فهرس الكتاب

الصفحة 9143 من 11127

6146 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العبدي، ويقال العجلي الكوفي، أنَّه قال (سَمِعْتُ جُنْدَبًا) بضم الجيم وسكون النون، ابن عبد الله بن سفيان البجلي الصَّحابي رضي الله عنه (يَقُولُ بَيْنَمَا) بالميم (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي) وفي رواية ابنِ عُيينة عن الأسود عن جُندب كنتُ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في غار، وفي رواية أبي عَوَانة كان في بعضِ المشاهد، وفي رواية شعبة عن الأسود خرجَ إلى الصَّلاة، أخرجه الطَّيالسي وأحمد.

(إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ) بفتح العين المهملة والمثلثة؛ أي سقط. يقال عثر عثارًا، من باب طَلَبَ (فَدَمِيَتْ) بفتح الدال المهملة وكسر الميم وفتح التَّحتية وسكون الفوقية (إِصْبَعُهُ، فَقَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم متمثلًا بقول عبد الله بن رواحة (هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ) بكسر التَّاء الفوقية في آخر القسمين على وفق الشِّعر. وقال الكرماني والتَّاء في الرجز مكسورة، وفي الحديث ساكنة.

وقال غيره إنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم تعمد إسكانهما؛ ليخرج القسمين عن الشِّعر، وهو مردودٌ فإنَّه يصيرُ من ضرب آخر من الشِّعر، وهو من ضروب البحرِ الملقب بالكاملِ، وفي الثَّاني زحاف جائز.

قال القاضي عياض وقد غفلَ بعض النَّاس فروى (( دَميت ) (( لَقِيت ) )بغير مدٍّ فخالفَ الرِّواية لَيَسْلَم من الإشكالِ فلم يصب.

وقال الطِّيبي في «شرح المشكاة» قوله (( دَمِيت ) )، صفة إصبع؛ أي ما أنت بإصبع موصوفة بشيءٍ من الأشياء إلَّا بأنْ دَمِيت، كأنَّها لما توجَّعت خاطبها على سبيلِ الاستعارة أو الحقيقة معجزةً مسلِّيًا لها بأنَّك ما ابتليتِ بشيءٍ من الهلاك والقطعِ سوى أنَّك دَمِيت، ولم يكن ذلك هدرًا، بل كان في سبيلِ الله ورضاه.

وقد اختلف هل قاله النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم متمثلًا، أو قاله من قبل نفسِهِ غير قاصدٍ لإنشائهِ، فخرج موزونًا،

ج 26 ص 89

وبالأوَّل جزم الطَّبري وغيره.

ويؤيِّده أنَّ ابنَ أبي الدُّنيا في «محاسبة النفس» أوردهما لعبد الله بن رواحة، فذكر أنَّ جعفرَ بن أبي طالب لما قُتِل في غزوة مُؤتة بعد أن قُتلَ زيد بن حارثة أخذ اللِّواء عبد الله بن رواحة فقاتل فأُصيب إصبعه فارتجزَ وجعلَ يقول

~هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ ... إلى آخره وزاد

~يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوْتِي هَذِي حِيَاضُ المَوْتِ قَدْ صَلِيْتِ

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ لَقِيْتِ إِنْ تَفْعَلِي فَعْلَهُمَا هَدِيْتِ

وهكذا جزمَ ابن التِّين بأنَّهما من شعر ابنِ رواحة.

وذكر الواقديُّ أنَّ الوليد بن الوليد بن المغيرة كان رافقَ أبا بصيرٍ في صُلح الحديبية على ساحل البحر، ثمَّ إنَّ الوليد رجعَ إلى المدينة، فعثر بالحرَّة فانقطعتْ إصبعه، فقال هذين القسمين. وأخرجَه الطَّبراني من وجه آخر موصولٍ بسندٍ ضعيفٍ.

وقال ابنُ هشام في «زيادات السير» حدَّثني من أثقُ به أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال من لي بعبَّاس بن أبي ربيعة، فقال الوليد بن الوليد أنا، فذكر قصَّة فيها فعثرَ، فدَمِيت إصبعَه، فقالهما، وهذا إن كان محفوظًا احتملَ أن يكون ابن رواحة ضمَّنهما شعرَهُ وزاد عليهما، فإنَّ قصَّة الحديبية قبل قصَّة مؤتة.

وقد تقدَّم نحو هذا الاحتمال في أوائل (( غزوة خيبر ) ) [خ¦4196] في الرِّجز المنسوب لعامرِ بن الأكوع اللَّهمَّ لولا أنت ما اهتدينا، وأنَّه نُسِبَ في رواية أخرى لابن رواحة. وقد اختلفَ في جواز تمثُّل النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالشِّعر وإنشادهِ حاكيًا عن غيره، فالصَّحيح جوازه.

وقد أخرج البُخاري في «الأدب المفرد» والتِّرمذي وصحَّحه والنَّسائي من رواية المقدام بن شريح عن أبيه قلتُ لعائشة رضي الله عنها أكان رسولُ الله عليه وسلم يتمثَّل بشيءٍ من الشِّعر؟ قالت كان يتمثَّل من شعرِ ابن رواحة

~وَيَأْتِيْكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ [1]

ج 26 ص 90

وأخرج ابنُ أبي شيبة نحوه من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وأخرج أيضًا من مرسلِ أبي جعفر الخطمي قال كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يبني المسجد وعبد الله بن رواحة يقول

~أَفْلَحَ مَنْ يُعَالِجُ المَسَاجِدَا

فيقولها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيقولُ ابن رواحة

~يَتْلُو الْقُرْآنَ قَائِمًا وَقَاعِدًا

فيقولها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

وأمَّا ما أخرجه الخطيب في «التَّاريخ» عن عائشةَ رضي الله عنها

~تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى يَكُنْ فَلَقَلَّمَا يُقَالُ لِشَيْءٍ كَانَ إِلَّا تَحَقَّقَ

قال وإنما لم يعربه؛ لئلا يكون شعرًا.

فقال الحافظُ العسقلاني فهو شيءٌ لا يصحُّ، وممَّا يدلُّ على وهائه التَّعليل المذكور، والحديث الثَّالث في الباب يؤيِّد ذلك [خ¦6147] ، وأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يجوزُ له أن يحكيَ الشِّعر. وقد تقدَّم في (( غزوة حنين ) )قوله صلَّى الله عليه وسلَّم (( أنا النَّبي لا كذبَ، أنا ابنُ عبد المطَّلب ) ) [خ¦4315] .

وأنَّه دال على جوازِ وقوعِ الكلام منه منظومًا من غيرِ قصد إلى ذلك، ولا يُسمَّى ذلك شعرًا ولا القائل به شاعرًا، فلا يَرِدُ أنَّه قد نفى الله تعالى عنه صلَّى الله عليه وسلَّم في كتابهِ أن يكون شاعرًا.

وفي الأحاديث أنَّه أنشد الشِّعر واستنشدَهُ، فإن المنفي في القرآن إنشاء الشِّعر لا إنشادُه، ولا يُقال لمن قاله متمثلًا، أو جرى على لسانهِ موزونًا من غير قصد أنَّه شاعر.

وقد وقعَ الكثير من ذلك في القرآنِ العظيم، لكن غالبَها أشطارُ أبيات، والقليلُ منها وقعَ وزن بيت تام.

وللعلَّامة الشَّهاب أبي الطَّيب الحجازي «قلائد النُّحور من جواهر البُحور» ذكر فيها ما استخرج من القرآن العزيز ما جاء على أوزانِ البُحور اتِّفاقًا، فمن ذلك ما هو من البحر الطَّويل قوله

~أيا من طويل الليل بالنوم قصروا أنيبوا وكونوا من أناس به تاهوا

~وإن شئتم تحيوا أميتوا نفوسكم ولا تقتلوا النفس التي حرم الله

ومن البحر الوافر

~صدور الجيش يُظفركم إله بوافر سهمكم بالكافرين

~ويخزهمُ وينصركم عليهم ويشفِ صدور قوم مؤمنين

ومن الكامل

~مات ابن موسى وهو بحر كامل فهناؤكمُ جمع الملائك مشترك

~يأتيكم التَّابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك

ومن الرمل

~أيها الأرمل إن رمت عفافًا فتزوج من نساء خيرات

ج 26 ص 91

~مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات

ومن مجزوء الرمل

~أسعدوا المرمل تجزوا ذلك أولى ما تعدون

~لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون

ومن السريع

~يا أهل دين الله بشراكم أقر مولاكم به عينكم

~إذ أنزل الله على المصطفى اليوم أكملت لكم دينكم

ومن الخفيف

~لا تدع اليتيم يومًا وكن في شأنه كله رؤوفًا رحيمًا

~أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيما

ومن المضارع

~وضارع أهيل خير تنل من ربنا يقينًا

~جنانًا مزخرفات وهم فيها خالدونَ

ومن المجتث

~اجتث قلبي بذنبي والله خيرًا يريد

~وكيف أخشى ذنوبي وهو الغفور الودود

وذكر الإمام العسقلاني في «فتح الباري» جملة من الآيات من هذا المعنى، وكان الأولى ترك ذلك، ولكن جرى القلم بما حكم، كذا قال الإمام القسطلاني.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. وقد مضى الحديث في (( الجهاد ) ) [خ¦2802] .

[1] في هامش الأصل وصدره ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت