560 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة (قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو غندرٌ (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجاج (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، وفي رواية أي ابن عبد الرحمن بن عوف (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب رضي الله عنهم، و «عمرو» بالواو.
ج 3 ص 526
ورجالُ هذا الإسناد ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ وكوفيٍّ وفيه تابعيَّان، وقد أخرج متنه مسلم وأبو داود والنَّسائي في «الصَّلاة» أيضًا.
(قَالَ قَدِمَ الْحَجَّاجُ) أي المدينة، وهو بفتح المهملة وتشديد الجيم، هو ابنُ يوسف الثَّقفي المشهور والي العراق، وقال الكرمانيُّ والحُجَّاج _ بضم الحاء _ جمع الحاج، وفي بعضها _ بفتحها _، وهو ابن يوسف الثَّقفي، وهذا أصح.
وقال الحافظُ العَسْقَلانيُّ ما حاصله إنَّ ضمَّ الحاء غير صحيح بل هو تحريف بلا خلاف، فقد وقع في رواية أبي عَوَانة في «صحيحه» من طريق أبي النَّضر، عن شُعْبَة سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحَجَّاج وكان يُؤخِّر الصَّلاة عن وقت الصَّلاة.
وفي رواية مسلم من طريق معاذ، عن شُعْبَة كان الحجَّاج يؤخِّر الصلوات، وكان قدوم الحَجَّاج المدينة واليًا عليها من قِبَلِ عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين، وذلك عَقِب قتل ابن الزبير رضي الله عنهما، فأمَّره عبد الملك على الحرمين وما معهما، ثمَّ نقله بعد هذا إلى العراق.
(فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريَّ رضي الله عنه عن وقت الصَّلاة، وقد فسَّره في حديث أبي عَوانة في «صحيحه» من طريق أبي النَّضر عن شُعْبَة، وقد مرَّ آنفًا.
(فَقَالَ) جابر رضي الله عنه (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ) أي في وقت اشتداد الحرِّ الذي كان النَّاس يتركون التَّصرف حينئذٍ لشدَّة الحرِّ وَيِقيلون، ولا تعارض بينه وبين حديث الإبراد؛ لأنه أطلقَ الهَاجِرَة على الوقت بعد الزَّوال مطلقًا، والإبراد مقيَّد بشدَّة الحرِّ.
والحاصل أنَّه إن وُجِدَت شروط الإبراد أبردَ وإلَّا عجَّل، فمعنى الحديث كان يصلِّي الظُّهر بالهاجرة إلا أن يحتاج إلى الإبراد لشدَّة الحرِّ، كذا قِيل، وفيه نظر؛ لأنَّه لو كان ذلك مراده لفصَّل كما فصَّل في العشاء، فالأولى أن يُقَال هذه حكاية فعلٍ، والإبراد مَرويٌّ فعلًا وقولًا وهو راحج، وحكمة الحكم تُرَاعى في النَّوع لا في الشَّخص، والله أعلم.
(وَ) يُصلِّي (الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ) بفتح النُّون وبالقاف؛ أي خالصة صافية لم يدخلها بعد صفرة ولا تغيُّر (وَ) يصلي (الْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ) أي إذا غابتِ الشَّمسُ، وأصل الوجوب السُّقوط، والمراد سقوط قرص الشَّمس، وفي رواية أبي داود عن مُسلم ابن إبراهيم (( والمغرب إذا غربت الشَّمس ) ).
وعند أبي عَوَانة من طريق أبي النَّضر عن شُعْبَة (( والمغرب حين تجب الشَّمس ) )، وفيه دليل على
ج 3 ص 527
أنَّ سقوطَ قرصِ الشَّمسِ يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أنَّ محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائي حائل.
(وَ) يصلِّي (الْعِشَاءَ أَحْيَانًا) يؤخِّرها (وَأَحْيَانًا) يعجِّلها ويبيِّن هذا التقدير قوله (إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ) العشاء؛ لأن في تأخيرها تنفيرهم (وَإِذَا رَآهُمْ أبطؤو أَخَّرَ) أي أخَّرها لإحراز فضيلة كثرة الجماعة، ولمسلم أحيانًا يؤخِّرها وأحيانًا يعجِّل كان إذا رآهم قد اجتمعوا. .. إلى آخره.
وللمؤلِّف في باب وقت العشاء عن مسلم عن إبراهيم عن شُعْبَة (( إذا كثر النَّاس عجَّل، وإذا أقلُّوا أخَّر ) ) [خ¦565] . ونحوه لأبي عَوَانة في رواية.
والأحيان جمع حين، وهو اسم مُبْهم يقعُ على القليل والكثير من الزَّمان على المشهور، وقيل الحين ستَّة أشهر، وقِيْل أربعون سنة، وحديث الباب يقوِّي المشهور.
وقال ابن دقيق العِيد إذا تعارضَ في شخصٍ أمران أحدهما أن يُقدِّم الصلاة في أوَّل الوقت منفردًا، والثَّاني أن يؤخِّرها في الجماعة أيُّهما أفضل؟ الأقربُ عندي أنَّ التَّأخير لصلاة الجماعة أفضل، وحديث الباب يدلُّ عليه لقوله (( وإذا رآهم أبطؤو أخَّر هذا ) ).
ورواية مُسلم بن إبراهيم التي تقدَّمت [خ¦565] تدلُّ على أخص من ذلك، وهو أن انتظار من يَكثر بهم الجماعة أولى من التَّقديم، ولا يخفى أن محلَّ ذلك إذا لم يَفحُش التَّأخير ولم يشقَّ على الحاضرين.
(وَالصُّبْحَ) بالنَّصب على إضمارِ فِعْله على شريطة التَّفسير؛ أي وكان يُصلِّي الصُّبح، أو وكانوا يصلُّون الصُّبح (كَانُوا) أي الصَّحابة يُصلُّونها معه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بأصحابه (يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ) هو _ بفتح اللام _، ظُلْمَة آخر اللَّيل، وهو مُتَعلِّق بقوله (( يصلِّيها أو يصلُّونها ) )فعلى هذا تكون «أو» للشَّكِّ من الرَّاوي عن جابر، ومعناهما متلازمان؛ لأنَّ أيَّهما كان يدخلَ فيه الآخر، فإن أراد النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فالصحابةُ في ذلك كانوا معه، وإن أراد الصَّحابةَ فالنَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إمامهم، ولا يلزم من قوله (( كانوا يصلُّونها ) )أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن معهم، ولا من قوله (( كان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلِّيها ) )أنَّه كان وحده، وخبر «كانوا» محذوف يدلُّ عليه يُصَلِّيها؛ أي كانوا يُصلُّون كما قدَّرنا هكذا حقَّقه العلَّامة الكرماني، وحكمَ بحقيَّته الحافظ العَسْقَلانيُّ وبأوجهيَّته محمود العينيُّ.
وقال ابن بطَّالٍ ما حاصلهُ إنَّ الصُّبح كان يُصلِّيها بغلسٍ اجتمعوا أو لمْ يجتمعوا، ولا يَفعل فيها كما يَفعل في العشاء، ففيه حذفان حذف خبر كانوا؛ أي كانوا مجتمعين، وهو جائز كحذفِ خبرِ المبتدأ في قوله تعالى
ج 3 ص 528
{وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق 4] أي فعدَّتهن مثل ذلك ثلاثة أشهر، والحذف الثاني حذف الجملة التي بعد كلمة «أو» تقديره أو لم يكونوا مجتمعين.
هذا؛ ويمكن أن يكون التَّقدير الثَّاني أو كان النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْفَرِدًا، وقال ابن التِّين ويَصحُّ أن تكون «كان» تامَّة غير ناقصة بمعنى الحضور والوقوع، فيكون المحذوف ما بعد «أو» خاصَّة.
هذا وأقول بل لا حاجة حِينَئِذٍ إلى تقديرٍ بعد «أو» لأن المعنى حضروا أو حضر النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده، فحينئذٍ يكون قوله يُصلِّيها بدلًا مِنْ يُصلِّي المقدَّر في قوله (( والصُّبح ) )أو حالًا أو بيانًا، وكلُّ ذلك لا يخلو عن تعسُّف كما لا يخفى على المتأمِّل.
وفي الحديث بيان معرفة أوقات الصَّلوات الخمس، وفيه المبادرة إلى الصَّلاة في أوَّل وقتها إلا ما وَرَدَ فيه الإبراد والإسفار، وفيه تأخير العشاء عند تأخُّر الجماعة، وفيه السُّؤال عن أهل العلم، وفيه تعيُّن الجواب على المسؤول عنه إذا علم بالمسؤول.