6223 - (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتية، العسقلاني أصله خراساني يكنى أبا الحسن ونشأ ببغداد، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب هشام بن سعدٍ القرشي المدني. قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ) بضم الموحدة وفتحها، وكان يسكن عند مقبرةٍ فنسب إليها (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان المدني مولى أمِّ شريك (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ) أي الَّذي لا ينشأ عن زكام؛ لأنَّه المأمور فيه بالتَّحميد والتَّشميت، فإنَّه هو الَّذي يكون من خفة البدن، وانفتاح السُّدد وذلك ممَّا يقتضي النَّشاط لفعل الخير والطَّاعة كما سبق، ويحتمل
ج 26 ص 224
التَّعميم في نوعي العطاس، والتَّفصيل في التَّشميت خاصَّةً.
(وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) لأنَّه لكونه من غلبة امتلاء البدن والإكثار من الأكل والتَّخليط فيه يؤدِّي إلى الكسل والتَّقاعد عن العبادة، وعن الأفعال المحمودة. قال الخطابي معنى المحبَّة والكراهة فيهما ينصرفان إلى سببهما، انتهى.
وقد ورد ما يخصُّ بعض أحوال العاطسين، فأخرج التِّرمذي من طريق أبي اليقظان عن عديِّ بن ثابتٍ عن أبيه عن جدِّه رفعه قال (( العطاسُ والنُّعاس والتَّثاؤب في الصَّلاة من الشَّيطان ) )وسنده ضعيفٌ. وله شاهدٌ عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه في الطَّبراني لكن لم يذكر النُّعاس، وهو موقوفٌ وسنده ضعيفٌ أيضًا.
قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» لا يعارض هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه يعني حديث الباب في محبَّة العطاس، وكراهة التَّثاؤب لكونه مقيَّدًا بحال الصَّلاة فقد يتسبَّب الشَّيطان في حصولِ العطاس للمصلِّي ليشغله عن صلاته، وقد يقال إنَّ العطاس إنَّما لم يوصف بكونه مكروهًا في الصَّلاة؛ لأنَّه لا يمكن ردُّه بخلاف التَّثاؤب، ولذلك جاء في التَّثاؤب (( فليردُّه ما استطاع ) ) [خ¦6226] ، ولم يأتِ ذلك في العطاس. وأخرج ابنُ أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه (( إنَّ الله يكره التَّثاؤب ويحبُّ العطاس في الصَّلاة ) ). وهذا يعارض حديث جدِّ عدي بن ثابتٍ، وفي سنده ضعفٌ أيضًا وهو موقوفٌ، والله تعالى أعلم.
وممَّا يستحبُّ للعاطس أن لا يبالغَ في إخراج العطسة، فقد ذكر عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قتادة قال سبعٌ من الشَّيطان، فذكر منها شدَّة العطاس.
(فَإِذَا عَطَسَ) بفتح الطاء (فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ) ظاهره الوجوب، ولكن نقل النَّووي الاتِّفاق على استحبابه، وقد مرَّ بيان الخلاف فيه، واستدلَّ به على استحباب مبادرة العاطس بالتَّحميد.
ونقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنَّه ينبغي أن يتأنَّى
ج 26 ص 225
في حقِّه حتَّى يسكن ولا يعاجله بالتَّشميت قال وهذا فيه غفلةٌ عن شرط التَّشميت وهو توقُّفه على حمد العاطس.
وأخرج البُخاري في «الأدب المفرد» عن مكحولٍ الأزديِّ كنت إلى جنب ابن عمر رضي الله عنهما (( فعطس رجلٌ من ناحية المسجد، فقال ابن عمر يرحمك الله إن كنتَ حمدت الله ) ).
واستدلَّ به على أنَّ التَّشميت إنَّما يشرع لمن سمع العاطس وسمع حمدَه فلو سمعَ من يشمِّته ولم يسمع هو عطاسُه ولا حمده هل يشرع له تشميته؟ فيه كلامٌ سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
(وَأَمَّا التَّثَاوُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) لأنَّه هو الَّذي يزيِّن للنَّفس شهوتها، وهو من امتلاء البدن وكثرة المأكل، كما مر، وقيل ما تثاءب نبيٌّ قطُّ؛ لأنَّه لا يضاف إليه ما فيه عمل للشَّيطان (فَلْيَرُدَّهُ) الذي يتثاءب (مَا اسْتَطَاعَ) إمَّا بوضع اليد على الفم أو بتطبيق الشَّفتين وذلك لئلَّا يبلغ الشَّيطان مرادَه من ضحكه عليه، من تشويهِ صورته أو من دخوله فمه، كما جاء في بعض الرِّوايات ويخفض صوته ولا يمدُّه في تثاؤبه، وقد كره ذلك في العطاس فضلًا عن التَّثاؤب. وأخرج أبو داود والتِّرمذي بسندٍ جيِّدٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يدَه على فمهِ وخفضِ صوته ) ).
(فَإِذَا قَالَ هَا) هي حكاية صوت المتثاؤب؛ يعني إذا بالغ في الثَّوباء (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) فرحًا بتشويه صورته.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى في (( بدء الخلق ) ) [خ¦3289] .