فهرس الكتاب

الصفحة 9169 من 11127

6167 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين، القيسي البصري، قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى العوذي (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، صرَّح شعبة في روايته عن قتادة بسماعهِ له عن أنس (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) وفي رواية الزُّهري عن أنس رضي الله عنه عند مسلم (( أنَّ رجلًا من الأعراب ) )، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس عنده نحوه، وفي رواية سالم بن أبي الجعد الآتية في (( كتاب الأحكام ) )عن أنس [خ¦7153] (( بينما أنا والنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم خارجين من المسجد، فلقينا رجلٌ عند سُدَّة المسجد ) ).

وقد تقدَّم في (( مناقب عمر رضي الله عنه ) ) [خ¦3688] أنَّه ذو الخُويصرة اليماني الذي بالَ في المسجد، وأنَّ حديثه بذلك مخرج عند الدَّارقطني، وأنَّ من زعم أنَّه أبو موسى أو أبو ذرٍّ فقد وهمَ، فإنَّهما وإن اشتركا في معنى الجواب، وهو أنَّ المرء مع من أحبَّ، فقد اختلف سؤالهما فإن كلاًّ من أبي موسى وأبي ذرٍّ إنما سألَ عن الرَّجل يحبُّ القوم ولم يلحقْ بهم، وهذا سأل متى السَّاعة.

(أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ) برفع (( قائمة ) )على أنَّه خبر (( السَّاعة )

ج 26 ص 126

فـ (( متى ) )ظرف متعلَّق به، وبنصبه على الحال من الضَّمير المستكن في (( متى ) )، إذ هو على تقدير كونه خبرًا عن الساعة، فهو ظرف مستقر، وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند مسلم (( متى تقوم السَّاعة ) )، وكذا في أكثر الرِّوايات، ولما كان سؤال الرجل يحتملُ أن يكون على وجه التَّعنت وأن يكون على وجهِ الخوف، امتحنَه النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم حيث (قَالَ) له (وَيْلَكَ وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا) وفي نسخة بدون الواو.

قال الطِّيبي سلك صلَّى الله عليه وسلَّم مع السَّائل طريق الأسلوب الحكيم؛ لأنَّه سألَ عن وقت السَّاعة، وأجاب بقوله ما أعددتَ لها؟ يعني إنما يهمك أن تهتمَّ بأُهْبتها وتعتني بما ينفعك عند قيامها من الأعمال الصَّالحة، فقال هو (مَا أَعْدَدْتُ لَهَا) زاد مسلم من طريق مَعمر، عن الزُّهري، عن أنس (( من كثير عمل أَحْمَدُ عليه نفسي ) )وفي رواية سفيان عن الزُّهري عنده فلم يذكر (( كثيرًا ) )، وفي رواية سالم بن أبي الجعد (( فكأنَّ الرجل استكان، ثمَّ قال ما أعددتُ من كثيرِ صلاةٍ ولا صومٍ ولا صدقةٍ ) ).

(إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) قال الكرمانيُّ هذا الاستثناء يحتمل أن يكون متصلًا وأن يكون منقطعًا (قَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم (إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) لمَّا امتحنه وظهر من جوابه إيمانه ألحقَه بمن ذُكِر؛ أي أنت ملحقٌ بهم، وداخلٌ في زمرتهم، وليس المراد من المعية التَّساوي، فإنه يقتضي التَّسوية في الدَّرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوزُ بل المراد كونهم في الجنَّة بحيث يتمكَّن كلُّ واحدٍ منهم من رؤية الآخر، وإن بَعُد المكان وتفاوتت الدَّرجات؛ لأنَّ الحجاب إذا زالَ شاهد بعضُهم بعضًا، وإذا أرادوا الرُّؤية والتَّلاقي قَدِروا على ذلك.

(فَقُلْنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (وَنَحْنُ كَذَلِكَ) نكون مع من أحببنا؟ (قَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم (نَعَمْ) وهذا يؤيَّد ما ذكر؛ لأنَّ درجات الصَّحابة رضي الله عنهم متفاوتة (فَفَرِحْنَا) بذلك (يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا) وفي رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه (( فلم أرَ المسلمين فرحوا فرحًا أشدَّ منه ) )، وحقَّ لهم ذلك وسببُ فرحهم أن كونهم مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يدلُّ على أنهم من أهلِ الجنة (فَمَرَّ غُلاَمٌ لِلْمُغِيرَةِ) أي ابن شعبة رضي الله عنه.

قال ابنُ بشكوال اسم هذا الغلام محمد، واحتجَّ بما أخرجه مسلم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه (( أنَّ رجلًا سأل

ج 26 ص 127

النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم متى تقومُ السَّاعة وغلام من الأنصار يقال له محمد. .. )) الحديث قال وقيل اسمه سعد. ثمَّ أخرج من طريق الحسن عن أنس رضي الله عنه أنَّ رجلًا سأل عن السَّاعة، فذكر حديثًا قال فنظر إلى غلام من دوس، يقال له سعد. وهذا أخرجه الباوردي في (( الصَّحابة ) )، وسنده حسنٌ، وأخرجه أيضًا من طريق أبي قِلابة عن أنس نحوه.

وأخرجه ابن منده من طريق قيس بن وهب عن أنس، وقال فيه مرَّ سعد الدَّوسيُّ. وقد وقع عند مسلم في رواية مَعْبد بن هلال عن أنس (( ثمَّ نظرَ إلى غلام من أزدِ شَنُوءة ) ).

قال الحافظُ العسقلاني فيحتمل التَّعدد، أو كان اسم الغلام سعدًا، ويدعى محمدًا أو بالعكس، ودوس من أزد شنوءة، فيُحتمل أن يكون حالفَ الأنصار. وقال العيني الظَّاهر أنَّ القصَّة لها تعدد.

(وَكَانَ) أي الغلام (مِنْ أَقْرَانِي) أي سنه مثل سنِّي. قال ابن التِّين القَرن المِثْل في السِّن، وهو بفتح القاف وكسرها المِثْلُ في الشَّجاعة، قال وفَعْل _ بفتح أوله وسكون ثانيه _ إذا كان صحيحًا لا يجمعُ على أفعال إلا ألفاظًا لم يَعدُّوا هذا فيها، ووقع في رواية معبد بن هلال عند مسلم عن أنس رضي الله عنه (( وذلك الغلام من أترابي يومئذٍ ) ).

والأتراب جمع تِرْب _ بكسر المثناة الفوقية وسكون الراء بعدها موحدة _ وهم المتماثلون، شُبِّهوا بالتَّرائب التي هي ضلوعُ الصَّدر، ووقع في رواية الحسن عن أنس رضي الله عنه في آخره (( وأنا يومئذٍ بعد غلام ) ).

(فَقَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم (إِنْ أُخِّرَ هَذَا) الغلام؛ أي إن لم يمت في صغرهِ ويعيش (فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ) بنصب (( يدركَه ) )بلن، كذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالجزم بلم. وفي رواية حماد بن سلمة (( إن يعشْ هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرمُ ) ) [خ¦6511] [1] ، وفي رواية مَعبد بن هلال (( إنَّ عُمِّر هذا لم يدركْه الهرم ) )، وأسند الإدراك للهرمِ إشارة إلى أنَّ الأجل كالقاصدِ للشَّخص.

ج 26 ص 128

(حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) قال الكرمانيُّ فإن قلت ما توجيه هذا الخبر إذ هو من المشكلات. قلتُ هذا تمثيل لقرب السَّاعة، ولم يُرِد منه حقيقته أو الهرم لا حدَّ له.

وقال القاضي عياض المراد (( بالسَّاعة ) )ساعتهم؛ أي موت أولئك القرن، أو أولئك المخاطبين. وقال الإسماعيلي بعد أن قرَّر أنَّ المراد بالسَّاعة ساعة الَّذين كانوا حاضرين عند النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ المراد موتهم، وأنَّه أطلق على يوم موتهم الساعة؛ لإفضائه بهم إلى أمورِ الآخرة، ويؤيِّد ذلك أن الله استأثرَ بعلم وقت قيام السَّاعة العظمى، كما دلَّت عليه الآيات والأحاديث الكثيرة.

قال ويحتملُ أن يكون المراد بقوله (( حتى تقومَ السَّاعة ) )المبالغة في تقريب قيام الساعة لا التَّحديد، كما قال في الحديث الآخر (( بعثت أنا والسَّاعة كهاتين ) ) [خ¦4936] ، ولم يرد أنَّها تقوم عند بلوغ المذكور الهرم، قال وهذا عملٌ شائعٌ يستعملُ المبالغة عند تفخيمِ الأمر وعند تحقيرِهِ، وعند تقريب الشَّيء وتبعيدِهِ، فيكون حاصل المعنى أنَّ السَّاعة تقوم قريبًا جدًا.

وبهذا الاحتمال الثَّاني جزم بعضُ شراح «المصابيح» ، واستبعده بعضُ شراح «المشارق» .

وقال الدَّاودي المحفوظ أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال ذلك للذين خاطبَهُم بقوله (( تأتيكُم ساعتكُم ) )يعني بذلك موتهم؛ لأنَّهم كانوا أعرابًا يخشى أن يقولَ لهم لا أدري متى السَّاعة فيرتابوا، فكلَّمهم بالمعاريض، وكأنَّه أشار إلى حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه مسلم (( كان الأعرابُ إذا قدموا على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم سألوه عن السَّاعة متى السَّاعة؟ فينظر إلى أحدثِ إنسانٍ منهم سنًا فيقول إن يعش هذا حتى يدركه الهرمُ قامت عليكم ساعتكُم ) ).

قال القاضي عياض وتبعه القرطبي هذه رواية واضحة تفسر كل ما ورد من الألفاظ المشكلة في غيرها، وأما قول النَّووي يحتمل أنه صلَّى الله عليه وسلَّم أراد أن الغلام المذكور لا يُؤخَّر ولا يُعمَّر ولا يهرم؛ أي فيكون الشرط لم يقع فكذلك لم يقع الجزاء، فهو تأويلٌ بعيدٌ، ويلزم منه

ج 26 ص 129

استمرار الإشكال؛ لأنَّه إن حمل السَّاعة على انقراض الدُّنيا وحلول أمرِ الآخرة كان مقتضى الخبر أن القدر الذي كان بين زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم وبين ذلك بمقدار ما لو عُمِّر ذلك الغلام إلى أن يبلغَ الهرم، والمشاهد خلاف ذلك، وإن حَمَل الساعة على زمن مخصوص رجع إلى التَّأويل المتقدم، وله أن يتقصَّى عن ذلك بأن سنَّ الهرم لا حدَّ لقدره. وفي رواية الباوردي بعد قوله (( حتى تقومَ السَّاعة ) )لا يبقى منكم عين نظرت، وبهذا يتَّضح المراد.

وله في (( ما من نفسٍ منفوسة يأتي عليها مائة سنة ) )، وهذا نظير قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الذي تقدَّم بيانه في (( العلم ) )أنَّه قال لأصحابه في آخر عمره (( أرأيتُكم ليلتكم هذه، فإنَّ على رأس مائة سنةٍ لا يبقى على وجهِ الأرض ممَّن هو اليوم عليها أحدٌ ) ) [خ¦116] وكان جماعة من أهلِ ذلك العصر يظنُّون أنَّ المراد أنَّ الدُّنيا تنقضِي بعد مائة سنة، وإنما أراد صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك انخرامَ قرنه، أشار إليه القاضي عياض.

ووقع في الخارج كذلك، فلم يبقَ ممَّن كان موجودًا عند مَقالته تلك استكمال مائة سنة من سنة موته أحدٌ، وكان آخر من رأى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم موتًا أبو الطُّفيل عامر بن واثلة كما ثبتَ في «صحيح مسلم» .

(وَاخْتَصَرَهُ) أي هذا الحديث (شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، قال (سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وصله مسلم من رواية محمد بن جعفر عن شعبة ولم يَسُق لفظه، بل أحالَ به على رواية سالم بن أبي الجَعْد، عن أنس رضي الله عنه، وساقها أحمدُ في «مسنده» عن محمد بن جعفر، ولفظه (( جاء أعرابيٌّ إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقال متى السَّاعة؟ قال ما أعددتَ لها؟ قال حبُّ الله ورسوله. قال أنت مع من أحببتَ ) )، وهذا موافقٌ لرواية همام، فكأنَّ مراد البُخاري بالاختصار ما زاد همَّام في آخر الحديث من قوله (( فقلنا ونحن كذلك؟ قال نعم، ففرحنا يومئذٍ فرحًا شديدًا، فمر غلام ... إلى آخره ) ).

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( ويلك وما أعددتَ )

ج 26 ص 130

وقد أخرجه مسلم في (( الفتن ) ).

[1] من رواية هشام عن أبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت