6145 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحافظ، أبو بشر الحمصي مَولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام المخزومي (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ) بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس في رمضان، وله ثلاث أو إحدى وستون، لا تثبت له صحبة.
(أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ) بن وهب بن عبد مناف بن زُهرة الزُّهري ولدَ في عهده صلى الله عليه وسلم (أَخْبَرَهُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) سيِّد القرَّاء الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه. وفي هذا الإسناد أربعة من التَّابعين قرشيون مدنيون على نسقٍ واحدٍ، وهم من الزُّهري إلى أبيِّ بن كعب رضي الله عنه ولمروان وعبد الرَّحمن مزية إدراك النَّبي صلى الله عليه وسلم ولكنَّهما من حيث الرِّواية معدودان في التَّابعين.
(أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً) أي قولًا صادقًا مطابقًا للواقع، وقيل أصل الحكمة المنع، فالمعنى أنَّ من الشِّعر كلامًا نافعًا يمنعُ من السَّفه والجهل. وأخرج أبو داود من رواية صخر بن عبد الله بن بُريدة عن أبيه عن جدِّه سمعتُ رسول الله عليه وسلم يقول (( إنَّ من البيان سحرًا، وإنَّ من العلم جهلًا، وإنَّ من الشِّعر حكمًا، وإنِّ من القول [1] عيالًا ) ). فقال صعصعة بن صُوحان صدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّا قوله (( إنَّ من البيان سحرًا ) )فالرَّجل يكون عليه الحقُّ، وهو ألحنُ بالحججِ من صاحب الحقِّ، فيسحر القوم ببيانه فيذهبُ بالحقِّ. وأمَّا قوله (( إنَّ من العلم جهلًا ) )فتكلَّف العالم إلى علمهِ ما لا يعلمُ فيُجهِّله ذلك. وأمَّا قوله (( إنَّ من الشِّعر حكمًا ) )فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتَّعظ بها النَّاس. وأمَّا قوله (( إنَّ من القول عيالًا ) )فعرضك كلامك على من لا يريده. وقال ابن التِّين
ج 26 ص 86
مفهومُه أنَّ بعض الشِّعر ليس كذلك؛ لأنَّ (( من ) )تبعيضيَّة.
ووقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند البُخاري في «الأدب المفرد» وأبي داود والتِّرمذي وحسَّنه وابن ماجه بلفظ (( إنَّ من الشِّعر حكمًا ) )وكذا أخرجه ابنُ أبي شيبة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وأخرجه أيضًا من حديث بُرَيدة مثله.
وأخرج ابنُ أبي شيبة من طريق عبد الله بن عُبيد بن عُمير، قال قال أبو بكر رضي الله عنه ربما قال الشَّاعر الكلمة الحكمة.
وقال ابن بطَّال ما كان في الشِّعر والرَّجز ذكر الله تعالى وتعظيم له ووحدانيَّته وإيثار طاعتهِ والاستسلام فهو حسنٌ يرغُّبُ فيه، وهو المراد في الحديث بأنَّه حكمة، وما كان كذبًا وفحشًا فهو المذموم.
وقال الطَّبري في هذا الحديث ردٌّ على من كره الشِّعر مطلقًا، واحتجَّ بقول ابنِ مسعود رضي الله عنه الشِّعر مزاميرُ الشَّيطان. وعن مسروق أنَّه تمثَّل بأوَّل بيت شعر، ثمَّ سكتَ فقيلَ له، فقال أخافُ أن أجدَ في صحيفتي شعرًا.
وعن أبي أُمامة رفعه (( إنَّ إبليسَ لما هبطَ إلى الأرض، قال ربِّ اجعلْ لي قرآنًا، قال قرآنك الشِّعر ) ).
وعن جُبير بن مُطْعم عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان إذا افتتحَ الصَّلاة يستعيذُ من الشَّيطان من همزِهِ ونفخِهِ ونفثِهِ، فسَّره عَمرو بن مرَّة راويه قال نفثهِ الشِّعر، ونفخه الكبر، وهمزهِ الموتة؛ أي الجنون.
وروى ابنُ لَهيعة عن أبي قبيل المعافري، قال سمعتُ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول من قال ثلاثة أبيات من الشِّعر من تلقاءِ نفسه لم يدخلِ الفردوس.
ثمَّ أجاب عن ذلك بأنَّها أخبار واهيةٌ، وهو كذلك فحديثُ أبي أُمامة فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيفٌ، وعلى تقدير قوَّتها فهو محمولٌ على الإفراطِ فيه والإكثار منه كما سيأتي تقريره بعد باب [خ¦6150] ، ويدلُّ على الجوازِ سائر الأحاديث في الباب.
وأخرج البُخاري في «الأدب المفرد» عن عَمرو بن الشَّريد عن أبيه، قال استنشدَنِي النَّبي صلى الله عليه وسلم من شعر أميَّة بن الصَّلت، فأنشدتُه حتى أنشدتُه مائة قافية.
وعن مطرِّف قال صحبتُ عمران بن حُصين من الكوفة إلى البصرة، فقلَّ نزوله إلَّا وهو ينشدني شعرًا. وأخرج البُخاري في «الأدب المفرد» عن عائشة رضي الله عنها أنَّها كانت تقول الشِّعر منه حسنٌ، ومنه قبيحٌ، خذ بالحسنِ ودعِ القبيحَ، ولقد رَوَيْتُ من شعر كعب بن مالك أشعارًا منها القصيدة
ج 26 ص 87
فيها أربعون بيتًا. وسنده حسنٌ.
وأخرج أبو يَعلى أوَّله من حديثها من وجه آخر مرفوعًا. وأخرجه البُخاري في «الأدب المفرد» أيضًا من حديث عبد الله بن عَمرو مرفوعًا، بلفظ (( الشِّعر بمنزلة الكلام، فحسنُه كحسنِ الكلام، وقبيحُه كقبيحِ الكلام ) )وسنده ضعيفٌ. وأخرجه الطَّبراني في «الأوسط» وقال لا يروى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا بهذا الإسناد، وقد اشتهرَ هذا الكلام عن الشَّافعي.
واقتصرَ ابن بطَّال على نسبتهِ إليه فقصَّر. وعابَ القرطبي المفسِّر على جماعة من الشَّافعية الاقتصار على نسبتهِ ذلك للشَّافعي. وقد شاركهُم في ذلك ابن بطَّال وهو مالكي.
وأخرجه الطَّبري من طريق ابنِ جُريج سألت عطاء عن الحدَّاء والشِّعر والغناء، فقال لا بأسَ به ما لم يكن فُحْشًا. وأسند الطَّبري عن جماعة من كبار الصَّحابة والتَّابعين أنَّهم قالوا الشِّعر، وأنشدوه واستنشدوه.
وأخرج البُخاري في «الأدب المفرد» عن خالد بن كَيسان قال كنتُ عند ابن عمر رضي الله عنهما فوقفَ عليه إياس بن خيثمة، فقال ألا أنشدُك من شعري، قال بلى، ولكن لا تنشدني إلَّا حسنًا.
وأخرج ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن قال لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متجوِّفين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الأشعار في مجالسهِم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدُهم على شيءٍ من أمرِ دينه دارتْ حماليقُ عينيهِ.
ومن طريق عبد الرَّحمن بن أبي بكرة قال كنتُ أجالسُ أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مع أبي في المسجدِ، فيتناشدون الأشعار، ويذكرون حديث الجاهليَّة.
وأخرج أحمدُ وابن أبي شيبة والتِّرمذي وصحَّحه من حديث جابر بن سَمُرة رضي الله عنه قال كان أصحاب رسولِ الله صلى الله يتذاكرونَ الشِّعر، وحديث الجاهليَّة عند رسولِ الله عليه وسلم، فلا ينهاهُم وربما تبسَّم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه أبو داود
ج 26 ص 88
وابن ماجه في (( الأدب ) ).
كذا في العمدة والتوضيح أيضًا، وأما في الفتح (( عيًا ) ).