6140 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ) بالتَّحتية والشين المعجمة، أبو الوليد الرَّقَّام البصري، مات سنة ست وعشرين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) أي ابن عبد الأعلى السَّامي _ بالمهملة _، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ إياس [1] (الْجُرَيْرِيُّ) بضم الجيم مصغَّرًا. قال الحافظُ الدِّمياطي مات سنة أربع وأربعين ومائة. والجُريري نسبةً إلى جرير بن عُبَاد _ بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة _ أخي الحارث بن عُبَاد بن ضُبيعة بن قيس بن بكر بن وائل. وقد وهمَ الكرمانيُّ حيث قال إنَّه مصغَّر الجَرِّ بالجيم والراء المشددة.
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهدي _ بفتح النون _ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا) ثلاثة؛ أي اتَّخذهم ضيفًا له (فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابنه (دُونَكَ) أي الزم(أَضْيَافَكَ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ
ج 26 ص 74
إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَافْرُغْ)بهمزة وصل (مِنْ قِرَاهُمْ) بكسر القاف، بمعنى الضِّيافة، وإضافة القرى إليهم لأدنى ملابسةٍ.
(قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ) من عند النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ اطْعَمُوا، فَقَالُوا أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟) أي صاحبه يعنون أبا بكرٍ رضي الله عنه (قَالَ) لهم عبد الرَّحمن (اطْعَمُوا قَالُوا مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا، قَالَ) لهم (اقْبَلُوا) بهمزة وصل وفتح الموحدة (عَنَّا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ) أي أبا بكر رضي الله عنه (إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا) بفتح الأول والثَّالث (لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ) أي الأذى وما يكرهنا (فَأَبَوْا) أي فامتنعوا أن يأكلوا (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ) من الموجدة، وهي الغضب؛ أي يغضب. (عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ) أبو بكر رضي الله عنه (تَنَحَّيْتُ عَنْهُ) أي جعلت نفسي في ناحيةٍ بعيدةٍ عنه (فَقَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (مَا صَنَعْتُمْ) أي بالأضياف (فَأَخْبَرُوهُ) أنَّهم أبوا أن يأكلوا إلَّا إن حضر (فَقَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ) قال عبد الرَّحمن (فَسَكَتُّ) فرقًا منه (ثُمَّ قَالَ) ثانيًا (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَسَكَتُّ) أيضًا (فَقَالَ) في الثَّالثة (يَا غُنْثَرُ) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح المثلثة وبالراء، ومعناه الجاهل أو اللَّئيم، وقيل الثقيل. ورُوِي (( يا عَنْتَر ) )بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح المثناة الفوقية، وهو الذُّباب، وشبَّهه حين حقَّره بالذُّباب.
(أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَّا جِئْتَ) بتشديد الميم بمعنى إلَّا كما عند سيبويه؛ أي لا أطلب إلَّا مجيئك وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني من الإجابة (فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ) له (سَلْ أَضْيَافَكَ) فسألهم (فَقَالُوا) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَدَقَ أَتَانَا بِهِ) أي بالقِرى فلم نقبل (قَالَ) أبو بكر رضي الله عنه.
(فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي، وَاللَّهِ لاَ أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ) لأنَّه اشتدَّ عليه تأخُّر عشائهم (فَقَالَ الآخَرُونَ) بفتح الخاء المعجمة (وَاللَّهِ لاَ نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، فَقَالَ) أبو بكر رضي الله عنه (لَمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ) أي لم أرَ ليلًا مثل هذه اللَّيلة في الشَّرِّ (وَيْلَكُمْ) لم يقصد به الدُّعاء عليهم (مَا أَنْتُمْ) كلمة (( ما ) )استفهامية (لِمَ لاَ) وفي رواية أبي ذرٍّ .(تَقْبَلُونَ
ج 26 ص 75
عَنَّا قِرَاكُمْ، هَاتِ)يا عبد الرحمن (طَعَامَكَ، فَجَاءَهُ به) وفي رواية أبي ذرٍّ (فَوَضَعَ) أبو بكر رضي الله عنه (يَدَهُ) فيه (فَقَالَ بسم اللَّهِ الأُولَى) أي الحالة الأولى، وهي حالة غضبه وحلفه أن لا يطعمَ في تلك اللَّيلة (لِلشَّيْطَانِ) .
وقال ابن بطَّال (( الأُولى ) )يعني اللُّقمة الأولى ترغيمٌ للشَّيطان؛ لأنَّه هو الَّذي حمله على الحلف، وباللُّقمة الأولى وقع الحنث فيها، وقال وإنَّما حلف؛ لأنَّه ترغيمٌ للشَّيطان وأنَّه اشتدَّ عليه تأخيرُ عشائهم، ثمَّ لمَّا لم يسعْه مخالفة أضيافه ترك التَّمادي في الغضب (فَأَكَلَ) أبو بكر رضي الله عنه استمالةً لقلوبهم (وَأَكَلُوا) أي الأضياف.
وفي «المصابيح» لا شكَّ أنَّ إجناءه نفسه وأكله مع الضَّيف خيرٌ من المحافظة على برِّه المفضي إلى ضيق صدر الضَّيف وحصول الوحشة لهم والقلق، فكيف يكون ما هو خيرٌ منسوبًا إلى الشَّيطان، فالظَّاهر أنَّ المراد بـ (( الأُولى ) )هي حالةُ غضبه وحلفه.
ومطابقة الحديث للترجمة تُؤخذ من قوله (( إنَّه يجد عليَّ ) )؛ أي يغضبُ عليَّ، وقد وقع التَّصريح بالغضب في الطريق الذي بعد هذا [خ¦6141] . وقد مضى الحديث في باب (( علامات النبوة ) ) [خ¦3581] .
[1] في هامش الأصل في نسخة ابن أبي إياس.