاهرة ) )

ج 25 ص 526

ووقع في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ (( وإنَّ من الإجهار ) )، وكذا عند مسلم، وفي روايةٍ له (( الهجَّار ) )وفي رواية الإسماعيليِّ (( الإهجار ) ). وفي روايةٍ لأبي نُعيم في «المستخرج» (( وإنَّ من الجهار ) )فحصل أربع رواياتٍ أشهرها الجهار ثمَّ بتقديم الهاء وبزيادة ألف قبل كلٍّ منهما. قال الإسماعيليُّ لا أعلم أنِّي سمعت هذه اللَّفظة في شيءٍ من الحديث؛ يعني إلَّا في هذا الحديث.

وقال القاضي عياض وقع للعذريِّ والسجزي في مسلم (( الإجهار ) )، وللفاسي (( الإهجار ) )، وقال والجهار والإجهار والمجاهرة كلُّه صوابٌ بمعنى الظُّهور والإظهار، يقال جهرَ وأجهرَ بقوله وقراءته إذا أظهر وأعلنَ؛ لأنَّه راجعٌ إلى تفسير قوله (( إلَّا المجاهرون ) )، قال وأمَّا «المجانة» فتصحيفٌ وإن كان معناها لا يبعدُ هنا؛ لأنَّ الماجن هو الَّذي يشتهر في أموره، وهو الَّذي لا يُبالي بما قال، وما قيل له.

وقال الحافظ العسقلانيُّ بل الَّذي يظهر رجحان هذه الرِّواية لأنَّ الكلام المذكور بعده لا يرتاب أحدٌ أنَّه من المجاهرة فليس في إعادة ذكره كثيرُ فائدةٍ، وأمَّا الرِّواية بلفظ «المجانة» ، فتُفيد معنى زائدًا وهو أنَّ الَّذي يجاهر بالمعصيةِ يكون من جملة المجان، والمجانة مذمومةٌ شرعًا وعرفًا، فيكون الَّذي يظهر المعصية قد ارتكب محذورين إظهار المعصية وتلبُّسه بفعل المجانِ.

قال القاضي عياض وأمَّا الإهجار فهو الفُحش والخنا وكثرة الكلام، وهو قريبٌ من معنى المجانة، يقال هجر في كلامه، وكأنَّه أيضًا تصحيفٌ من الجهار أو الإجهار، وإن كان المعنى لا يبعد أيضًا هنا. وأمَّا لفظة «الهجَّار» فبعيدٌ لفظًا ومعنى؛ لأنَّ الهجار الحبل أو الوتر يشدُّ به يد البعير أو الحلقة الَّتي يتعلَّم بها الطَّعن ولا يصحُّ له هنا معنى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ بل له معنىً صحيح أيضًا فإنَّه يقال هجر في كلامه، وأهجر إذا أفحشَ في كلامه، فهو مثل جهرَ وأجهر فما صحَّ في هذا صحَّ في هذا، ولا يلزم من استعمال الهجار بمعنى الحبل أو غيره أن لا يستعمل مصدرًا من الهُجر _ بضم الهاء _.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا كلام واهٍ جدًا أمَّا أولًا ففيه إثبات اللُّغة بالقياس، وأمَّا ثانيًا فقوله يستعمل مصدرًا من الهُجر _ بضم الهاء _ غير صحيحٍ؛ لأنَّ الهُجر _ بالضم _ الاسم من الإهجار، وهو الإفحاشُ في المنطق والخَنا، وكيف يُؤخذ

ج 25 ص 527

المصدر من الاسم، والمصدر أيضًا مأخوذٌ منه غير مأخوذٍ فتأمَّل.

(أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا) أي معصيةً (ثُمَّ يُصْبِحَ) أي يدخل في الصَّباح (وَقَدْ) أي والحال أنَّه قد (سَتَرَهُ اللَّهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (فَيَقُولَ) لغيره (يَا فُلاَنُ، عَمِلْتُ) بضم التاء (الْبَارِحَةَ) هي أقرب ليلةٍ مضت من وقت القول تقول لقيته البارحة، وأصلها من بَرح إذا زال (كَذَا وَكَذَا) من المعصية (وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) و «يكشف» جملةٌ حاليةٌ، وقد ورد في الأمر بالسِّتر حديث ليس على شرط البخاريِّ، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما رفعه (( اجتنبوا هذه القاذورات الَّتي نهى الله عنها، فمَن ألمَّ بشيءٍ منها فليستتر بستر الله ... ) )الحديث أخرجه الحاكم وهو في «الموطأ» من مرسل زيدٍ بن أسلم.

وفي الستر بها السَّلامة من الاستخفاف؛ لأنَّ المعاصي يذلُّ أهلها بإقامة الحدِّ عليه إن كان فيه حدٌّ وبالتَّعزير إن لم يوجب حدًّا، وإذا تمحَّض حقُّ الله فهو أكرمُ الأكرمين، ورحمتُه سبقتْ غضبه، فلذلك إذا ستره في الدُّنيا لم يفضحْه في الآخرة، والَّذي يجاهر يفوته جميع ذلك، وبهذا يعرف موقع إيراد حديث النَّجوى عقب حديث السِّتر.

قيل لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ لأنَّ التَّرجمة عقدت لستر المؤمن على نفسه، وفي الحديث ستر الله على المؤمن. وأُجيب بأنَّ ستر الله مستلزمٌ لستر المؤمن على نفسه فمن قصدَ إظهار المعصية والمجاهرة بها فقد أغضب ربَّه فلم يستره، ومن قصدَ السِّتر بها حياءً من ربِّه ومن النَّاس منَّ الله عليه بسترهِ إيَّاه.

وقيل إنَّ البخاريَّ أشار بذكر هذا الحديث في هذه التَّرجمة إلى تقويةِ مذهبه أنَّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت