6070 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكري
ج 25 ص 528
(عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضم الميم وسكون المهملة بعدها راء مكسورة فزاي، مازني بصري، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وآخر تقدَّم في «بدء الخلق» [خ¦3190] عنه عن عمران بن حصينٍ، وقد ذكرهما في عدَّة مواضع، وفي رواية شيبان عن قتادة (( حدَّثنا صفوان ) ) [خ¦4685 بعد] .
(أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما، وفي رواية همَّام عن قتادة الماضية في «المظالم» [خ¦2441] عن صفوان، قال (( بينما أنا أمشي مع ابن عمرَ آخذ بيده ) )وفي رواية سعيدٍ وهشام عن قتادة في تفسير هود (( بينما ابنُ عمر يطوف إذ عرضَ له رجلٌ ) ) [خ¦4685] . قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على اسم السَّائل، لكن يمكن أن يكون هو سعيدُ بن جبيرٍ، فقد أخرج الطَّبرانيُّ من طريقه، قال قلت لابن عمر حدِّثني ... فذكر الحديث.
(كَيْفَ سَمِعْتَ) وفي رواية سعيدٍ وهشام [خ¦4685] فقال يا أبا عبد الرَّحمن وهي كنية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟) بالنون والجيم، وهي ما تكلَّم به المرء يسمع نفسه ولا يسمع غيره أو يسمع غيره سرًّا دون من يليه. قال الرَّاغب ناجيته؛ أي ساررته، وأصله أن يخلو في نجوة من الأرض، وقيل أصله من النَّجاة، وهو أن تنجوَ بسرِّك من أن يطَّلع عليه أحدٌ، والنَّجوى أصله المصدر، وقد يوصف به، فيقال هو نجوى وهم نجوى، والمراد بها هنا المناجاة والمسارة الَّتي تقعُ بين الله عزَّ وجلَّ وبين عبده المؤمن يوم القيامة. وقال الكرمانيُّ أطلق على ذلك النَّجوى لمقابلة مخاطبة الكفَّار على رؤوس الأشهاد هناك.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَدْنُو) أي يقرب من الدُّنو، والمراد القرب [1] الرُّتبي لا المكاني (أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ) وفي رواية سعيدٍ بن أبي عَروبة (( يدنو المؤمن من ربِّه ) ) (حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ) بفتح الكاف والنون والفاء؛ أي جانبه والكَنف أيضًا السِّتر، وهو المراد هنا، والأوَّل مجازٌ في حقِّ الله تعالى كما يقال فلان في كنف فلانٍ؛ أي في حمايتهِ وكلاءته، والمعنى حتَّى يحيطَ به عنايته التَّامَّة.
وذكر القاضي عياض أنَّ بعضهم صحَّفه تصحيفًا شنيعًا، فقال بالمثناة بدل النون، ويؤيِّد الرِّواية
ج 25 ص 529
الصَّحيحة أنَّه وقع في رواية سعيد بن جبير بلفظ «يجعله في حجابه» زاد في رواية همَّام (( ويستره ) ) [خ¦2441] .
(عَلَيْهِ، فَيَقُولُ) عزَّ وجلَّ له (عَمِلْتَ) بلفظ الخطاب (كَذَا وَكَذَا) وفي رواية همَّام في «المظالم» [خ¦2441] (( فيقولُ أتعرف ذنب كذا وكذا ) )زاد في رواية سعيدٍ وهشام (( فيقرِّره بذنوبه ) ). وفي رواية سعيد بن جبير (( فيقول له اقرأْ صحيفتَك فيقرأُ ويقرِّره بذنب ذنبٍ، ويقول أتعرفُ أتعرفُ؟ ) ).
(فَيَقُولُ نَعَمْ) زاد في رواية همَّام (( أي ربِّ ) )، وفي رواية سعيدٍ وهشام (( فيقول أعرف ) ) (فَيُقَرِّرُهُ) أي يجعله مقرًّا بذنوبه، وفي رواية سعيد بن جبير (( فيلتفتُ يمنةً ويسرةً فيقول لا بأسَ عليك إنَّك في سَتْري لا يطَّلع على ذنوبِكَ غيري ) ).
(ثُمَّ يَقُولُ إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ) سيِّئاتك (فِي الدُّنْيَا فَأَنَا) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو (أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) وزاد همام وسعيد وهشام في روايتهم (( فيُعطى كتاب حسناته ) )، ووقع في بعض روايات سعيد وهشام وهو خطأٌ، وفي رواية سعيدٍ بن جبير (( اذهب فقد غفرتها لك ) )والحديث من المتشابه، فحكمه التَّفويض، أو التَّأويل بما يليق به. ووقع عند الثَّلاثة وأمَّا الكافر والمنافق، ولبعضهم الكفَّار والمنافقون، وفي رواية سعيد (( وأمَّا الكافر فينادى على رؤوس الأشهاد هؤلاء الَّذين كذبوا على ربِّهم ألا لعنة الله على الظَّالمين ) ).
قال المهلَّب في الحديث تفضَّل الله على عباده بستره لذنوبهم يوم القيامة، وأنَّه يغفرُ ذنوب من شاء منهم بخلاف قول من أنفذَ الوعيد على أهلِ الإيمان؛ لأنَّه لم يستثنِ في هذا الحديث ممَّن يضعُ عليه كنفه ويستره أحدًا إلَّا الكفار والمنافقين، فإنَّهم الَّذين ينادى عليهم على رؤوس الأشهاد باللَّعنة.
وقال الحافظ العسقلانيُّ قد استشعر البخاريُّ هذا فأوردَ في باب من «كتاب المظالم» هذا الحديث [خ¦2441] ، ومعه حديث أبي سعيدٍ (( إذا خلصَ المؤمنون من النَّار حبسوا بقنطرةٍ بين الجنَّة والنَّار يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدُّنيا
ج 25 ص 530
حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنَّة ... )) الحديث [خ¦2440] .
فدلَّ هذا الحديث على أنَّ المراد بالذُّنوب في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما يكون بين المرء وربِّه سبحانه وتعالى دون مظالم العباد، فمقتضى الحديث أنَّها تحتاج إلى المقاصة.
ودلَّ حديث الشَّفاعة أنَّ بعضَ المؤمنين من العصاة يعذَّب بالنَّار ثمَّ يخرج منها بالشَّفاعة فدلَّ مجموع هذه الأحاديث على أنَّ العصاة من المؤمنين في القيامة على قسمين
أحدهما من معصيته بينه وبين ربِّه، فدلَّ حديث ابن عمر رضي الله عنهما على أنَّ هذا القسم على قسمين قسمٌ تكون معصيته مستورةٌ في الدُّنيا فهذا يسترها الله عليه في القيامة وهو بالمنطوقِ، وقسمٌ تكون معصيته مجاهرةٌ، فدلَّ مفهومه على أنَّه بخلاف ذلك.
والقسم الثَّاني من تكون معصيته بينه وبين العباد فهم على قسمين أيضًا
قسمٌ ترجح سيِّئاتهم على حسناتهم فهؤلاء يقعون في النَّار ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة. وقسمٌ تتساوى حسناتهم وسيِّئاتهم فهؤلاء لا يدخلون الجنَّة حتَّى يقعَ بينهم التَّقاص كما دلَّ عليه حديث أبي سعيدٍ، وهذا كلُّه بناءً على ما دلَّ عليه الأحاديث الصَّحيحة على أنَّه يفعله باختياره، وإلَّا فلا يجبُ على الله شيء، وهو يفعل بعباده ما يشاء.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة كسابقه.
[1] في هامش الأصل أي قرب كرامة وعلو منزلة. منه.