6208 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح أبو عبد الله اليشكُري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ) أي ابن عُمير (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) أي ابن الحارث بن عبد المطَّلب (عَنْ) عمِّه (عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) رضي الله عنه، أنَّه(قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَفَعْتَ
ج 26 ص 192
أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ)من حاطه إذا حفظه ورعاه (وَيَغْضَبُ لَكَ) أي لأجلك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) نفعته (هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ) بضادين معجمتين وحائين مهملتين؛ أي القريب القعر؛ أي رقيق خفيفٌ، ويقال الضَّحضاح من النَّار ومن الماء ومن كلِّ شيءٍ هو القليل الرَّقيق منه (مِنْ نَارٍ، لَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) وهي الطَّبقة السُّفلى من أطباق جهنَّم، والنَّار سبع دركات، سُمِّيت بذلك لأنَّها متداركةٌ بعضها فوق بعضٍ، وقيل الدَّرك الأسفل توابيت من نارٍ تطبق عليهم.
وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه توابيت من حديد تغلقُ عليهم، والأدراك في اللُّغة المنازل. وفي الحديث (( أنَّه صلى الله عليه وسلم سمعَ بكنية أبي طالبٍ من العبَّاس فأقرَّه ) )وقد جوَّزوا ذكر الكافر بكنيته إذا كان لا يُعرف إلَّا بها كما في أبي طالب، فإنَّه كنية عبد مناف، وهو شقيقُ عبد الله والد النَّبي صلى الله عليه وسلم أو كان على سبيل التَّألف إمَّا رجاء إسلامهم، أو تحصيل منفعةٍ منهم لا على سبيل التَّكريم، فإنَّا مأمورونُ بالإغلاظ عليهم.
وأمَّا تكنية أبي لهب دون اسمه عبد العزى، فقد أشار النَّووي في «شرحه» إلى احتمال اجتناب نسبته إلى عبوديَّة الصَّنم، وهذا سبق إليه ثعلب، ونقله عنه ابن بطَّال، وقال غيره إنَّما ذُكِر بكنيته دون اسمه للإشارة إلى أنَّه سيصلى نارًا ذات لهبٍ، أو للإشارة إلى أنَّ الَّذي كان يفتخر به في الدُّنيا من الجمال والولد كان سببًا في خزيهِ وعقابه.
وحكى ابن بطَّال عن أبي عبد الله بن أبي زمنين أنَّه قال كان اسم أبي لهبٍ عبد العزى، وكنيته أبو عتبة، وأمَّا أبو لهب فلقبٌ لُقِّب به؛ لأنَّ وجهه كان يتلألأ ويتلهَّب جمالًا، قال فهو لقبٌ وليس بكنية. وتعقِّب بأنَّ ذلك يقوِّي الإشكال لأنَّ اللَّقب إذا لم يكن على وجه الذَّم للكافر لم يصلح من المسلم، وقال الزَّمخشري إنَّ هذه التَّكنية ليست للإكرام بل للإهانة، إذ هي كناية عن الجهنَّمي إذ معناه تبَّت يدا جهنَّمي.
وتعقِّب بأنَّ التَّكنية لا ينظر فيها إلى مدلول اللَّفظ
ج 26 ص 193
بل الاسم إذا صُدِّر بأب وأم فهو كنية سلمنا، لكن اللَّهب لا يختصُّ بجهنَّم، وإنَّما المعتمد ما قاله غيره أنَّ النُّكتة في ذكره بكنيته أنَّه لمَّا علم الله تعالى أنَّ مآله إلى النَّار ذات اللَّهب، ووافقت كنيته حاله حَسُن أن يُذكرَ بها.
وقال العينيُّ كثيرٌ من الأسماء المصدَّرة بالأب والأم لم يقصد بها الكُنية، وإنَّما يقصد بها إمَّا العَلَم وإمَّا اللَّقب، ولا يقصدُ بها الكنية فمن ذلك يُقال لرجلٍ من إياد، وقيل من نزار أبو أَرَبْ، يضربُ به المثل في كثرة الجماع، فيقال أنكح من أبي أرب، يقال إنَّه افتضَّ في ليلةٍ واحدة سبعين عذراء، ذكره ابن الأثير في كتاب سمَّاه (( مرصعًا ) ). ومن ذلك أبو براقش ليس له اسم غيرها، وأم إحدى وعشرين للدَّجاجة وأم أحراد _ بالحاء المهملة _بئرٌ بمكَّة عند باب البصريين حفرها خلف بن سعد الخزاعي، وأمثال هذه كثيرة.
هذا، وفي الحديث دَلالة أنَّ الله تعالى قد يعطي الكافر عوضًا من أعماله الَّتي مثلها يكون قربة لأهل الإيمان بالله تعالى؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّ عمَّه نفعته تربيته إيَّاه وحياطتُه له التَّخفيفَ الَّذي لو لم ينصره في الدُّنيا لم يخفف عنه، فعلم بذلك أنَّه عُوِّض نصرته لا لأجل قرابته منه، فقد كان لأبي لهب من القرابة مثل ما كان لأبي طالبٍ فلم ينفعه ذلك.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( أبا طالب ) )، وقد مضى الحديث في (( ذكر أبي طالب ) ) [خ¦3883] ، ومضى أيضًا في (( صفة الجنَّة والنَّار ) ) [خ¦6572] .