فهرس الكتاب

الصفحة 9153 من 11127

6154 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين، ابن باذام العبسي الكوفي، قال (أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة وباللام، هو ابنُ سفيان الجُمَحي القرشي من أهل مكة، واسم أبي سفيان الأسود (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ لأَنْ يَمْتَلِئَ) بلام التَّأكيد و (( أن ) )المصدرية في موضعِ رفع على الابتداء (جَوْفُ أَحَدِكُمْ) بالرفع فاعل (( يمتلئ ) ) (قَيْحًا) نصب على التَّمييز، والقيحُ المدة لا يخالطها دمٌ، وقيل هو الذي يسيلُ من الدُّمَّل والجرح، وخبر المبتدأ قوله

(خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) ظاهره العموم لكنَّه مخصوصٌ بما لم يكن

ج 26 ص 108

حقًّا، أمَّا الحقُّ كمدح الله ورسوله، وما يشتملُ على الذِّكر والزُّهد وسائر المواعظ ممَّا لا إفراطَ فيه فليس من ذلك.

وحمله ابن بطَّال على الشِّعر الذي هُجِيَ به النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وتعقَّبه أبو عُبيد بأن الذي هُجِيَ به النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ولو كان شطر بيت كان كفرًا.

والوجه عندي أنَّ يمتلئ قلبُه منه حتى يغلبَ عليه فيشغله عن القرآن والذِّكر، فأمَّا إذا كان الغالب القرآن والذِّكر فليس جوفه بممتلئ من الشِّعر.

نعم، أخرج أبو يَعلى الموصلي عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا (( لأن يمتلئَ جوفُ أحدكُم قيحًا أو دمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هُجيت به ) )، وفي سنده واه [1] لم يعرف. وأخرجه الطَّحاوي وابن عدي من رواية ابنِ الكلبي عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه مثل حديث الباب، قال فقالتْ عائشة رضي الله عنها لم يَحفظ إنما قال (( من أن يمتلئَ شعرًا هُجيتُ به ) ) [2] .

قال الحافظُ العسقلاني وابنُ الكلبي واهي الحديث، وشيخُه أبو صالح ليس هو السَّمان المتَّفق على تخريجه في «الصَّحيح» عن أبي هريرة رضي الله عنه، بل هذا آخر ضعيفٌ يُقال له باذان، فلم تثبت هذه الزِّيادة.

وقال السُّهيلي إن قلنا بما قالته عائشة رضي الله عنها من تخصيصِ النَّهي بمن يمتلئ جوفُه من شعر هُجي به النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فليس في الحديث إلَّا عيب امتلاء الجوف، فلا يدخلُ في النَّهي رواية اليسير على سبيل الحكايةِ ولا الاستشهاد به في اللغة وحينئذٍ فلا يكفر.

وقال النَّووي استدل به على كراهة الشِّعر مطلقًا وإن قلَّ، وإن سَلِم من الفُحش، وتعلَّق بقوله في حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( خذوا الشَّيطان ) ). وأُجيب باحتمال أن يكون كافرًا، أو كان الشِّعر هو الغالب عليه، أو كان شعره الذي ينشده إذ ذاك من المذموم، وبالجملة فهي واقعةُ عينٍ يتطرَّق إليها الاحتمال ولا عمومَ لها، فلا حجَّة فيها.

وألحقَ أبو عبد الله بن أبي جمرة بامتلاء الجوف بالشِّعر المذمومِ حتى يشغله عمَّا عداه من الواجبات والمستحبَّات الامتلاء

ج 26 ص 109

من السَّجع مثلًا، ومن كلِّ علم مذمومٍ كالسِّحر وغير ذلك من العلوم التي تقسِّي القلب، وتشغله عن الله تعالى، وتُحدِث الشُّكوك في الاعتقاد وتُفضي إلى التَّباغض والتَّنافس.

ثمَّ إنه لما أخرج الطَّحاوي الأحاديث الواردة في ذمِّ الشِّعر قال فكرهَ قومٌ رواية الشِّعر واحتجوا بهذه الآثار وأرادَ بالقوم هؤلاء مسروقًا وإبراهيم النَّخعي وسالم بن عبد الله والحسن البصري وعَمرو بن شعيب فإنَّهم قالوا يكره رواية الشِّعر وإنشاده.

ورُوِي ذلك عن عُمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقَّاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم. ثمَّ قال الطَّحاوي وخالفهم آخرون في ذلك فقالوا لا بأس برواية الشِّعر الذي لا قَذَع فيه وهو بفتح القاف والذال المعجمة وبالعين المهملة، الفحش والخنا.

وأراد بالآخرين الشَّعبي، وعامر بن سعد، ومحمَّد بن سيرين، وسعيد بن المسيِّب، والقاسم، والثَّوري، والأوزاعي، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشَّافعي، وأحمد، وأبا يوسف، ومحمدًا وإسحاق بن راهويه، وأبا ثور، وأبا عُبيد، فإنهم قالوا لا بأس برواية الشِّعر الذي ليس فيه هجاء، ولا ثلب عرض أحد من المسلمين ولا فحش.

وروي ذلك عن أبي بكر الصِّديق، وعلي بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وعَمرو بن العاص، وعبد الله بن الزُّبير، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمران بن الحصين، والأسود بن سريع، وعائشة أم المؤمنين، رضي الله عنهم.

ثمَّ الظَّاهر أنَّ المراد من الجوف الجوف مطلقًا بما فيه من القلبِ وغيره، ويؤيِّده ما أخرجه الطَّحاوي، والطَّبراني من حديث عوف بن مالك (( لأن يمتلئَ جوفُ أحدكُم من عانته إلى لهاته فيما يتمخَّضُ مثل السِّقاء خير له من أن يمتلئَ شعرًا ) )، وسنده حسنٌ.

ويحتمل أن يرادَ به القلب وهو الأظهرُ؛ لأنَّ القلب إذا وصل إليه شيء من القيح،

ج 26 ص 110

وإن كان يسيرًا فإنه يموتُ لا محالة، بخلاف غير القلب من الكبد والرِّئة.

ومطابقة الحديث للترجمة تُؤخذ من معناه؛ لأنَّ امتلاء الجوف بالشِّعر كناية عن كثرة اشتغاله به حتى يكون وقته مستوعَبًا به، فلا يتفرَّغ لذكر الله عزَّ وجلَّ، ولا لقراءة القرآن، والاشتغال بالعلم النَّفع، وأمَّا إذا كان ذكر الله تعالى وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم غالبة عليه فلا يدخلُ تحت هذا الذَّم.

والحديث أخرجه الطَّحاوي حدَّثنا يونس قال حدثنا ابنُ وهب قال سمعتُ حنظلة، قال سمعتُ سالم بن عبد الله يقول سمعتُ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يحدِّث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مثله.

وهذا السَّند أقوى من سند البُخاري، ويونس هو ابنُ عبد الأعلى الصَّدفي المصري شيخ مسلم، والنَّسائي وابن ماجه.

[1] في هامش الأصل في نسخة صحيحة راو.

[2] في هامش الأصل وفي رواية قالت عائشة رضي الله عنها يرحم الله أبا هريرة، حفظ أوَّل الحديث، ولم يحفظ آخره، إن المشركين كانوا يهاجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (( لأن يمتلئَ جوفُ أحدكُم قيحًا خيرٌ له من أن يمتلئَ شعرًا من مهاجاةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت