559 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ) بكسر الميم، الجمَّال _ بالجيم _ الحافظ الرَّازي أبو جعفر، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ) بن مسلِم _ بكسر اللام الخفيفة _، أبو العبَّاس الأموي عالم أهل الشَّام، مات سنة خمس وتسعين ومئة.
(قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمر، وقد مرَّ في باب الخروج في طلب العلم [خ¦78] (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (أَبُو النَّجَاشِيِّ) بفتح النون وتخفيف الجيم وإعجام الشين (مَوْلَى رَافِعِ) هو ابن خديج (هُوَ) أي أبو النَّجاشي.
(عَطَاءُ بْنُ صُهَيْبٍ) بضم الصَّاد المهملة، مصغَّرًا
(قَالَ سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بالفاء في رافع، _ وبالخاء المعجمة وكسر المهملة وبالجيم _ في خَدِيج، الأنصاري الأوسي المَدَني، أصابه سهمٌ يوم أحد فَنَزَعه وبقي نَصْلُه فيه إلى أن مات سنة أربع وسبعين، رُوِي له ثمانية وسبعون حديثًا للبخاري منها خمسة [خ¦2286] [خ¦2383] [خ¦2488] [خ¦5726] [خ¦6142] ، ورجال هذا الإسناد ما بين رازيٍّ وشاميٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرجَ متنه مسلم، وابن ماجه أيضًا في «الصلاة» .
(يَقُولُ كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في أوَّل وقتها (فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا) من المسجد (وَإِنَّهُ) أي والحال أنه (لَيُبْصِرُ) بضم المثناة التحتية، من الإبصار، واللام فيه للتأكيد (مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) أي موضع وقوع نبله، والنَّبْل _ بفتح النون وسكون الموحدة _، السهام العربية وهي مؤنثة.
وقال ابن سيده لا واحد لها من لفظها، وقيل واحدها نبلة، مثل تمرٍ وتمرة.
وفي «المغيث» لأبي موسى هو سهم عربيٌّ لطيف
ج 3 ص 524
غير طويل لا كسهام النَّشَّاب والحسيان، أصغرُ من النَّبل، يُرْمى بها على القِسي الكبار في مجاري الخَشَب.
ومعنى الحديث أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبكِّر بالمغرب في أوَّل وقتها عند غروب الشَّمس حتى كان ينصرف أحدنا ويرمي النبل عن قوسه، ويُبْصِر موقعه [1] لبقاء الضوء خوفًا أن تتأخَّر إلى اشتباك النُّجوم.
وقد روى ابن خزيمة والحاكم من حديث العبَّاس بن المطَّلب (( لا تزال أمَّتي على الفطرة ما لم يؤخِّروا المغرب إلى النُّجوم ) )وهو مذهب الجمهور، وذهب طاوس وعَطَاء ووَهب بن منبِّه إلى أنَّ أوَّل وقت المغرب حين طلوع النجم، واحتجُّوا في ذلك بحديث أبي بَصرة الغفاري رضي الله عنه قال صلَّى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المغرب بالمَحمض [2] فقال (( إنَّ هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيَّعوها، فمن حافظَ عليها كان له أجره مرَّتين، ولا صلاةَ بعدها حتَّى يَطلع [3] الشَّاهد، والشَّاهد النَّجم ) )، أخرجه مسلم والنَّسائيُّ والطَّحاويُّ.
وأجاب الطَّحاويُّ رحمه الله عنه بأنَّ قوله (( ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشَّاهد ) )يُحْتَمل أن يكون هو آخر قول النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما ذكره اللَّيث، والذي رواه غيره من قوله (( والشَّاهد النَّجم ) )فقال ذلك برأيه لا عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على أنَّ الآثار قد تواترت عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه كان يُصلِّي المغرب إذا توارت الشَّمس بالحجاب.
وأبو بَصْرة _ بفتح الموحدة وسكون المهملة _، اسمه حُمَيل _ بضم الحاء المهملة وفتح الميم مصغرًا _، وقيل بفتح الجيم، والأول أصح.
والمَحمَض بفتح الميمين وسكون الحاء المهملة وفي آخره ضاد معجمة، هو الموضع الذي ترعى فيه الإبل الحمض، وهو ما حَمُضَ ومَلُحَ وأقرَّ من النبات كالرِّمْث والأَثْل والطَّرْفَاء ونحوها، والخلَّة من النبت ما كان حلوًا تقول العرب الخلَّة خبز الإبل، والخمصُ فاكهتها.
فائدة روى أبو داود من حديث أنس رضي الله عنه كنَّا نصلِّي المغرب ثمَّ نرمي فيرى أحدنا موضع نبله.
وعن كعب بن مالك كان النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلِّي المغرب ثمَّ يرجع النَّاس إلى أهليهم ببني سلمة وهم يبصرون مواضع النبل حين يرمى بها.
وعن أبي طريف كنت مع النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين حاصر الطَّائف فكان يصلِّي بنا صلاة البصر حتَّى لو أنَّ رجلًا رمى بسهمٍ لرأى موضع نبله.
قال أحمدُ بن حنبل صلاة البصر [4] المغرب.
وعند أحمد من حديث جابر رضي الله عنه ولفظه نأتي بني سلمة ونحن نُبِصر مواقع النبل.
وروى أحمد في «مسنده» من طريق بلال بن عليٍّ، عن ناسٍ
ج 3 ص 525
من الأنصار، قالوا كنَّا نصلِّي مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المغرب ثمَّ نرجع فنترامى حتَّى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا. إسناده حسنٌ.
وعند الشَّافعيِّ من حديث جابر رضي الله عنه ثمَّ نخرج نتناضل حتَّى ندخل بيوت بني سلمة فننظر مواقع النبل من الأسفار.
وعند النَّسائي بسندٍ صحيحٍ عن رجل من أسلم أنَّهم كانوا يصلُّون مع النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المغرب، ثمَّ يرجعون إلى أهليهم إلى أقصى المدينة، ثمَّ يرمون فيبصرون مواقع نبلهم.
وعند الطَّبرانيُّ في «المعجم الكبير» من حديث زيد بن خالد كنَّا نُصلِّي مع النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المغرب، ثمَّ ننصرف حتَّى نأتي السُّوق، وإنَّا لنرى مواقع النبل.
وعن أمِّ حَبِيبَة بنتِ أبي سُفْيان نحوه، ذكَره أبو علي الطُّوسي في «الأحكام» .
وهذه الأحاديث كلَّها تدلُّ على تعجيل صلاة المغرب بحيث إنَّ الفراغ منها يقع والضَّوء باقٍ.
وأمَّا الأحاديث الواردة الدَّالَّة على تأخيره إلى قُرْب ذهاب الشَّفق فهي لبيان جواز التَّأخير.
ثمَّ إن العلماءَ اختلفوا في خروج وقت المغرب، فقال الثَّوريُّ وابن أبي ليلى وطاوس ومَكْحُول والحسن بن حيٍّ والأوزاعيُّ ومالكً والشَّافعيُّ وأحمدُ وإسحاق وداود إذا غابَ الشَّفق وهو الحُمْرة خرج وقتها، وممَّن قال ذلك أبو يوسف ومحمَّد.
وقال عمرُ بن عبد العزيز وعبد الله بن المُبَارك والأوزاعيُّ في رواية، ومالكٌ في رواية، وزُفَر بن الهَذِيل، وأبو ثورٍ والمُبرَّد والفرَّاء لا يخرجُ حتَّى يغيب الشَّفق الأبيض، ورُوِيَ ذلك عن أبي بكر الصِّدِّيق، وعائشةَ وأبي هريرة ومُعاذ بن جبل وأُبيِّ ابن كعب وعبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهم، وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله.
وقال ابن المُنْذِر كان مالكٌ والشَّافعيُّ والأوزاعيُّ يقولون لا وقت لها إلَّا وقتًا واحدًا إذا غابت الشَّمس، وقد روينا عن طاوس أنَّه قال لا يفوت المغرب والعشاء حتَّى الفجر، وروينا عن عطاء أنَّه قال لا يفوت المغرب والعشاء حتَّى النهار، والله أعلم.
[1] (( من قوله عند غروب. .. إلى قوله ويبصر موقعه ) )ليس في (خ) .
[2] الذي في مسلم (بالمخمص) .
[3] في هامش الأصل (( حتى يُرَى الشاهد ) ). رواية.
[4] (( من قوله حتى لو أن. .. إلى قوله صلاة البصر ) )ليس في (خ) .