6117 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، كذا قال أكثر أصحاب شعبة، وخالفهم شَبَابة بن سوار، فقال عن شعبة، عن خالد بن رباح، بدل (( قتادة ) )أخرجه ابنُ منده.
(عَنْ أَبِي السَّوَّارِ) بفتح السين المهملة والواو المشددة وبعد الألف راء، اسمه حسان بن حُرَيث _ بضم الحاء المهملة وفتح الراء _ مصغرًا على الصَّحيح، وقيل حُجَير بن الرَّبيع، وقيل غير ذلك.
ج 26 ص 37
ووقع في رواية محمد بن جعفر عن شعبة عند مسلم سمعت أبا السوار.
(الْعَدَوِيّ، قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) الخزاعي أبو نُجيد، أسلم مع أبي هريرة رضي الله عنهما (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ) وفي رواية خالد بن رباح عن أبي السَّوار عند أحمد، وكذلك في رواية أبي قتادة العَدوي عن عمران، عند مسلم (( الحياءُ خير كله ) ). وفي رواية الطَّبراني من حديث قرَّة بن إياس قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله الحياءُ من الدين؟ قال (( بل هو الدِّين كله ) ).
وذلك؛ لأنَّه يَحجُر صاحبه عن ارتكابِ المحارم، ولذا كان من الإيمان كما في الحديث الآخر [خ¦24] ؛ لأنَّ الإيمان ينقسمُ إلى ائتمار ما أمرَ الله به، وانتهاء ما نهى عنه.
وعند الطَّبراني من وجه آخر عن عمران بن حصين رضي الله عنه (( الحياءُ من الإيمان، والإيمانُ في الجنَّة ) ). وقيل معناه أنَّ من استحيى من النَّاس أن يروه يأتي بالفجورِ، وارتكاب المحارم، فذلك داعيه إلى أن يكون أشد حياءً من الله تعالى، ومن استحيى من ربِّه، فإنَّ حياءه زاجرٌ له عن تضييعِ فرائضه وركوب معاصيه، والحياءُ يمنع من الفواحش، ويحملُ على البر والخير، كما يمنعُ الإيمان صاحبه من الفجور، ويبعده عن المعاصي، ويحملُه على الطَّاعات، فصار الحياء كالإيمان لمساواته له في ذلك، وسيأتي ما يتعلَّق بذلك.
(فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة مصغرًا، العدوي البصري التَّابعي الجليل (مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ) وهي العلمُ الذي يُبحث فيه عن أحوال حقائق الموجودات، وقيل العلم المتقن الوافي، وقيل الحكمة في الأصل إصابة الحقِّ. وفي رواية محمد بن جعفر إنَّه مكتوب في الحكمة. وفي رواية أبي قتادة العدوي عند مسلم (( فقال بُشَيرُ بن كعب إنَّا لنجدُ في بعض الكتبِ أو الحكمة ) )بالشكِّ.
(إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا) أي حلمًا ورزانة (وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً) أي دَعَةً وسكونًا، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بزيادة الألف واللام (فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ) وفي رواية أبي قتادة العدوي
ج 26 ص 38
إنَّ منه سكينة ووقار الله، ومنه ضعف، وهذه الزِّيادة متعيَّنة ومن أجلها غضبَ عمران، وإلَّا فليس في ذكر السَّكينة والوقار ما ينافي كونه خيرًا، أشارَ إلى ذلك ابن بطَّال، لكن يحتمل أن يكون غضبَ من قوله منه؛ لأنَّ التَّبعيض يُفهم أن منه ما يُضادُّ ذلك، وهو قد رُويَ أنَّه كله خير.
وقال الكرمانيُّ إنما غضبَ؛ لأنَّ الحجَّة إنما هي في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا فيما يروى عن كتب الحكمة؛ لأنَّه لا يُدرى ما حقيقتها ولا يعرف صدقها.
وقال القُرطبي معنى كلام بُشير أنَّ من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار بأن يوقِّر غيره، ويتوقَّر هو في نفسه، ومنه ما يحمله على أن يسكنَ عن كثير ممَّا يتحرك النَّاس فيه من الأمور التي لا تليقُ بذي المروءة، ولم ينكر عمران عليه هذا القدر من حيث معناه، وإنما أنكرهُ عليه من حيث ساقَه في معرضِ من يُعارض كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام غيره، وقيل إنما أنكرَ عليه؛ لكونه خاف أن تختلط السنة بغيرها.
وفي رواية أبي قتادة فغضب عمران حتى احمرَّت عيناه، وقال ألا أراني أحدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه، وفي رواية أحمد وتعارضَ فيه بحديث الكتب.
قال الحافظُ العسقلاني وقد ذكر مسلم في «مقدمة صحيحه» لبُشير بن كعب هذا قصَّة مع ابن عبَّاس رضي الله عنهما تُشعر بأنَّه كان يتساهل في الأخذ عن كلِّ من لقيه. انتهى.
ولفظ مسلم عن مجاهد قال جاء بُشير العدوي إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما فجعلَ يحدِّث ويقول فجعل لا يأذن لحديثه ولا ينظرُ إليه، فقال يا ابن عبَّاس ما لي لا أراك تسمعُ لحديثي؟ أحدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع! فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنا كنا مدَّة إذا سمعنا رجلًا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرتْ أبصارُنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلمَّا ركب النَّاس الصَّعبة
ج 26 ص 39
والذَّلول، لم نأخذ من النَّاس إلَّا ما نعرف.
وقوله فجعلَ لا يأذَن لحديثه _ بفتح الذال المعجمة _؛ أي لا يسمعُ ولا يصغي.
وقوله مدَّة؛ أي وقتًا، ويعني به قبل ظهورِ الكذب، والصَّعب والذَّلول في الإبل، فالصَّعب العَسِر المرغوب عنه، والذَّلول السَّهل الطيب المرغوب فيه؛ أي سلك النَّاس كلَّ مسلك ممَّا يُحمَدُ أو يُذمُّ. وهيهات [1] ؛ أي بعدت استقامتكُم وبعد أن يُوثق بحديثكُم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلم في (( الإيمان ) ).
[1] كذا في القسطلاني، ولم تأت هذه الكلمة في حديث ابن عباس الذي ساقه المؤلف تبعًا للقسطلاني فتأمل.