فهرس الكتاب

الصفحة 9124 من 11127

6133 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيد البلخي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) سعيد، وفي رواية يونس عن الزُّهري أخبرني سعيد بن المسيِّب أنَّ أبا هريرة حدَّثه أخرجه البُخاري في «الأدب المفرد» ، وكذا قال أكثرُ أصحاب الزُّهري فيه، وخالفهم صالحُ بن أبي الأخضر وزَمَعة بن صالح،

ج 26 ص 59

وهما ضعيفان فقالا عن الزُّهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. أخرجه ابنُ أبي عدي من طريق المعافى بن عمران عن زَمَعة وابن أبي الأخضر واستغربَهُ، قال وأمَّا زَمَعة فقد رواه عنه أيضًا أبو نُعيم.

وقال الحافظُ العسقلاني أخرجه أحمدُ عنه ورواه عن زَمَعة أيضًا أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» ، وأبو أحمد الزُّبيري أخرجه ابن ماجه.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ) على البناء للمفعول، و (( المؤمنُ ) )مرفوعٌ به على صيغة الخبر (مِنْ جُحْرٍ) زاد في رواية الكُشميهني والسَّرخسي ، ووقع في بعض النُّسخ ، وهي روايةٌ شاذَّة.

(مَرَّتَيْنِ) قال الخطابي هذا لفظه الخبر ومعناه أمر؛ أي ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يُؤتى من ناحية الغفلةِ، فيخدع مرةً بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدِّين، كما يكون في أمر الدُّنيا، وهو أولاهما بالحذر. قال وقد روي بكسر الغين في الوصل، فيتحقَّق معنى النَّهي فيه. قال ابن التِّين وكذلك قرأناه. وقال أبو عُبيد معناه لا ينبغي للمؤمنِ إذا نكبَ من وجه أن يعودَ إليه.

قال الحافظُ العسقلاني وهذا هو الذي فهمَه الأكثر، ومنهم الزُّهري راوي الخبر، فأخرجَ ابن حبَّان من طريق سعيد بن عبد العزيز قال قيل للزُّهري لما قدم من عند هشام بن عبد الملك ماذا صنع بك! قال أوفى عني ديني، ثمَّ قال يا ابن شهاب تعودُ تدَّانُ، قال لا، وذكر الحديث.

وقال أبو داود الطَّيالسي بعد تخريجهِ لا يعاقب في الدُّنيا بذنبٍ، فيُعاقب به في الآخرة، وحمله غيره على غير ذلك. وقيل المرادُ بالمؤمن في هذا الحديث الكامل الذي وقفتْ معرفته على غوامضِ الأمور حتى صارَ يحذر ممَّا سيقعُ، وأمَّا المؤمن المغفل فقد يلدغُ مرارًا.

وقيل معنى (( لا يلدغُ المؤمنُ من جُحر مرَّتين ) )أنَّ من أذنب ذنبًا، فعوقب به في الدُّنيا، لا يعاقبُ به في الآخرة، إن أرادَ قائل هذا أنَّ عموم الخبر يتناولُ هذا، فيمكنُ وإلَّا فسببُ الحديث يأبى ذلك. ويؤيِّد قول من قال فيه تحذير من التَّغفيل، وإشارة إلى استعمال الفطنةِ.

قال ابن بطَّال وفيه أدبٌ شريفٌ أدَّب به النَّبي صلى الله عليه وسلم أمَّته ونبههم

ج 26 ص 60

كيف يحذرون ممَّا يخافون سوءَ عاقبته، وفي معناه حديث (( المؤمنُ كيِّس حذرٌ ) )أخرجه صاحب «مسند الفردوس» من حديث أنس رضي الله عنه بسندٍ ضعيفٍ.

قال وأوَّل ما قاله صلى الله عليه وسلم لأبي عزَّة الجُمحي، وكان شاعرًا فأُسِرَ ببدرٍ فشكا عائلةً وفقرًا، فمَنَّ عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم وأطلقه بغير فداءٍ وعاهده أن لا يحرِّض عليه ولا يهجوهُ، فلحقَ بقومه، ثمَّ رجعَ إلى التَّحريض والهجاء، ثمَّ أُسِرَ يوم أُحدٍ فسأله المنَّ، فقال مُنَّ عليَّ، وذكر فقرهُ وعيالَه، فقال (( لا تمسح عارضيكَ بمكة، تقول سخرتُ بمحمَّد مرَّتين ) )وأمر به فقتلَ، أخرج قصَّته ابن إسحاق في «المغازي» بغير إسناد.

وقال ابنُ هشام في «تهذيب السيرة» بلغني عن سعيد بن المسيب أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال حينئذٍ (( لا يلدغُ المؤمنُ من جُحر مرَّتين ) ). وهذا السَّبب يضعف الوجه الثَّاني، يعني الرِّواية بكسر الغين على النَّهي، قاله التُّوربشتي.

وأجاب عنه الطِّيبي بأنَّه يوجَّه بأن يكون صلى الله عليه وسلم لما رأى من نفسهِ الزَّكية الميل إلى الحلم والعفو جرَّد منها مؤمنًا كاملًا حازمًا ذا شهامةٍ، ونهاه عن ذلك؛ يعني ليس من سمةِ المؤمن الحازم الذي يغضبُ لله، ويذبُّ عن دين الله أن ينخدعَ من مثل هذا الغادر المتمرِّد مرَّة بعد أخرى، كأنَّه قال فانتهِ عن حديث الحلم وأمضِ لسانك في الانتقام منه، والانتصار من عدوِّ الله، فإن مقامَ الغضبِ لله يأبى العفو والحلم في حقِّه.

ومن أوصافهِ صلى الله عليه وسلم أنَّه كان لا ينتقم لنفسه إلَّا أن تنتهكَ حُرمة الله تعالى، فينتقمُ بها. وقد ظهرَ من هذا أن الحلم مطلقًا غير محمودٍ، كما أنَّ الحَرَدَ كذلك، فمقام التَّحلُّم مع المؤمن مندوبٌ إليه مع الأولياء، والغلظة مع الأعداء، وقد قال تعالى في وصف الصَّحابة رضي الله عنهم {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح 29] ، فظهر أنَّ القول بالنهي أولى، والمقام له أدعى، وسلوك ما ذهب إليه أبو سليمان الخطَّابي أفصحُ وأهدى، وأحق أن يتَّبع وأحرى، ويؤيِّده حديث (( احترسوا من النَّاس بسوءِ الظَّنِّ ) )أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» من طريق أنس، وهو من رواية بقيَّة بالعنعنةِ عن معاوية بن يحيى وهو ضعيفٌ فله علَّتان، وصحَّ من قول مطرِّف التَّابعي الكبير أخرجه مسدَّد.

ثمَّ إن صنيع أبي عُبيد في كتاب «الأمثال» مشكلٌ على قول ابن بطَّال أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أول من قال ذلك، ولذا قال السَّفاقسي

ج 26 ص 61

إنَّه مثلٌ قديمٌ تمثَّل به صلى الله عليه وسلم، إذ كان صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يتمثَّل بالأمثال القديمة.

وأصل ذلك أنَّ رجلًا أدخل يدَهُ في جُحرٍ لصيد أو غيره فلدغتْهُ حيَّة في يدِهِ. فضربتْهُ العرب مثلًا فقالوا لا يدخلُ الرَّجل يده في جُحر فيلدغُ منه مرَّة ثانيَّة.

وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه إذا كان المثل العرفي على الصُّورة التي حكاها فالنَّبي صلى الله عليه وسلم لم يوردْهُ كذلك حتى يُقال إنَّه تمثَّل. نعم، أورد كلامًا بمعناه، وانظر فرقَ ما بين كلامهِ صلى الله عليه وسلم وبين لفظ المثل المذكور فطلاوةُ البلاغة على لفظهِ صلى الله عليه وسلم وحلاوةُ العبارة فيه باديةٌ يُدركها من له ذوقٌ سليمٌ عليه أفضل الصَّلاة وأزكى التَّسليم.

ومطابقة الحديث للترجمة أظهرُ من أن تخفى. وقد أخرجه مسلم في آخر الكتاب، وأبو داود في (( الأدب ) )، وابن ماجه في (( الفتن ) )، كلُّهم بهذا اللَّفظ.

وأخرج ابن حبَّان من طريق سعيد بن عبد العزيز أنَّ هشام بن عبد الملك قضى عن الزُّهري سبعة آلاف دينار، فقال هشام للزُّهري لا تعدْ لمثلها، فقال الزُّهري يا أمير المؤمنين حدَّثني سعيد _ يعني ابن المسيب _ وذكره بلفظ (( لا يلسعُ المؤمن من جُحر مرَّتين ) ). وفي معناه من القرآن قوله تعالى حكاية عن يعقوب في قصَّة ابنه عليهما السَّلام {قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ} [يوسف 64] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت