6135 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التَّنِّيسي الكلاعي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، واسم أبي سعيد كيسان (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره مهملة، خويلد بن عَمرو بن صخر، وقيل غير ذلك، وهو من بني عديِّ بن عَمرو بن لحِي أخي كعب بن عَمرو، فلذلك قيل له (الْكَعْبِيِّ) بفتح الكاف وكسر الموحدة، الخزاعيِّ أسلم قبل الفتح، وتوفي بالمدينة رضي الله عنه.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) الذي خلقه
ج 26 ص 65
إيمانًا كاملًا (وَالْيَوْمِ الآخِرِ) الذي إليه معاده وفيه مجازاته (فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ) بالرفع في الفرع كأصلهِ مبتدأ، فاعلة من الجواز، وهي العطاء؛ لأنَّه حق جوازه عليهم وخبره يوم وليلة قدَّرها الشَّارع بيوم وليلة؛ لأنَّ عادة المسافرين ذلك. وقال السُّهيلي روي (( جائزتُه ) )بالرفع على الابتداء، وهو واضحٌ وبالنصب على بدلِ الاشتمال؛ أي يكرم جائزتَه يومًا وليلة.
(وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ) قال ابن بطَّال سُئل عنه مالك، فقال يُكرمه ويتحفه يومًا وليلة، وثلاثة أيام ضيافة. واختلف هل الثَّلاث غير الأوَّل أو يعدُّ منها؟ فقال أبو عُبيد يتكلَّف له في اليوم الأول بالبرِّ والإلطاف، وفي الثَّاني والثَّالث يقدِّم له ما حضره ولا يزيدُه على عادتهِ، ثمَّ يُعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلةٍ، ويسمَّى الجيزة، وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهلٍ إلى منهلٍ. ومنه الحديث الآخر (( أجيزوا الوفد بنحو ما كنتُ أجيزهم ) ) [خ¦3053] .
وقال الخطَّابي معناه أنَّه إذا نزلَ به الضَّيف يتحفُه، ويزيدُه في البر على ما يحضر به يومًا وليلة، وفي اليومين الأخيرين يقدِّم له ما يحضره، فإذا مضى الثَّلاث فقد مضى حقُّه، فما زادَ عليها ممَّا يقدِّمه له يكون صدقة، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم
(فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ) وقد وقع في رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبُري عن أبي شُريح عند مسلم وأحمد بلفظ (( الضِّيافة ثلاثة أيام وجائزتُه يوم وليلة ) )، وهذا يدلُّ على المغايرة، وعلى أنَّ اليوم واللَّيلة بعد الثَّلاثة، ويؤيِّد ما قال أبو عُبيد.
وأجاب الطِّيبي بأنها جملةٌ مستأنفةٌ بيان للجملة الأولى كأنَّه قيل كيف يكرمه؟ قال جائزتُه، ولابدَّ من تقدير مضاف؛ أي زمان جائزتُه؛ أي برُّه وإلطافُه يوم وليلة، فهذه الرِّواية محمولةٌ على اليوم الأول، ورواية عبد الحميد على اليوم الأخير؛ أي قدر ما يجوز به المسافر يومًا وليلة، فينبغي أن تحملَ على هذا عملًا بالرِّوايتين. انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله (( وجائزته ) )بيانًا لحالة أخرى وهو أنَّ المسافر تارةً يقيمُ عند من ينزل عليه، فهذا لا يزادُ على الثَّلاث بتفاصيلها،
ج 26 ص 66
وتارةً لا يقيم فهذا يُعطي ما يجوز به قدر كفايته يومًا وليلة.
ولعلَّ هذا أعدل الأوجه واستدلَّ بجعل ما زاد على الثَّلاث صدقة على أنَّ الذي قبلها واجب، فإنَّ المراد بتسميتهِ صدقة التَّنفير عنه؛ لأنَّ الكثير من النَّاس خصوصًا الأغنياء يأنفونَ غالبًا من أكل الصَّدقة.
واستدلَّ ابن بطَّال لعدمِ الوجوب بقوله (( جائزته ) )قال والجائزةُ تفضُّلٌ وإحسان ليست بواجبة، وعليه عامَّة الفقهاء وتأولوا الحديث بأنها كانت في أوَّل الإسلام إذ كانت المواساة واجبةٌ.
وتعقِّب بأنَّه ليس المراد بالجائزةِ في حديث أبي شُريح العطيَّة بالمعنى المصطلح، وهي ما يُعطاه الشَّاعر والوافد.
فقد ذكر في «الأوائل» أنَّ أوَّل من سمَّاها جائزة بعض الأمراء من التَّابعين، وإنما المرادُ بالجائزة في الحديث أنَّه يُعطيه ما يُغنيه عن غيره. وقال الحافظُ العسقلاني وهو صحيحٌ في المراد من الحديث، وأمَّا تسميَّة العطية للشَّاعر ونحوه جائزة، فليس بحادثٍ؛ للحديث الصَّحيح (( أجيزوا الوفد ) ) [خ¦3053] . ولقوله صلى الله عليه وسلم للعبَّاس رضي الله عنه (( ألا أُعطيك ألَّا أمنحَكَ ألا أجيزكَ ) ). فذكر حديث صلاة التَّسبيح فدلَّ على أنَّ استعمالها لذلك ليس بحادث.
(وَلاَ يَحِلُّ لَهُ) أي للضَّيف (أَنْ يَثْوِيَ) بكسر الواو في المضارع وبفتحها في الماضي من الثَّواء بالتَّخفيف والمد؛ أي الإقامة بمكان معين، وأثويت عنده لغةٌ في ثويتُ؛ أي يقيم (عِنْدَهُ) أي عند من أضافه (حَتَّى يُحْرِجَهُ) بضم تحتية وبحاء مهملة ساكنة وراء ساكنة ثمَّ جيم، من الحرج وهو الضِّيق.
وقال النَّووي في رواية لمسلم (( حتى يؤثِّمه ) )أي يُوقعه في الإثم؛ لأنَّه قد يغتابُه لطولِ إقامته أو يعرضُ له بما يُؤذيه أو يظن به ظنًا سيئًا، وهذا كلُّه محمولٌ على ما إذا لم تكن الإقامة باختيار صاحب المنزل بأن يطلبَ منه الزِّيادة في الإقامة، أو يغلب على ظنِّه أنَّه لا يكره ذلك، وهو مستفادٌ من قوله (( حتى يحرجه ) )؛ لأنَّ مفهومه إذا ارتفعَ الحرج أنَّ ذلك يجوز.
ووقعَ عند أحمد
ج 26 ص 67
في رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبُري عن أبي شُريح، قيل يا رسول الله وما يؤثِّمه؟ قال (( يقيمُ عنده لا يجد شيئًا يقدِّمه ) )أخرجه أحمدُ والحاكم، وفيه قصَّة لسلمان مع ضيفه حيث طلبَ منه زيادة على ما قدَّمه له فرهنَ مطهرته بسبب ذلك، ثمَّ قال الحمد لله.
قال ابن بطَّال إنما كرهَ له المقام بعد الثَّلاث؛ لئلا يُؤذيه فتصير الصَّدقة منه على وجه المن والأذى.
قال الحافظُ العسقلاني وفيه نظرٌ؛ فإنَّ في الحديث (( فما زادَ فهو صدقة ) )فمفهومُه أنَّ الذي في الثَّلاث لا يسمَّى صدقة، فالأولى أن يقولَ لئلا يُؤذيه فيوقعه في الإثم بعد أن كان مأجورًا.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( فليكرمْ ضيفه ) ). وقد مضى الحديث في أوائل (( كتاب الأدب ) )، في باب (( من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يُؤذ جاره ) ) [خ¦6019] .
(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام بسنده السَّابق، (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث السَّابق (وَزَادَ) أي ابن أبي أويس (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) ضبطه النَّووي بضم الميم. قال الحافظُ العسقلاني وقال الطُّوفي سمعناهُ بكسرها، وهو القياس كضرب يضرِب.
وتعقَّبه العيني بأنَّه ما للقياس مدخلٌ في ذلك، والأصلُ فيه السَّماع، ويجوز أن يجيءَ من باب نصر، ومن باب ضربَ، وقد استشكل التَّخيير الذي في قوله (( فليقل خيرًا أو ليصمت ) ).
لأنَّ المباح إن كان في أحد الشِّقَّين لزم أن يكون مأمورًا به، فيكون واجبًا أو منهيًا، فيكون حرامًا. والجواب عن ذلك أنَّ صيغة أفعل في قوله (( فليقلْ أو ليصمتْ ) )لمطلق الإذن الذي هو أعم من المباح وغيره.
نعم، يلزم من ذلك أن يكون المباح حسنًا لدخولهِ في الخير. ومعنى الحديث أنَّ المرء إذا أراد أن يتكلَّم فليفكِّر قبل كلامه، فإن علمَ أنَّه لا يترتب عليه مفسدة ولا يجرُّ إلى محرمٍ، ولا مكروهٍ فليتكلَّم وإن كان مباحًا فالسَّلامة في السُّكوت؛ لئلا يجر المباح إلى المحرمِ والمكروه.
وفي حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه
ج 26 ص 68
الطَّويل الذي صحَّحه ابن حبَّان (( ومن حسب كلامه من عملهِ قل كلامه إلَّا فيما يعنيهِ ) ). وفي حديث أبي أُمامة رضي الله عنه عند الطَّبراني والبيهقي في «الزهد» (( فليقل خيرًا ليغنم وليسكتْ عن شرٍّ ليسلم ) ).
وفي معنى الأمر بالصَّمت أحاديث كثيرة كحديث ابنِ مسعود رضي الله عنه عند الطَّبراني قلت يا رسول الله، أيُّ الإيمان أفضل؟ الحديث، وفيه (( أنَّ يسلمَ المسلمون من لسانك ) ). وفي حديث البراء عند أحمد وصحَّحه ابن حبان مرفوعًا (( فكفَّ لسانك إلَّا من خير ) ). وحديث ابنِ عمر رضي الله عنهما عند التِّرمذي (( من صمتَ نجا ) ). وعنده من حديث ابن عمر (( كثرة الكلام بغير ذكرِ الله تقسِّي القلب ) ).
أسأل الله العافية.