فهرس الكتاب

الصفحة 9071 من 11127

6094 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو أخو أبي بكر بن أبي شيبة، واسم أبي شيبة إبراهيم، وهو جدُّ عثمان؛ لأنَّه ابن محمد بن إبراهيم، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد، وأمَّا جرير المذكور في ثالث أحاديث الباب [خ¦6096] فهو ابنُ حازم (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي) بفتح التَّحتية من الهداية، وهي الدَّلالة الموصلة إلى المطلوب، هكذا وقع أول الحديث من رواية منصور عن أبي وائل، ووقع في أوله من رواية الأعمش عن أبي وائل عند مسلم وأبي داود والتِّرمذي (( عليكم بالصِّدق فإن الصِّدق ... ) )، وفيه (( وإيَّاكم والكذب؛ فإنَّ الكذب ... ) )إلى آخره.

(إِلَى الْبِرِّ) بكسر الموحدة وتشديد الراء، أصله التَّوسع في الخير، وهو اسمٌ جامع للخيرات كلها، ويُطلقُ على العمل الخالصِ الدائم. قال بعضُ أهل التَّحقيق والصِّدق يطلقُ على صدق اللِّسان، وهو نقيضُ الكذب، والصِّدق في النَّيَّة وهو الإخلاصُ، فيُراعي معنى الصِّدق في مناجاته، فمن قال وجَّهتُ وجهي لله. وهو غافلٌ فهو كاذبٌ.

والصِّدق في العزم على خيرٍ نواه، فيقويِّ عزمه أنه إذا وُلِّيَ مثلًا لا يظلم، والصِّدق في الوفاء بالعزم؛ أي وقوع الولاية مثلًا، والصِّدق في الأعمال وأقلُّه استواء سريرته وعلانيته.

ج 26 ص 2

والصِّدق في المقامات كالصِّدق في الخوف والرَّجاء، فمن اتصف بالستة كان صدِّيقًا، أو ببعضها كان صادقًا.

(وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي) يوصل (إِلَى الْجَنَّةِ) قال ابن بطَّال مصداقه قوله تعالى {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار 13] .

(وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ) في السر والعلانيَّة، ويتكرَّر ذلك منه، وزاد في رواية الأعمش (( ويتحرى الصِّدق ) )، وكذا زادها في الشق الثَّاني (حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا) بكسر الصَّاد المهملة وتشديد الدال المهملة، وهو من أبنية المبالغة، ونظيره الضحِّيك، والمراد فرط صدقه حتى يصدِّق قوله العملَ، والتَّنكير للتعظيم والتَّفخيم؛ أي بلغ في الصِّدق غايته ونهايته، حتى دخل في زمرتهم، واستحق ثوابهم.

قال ابن بطَّال المراد أنه يتكرَّر منه الصِّدق، حتى يستحقَّ اسم المبالغة في الصِّدق. وفي رواية الأعمش (( حتى يُكتَب عند الله صديقًا ) )، فيستحق وصف الصِّديقين وثوابهم، فيُلقَى في قلوب النَّاس محبته، وفي ألسنتهم ذكره، ويكتبون اسمه في مصنفاتهم.

(وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ) الذي هو ضدُّ البر. قال الرَّاغب أصل الفجر الشقُّ، فالفجورُ شَقُّ ستر الدِّيانة، ويطلقُ على الميل إلى الفساد، وعلى الانبعاث في المعاصي، وهو اسم جامعٌ للشُّرور.

(وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ) قال الله تعالى {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار 14] .

(وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ) بضم أوله على البناء للمفعول، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني وهو وِزان الأول (عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) والمراد بالكتابة الحكم عليه بذلك، وإظهاره للمخلوقين من الملأ الأعلى، وإلقاء ذلك في قلوب أهلِ الأرض وألسنتهم، ويكتبون اسمه في مصنَّفاتهم، فيستحق بذلك صفة الكذَّابين وعقابهم، وكيف لا وإنه من علامات النِّفاق، وقد ذكره مالك بلاغًا عن ابن مسعود رضي الله عنه، وزاد فيه زيادة مفيدة، ولفظه (( لا يزالُ العبد يكذبُ، ويتحرَّى الكذب، فينكت في قلبه نكتةٌ سوداء، حتى يسودَّ قلبُه، فيكتب عند الله من الكاذبين ) ).

قال النَّووي قال العلماء في هذا الحديث حثٌّ على تحري الصِّدق، وهو قصدُه والاعتناء به، وعلى التَّحذير من الكذب والتَّساهل فيه، فإنه إذا تساهل كَثُر منه، فعُرِف به.

قال الحافظُ العسقلاني والتَّقييد بالتَّحري وقع في رواية أبي الأحوص عن منصور بن المعتمر عند مسلم، ولفظه

ج 26 ص 3

(( وإن العبدَ ليتحرَّى الصِّدق ) )، وكذا قال في الكذب. وعنده أيضًا في رواية الأعمش عن شقيق وهو أبو وائل وأوله عنده (( عليكم بالصِّدق ) )، وفيه (( وما يزال الرَّجل يصدقُ، ويتحرى الصِّدق ) )، وقال فيه (( وما يزالُ الرَّجل يكذب، ويتحرَّى الكذب ... ) )، فذكره.

وفي هذه الزِّيادة إشارة إلى أن من توقَّى الكذب بالقصد الصَّحيح إلى الصِّدق صار الصِّدق له سجية حتى يستحقَّ الوصف به، وكذلك عكسه، وليس المراد أن الحمد والذَّم فيهما يختصُّ بمن قَصَد إليهما فقط، وإن كان الصَّادق في الأصل ممدوحًا، والكاذب مذمومًا.

وقال العيني ولعلَّه لم يقل في الصِّديق بلفظ (( يُكتَب ) )إشارة إلى أنَّه صِدِّيق من جملة الَّذين قال الله فيهم {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء 69] .

ووجه المطابقة بين الحديث وبين الآية المذكورة ظاهر، وهو أنَّ (( الصِّدق يهدي إلى الجنَّة ) )، والآية فيها أيضًا الأمر بالكون مع الصَّادقين، والكون معهم أيضًا يهدي إلى الجنَّة.

وقد أخرجه مسلم في (( الأدب ) )أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت