فهرس الكتاب

الصفحة 9255 من 11127

6224 - (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسان النَّهدي الحافظ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو عبدُ العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجِشُون _ بكسر الجيم بعدها شين معجمة مضمومة _ المدني نزيل بغداد، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) المدني العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن مولى ابن عمر (عَنْ أَبِي صَالِحٍ)

ج 26 ص 226

ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه قال (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) كذا في جميع نسخ البُخاري، وكذا أخرجه النَّسائي والإسماعيلي وأبو نُعيم كلُّهم عن عبد العزيز بن أبي سلمة. وأخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز المذكور بلفظ (( فليقل الحمد لله على كلِّ حالٍ ) ).

قال الحافظُ العسقلاني ولم أرَ هذه الزِّيادة من هذا الوجه في غير هذه الرِّواية، واستدلَّ بأمر العاطس بحمد الله أنَّه يشرع حتَّى للمصلِّي، وبذلك قال الجمهور من الصَّحابة والأئمَّة بعدهم، وبه قال مالكٌ والشَّافعي وأحمد ونقل التِّرمذي عن بعض التَّابعين أنَّ ذلك يشرعُ في النَّافلة لا في الفريضة، ويحمد مع ذلك في نفسه.

وجوَّز الشيخ زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» أن يكون مراده أنَّه يُسرِّ به ولا يجهر به، وهو متعقَّبٌ مع ذلك بحديث رفاعة بن رافع، فإنَّه جهر بذلك ولم ينكر النَّبي صلى الله عليه وسلم عليه. نعم يفرِّق بين أن يكون في قراءة الفاتحة أو غيرها من أجل اشتراط الموالاة في قراءتها.

وجزم ابنُ العربيِّ من المالكيَّة بأنَّ العاطس في الصَّلاة يحمدُ في نفسه، ونقل عن سحنون أنَّه لا يحمد حتَّى يفرغَ وتعقَّبه بأنَّه غلوٌّ.

(وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ) في الإسلام (أَوْ صَاحِبُهُ) شكٌّ من الرَّاوي كذا وقع في رواية الأكثر وفي رواية عاصم بن علي (( فليقل له أخوه ) )ولم يشكَّ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) قال ابن دقيق العيد يحتمل أن يكون دعاء بالرَّحمة، ويحتمل أن يكون إخبارًا عن طريق البشارة، كما قال في الحديث الآخر طهورٌ إن شاء الله [خ¦3616] ؛ أي هي طهرٌ لك، فكأنَّ المشمِّت بشَّر العاطس بحصول الرَّحمة له في المستقبلِ بسبب حصولها له في الحال؛ لكونها دفعت ما يضرُّه.

قال وهذا يبتني على قاعدةٍ، وهي أنَّ اللَّفظ إذا أُريد به معناه لم ينصرف إلى غيره، وإن أُريد به معنى يحتمله انصرفَ إليه، وإن أطلق انصرفَ إلى الغالب وإن لم يستحضر القائل المعنى الغالب.

وقال

ج 26 ص 227

ابنُ بطَّال ذهبَ إلى هذا قومٌ، فقالوا يقول له يرحمك الله، يخصُّه بالدُّعاء وحدَه. وقد أخرج البيهقيُّ في «الشعب» ، وصحَّحه ابن حبَّان من طريق حفص بن عاصم عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( لما خلقَ الله آدمَ عطسَ، فألهمه ربُّه أن قال الحمدُ لله، فقال له ربُّه يرحمك ربُّك ) ).

وأخرج الطَّبراني عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال يقول (( يرحمنا الله وإيَّاكم ) )وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه. وأخرج البُخاري في «الأدب المفرد» بسندٍ صحيحٍ عن أبي جمرة _ بالجيم _ سمعتُ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما (( إذا شُمِّت يقول عافانا الله وإيَّاكم من النَّار يرحمكم الله ) ).

وفي «الموطأ» عن نافعٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان (( إذا عطسَ فقيل له يرحمك الله، قال يرحمنَا الله وإيَّاكم ويغفر الله لنا ولكم ) ). قال ابن دقيق العيد ظاهر الحديث أنَّ السُّنَّة لا تتأدَّى إلَّا بالمخاطبة، وأمَّا ما اعتاده كثيرٌ من النَّاس من قولهم للرئيس يرحم الله سيدنا، فخلاف السُّنَّة، وبلغني عن بعض الفضلاء أنَّه شمت رئيسًا فقال له يرحمك الله يا سيِّدنا، فجمع بين الأمرين وهو حسنٌ.

(فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) أي حالكم وشأنكم أو قلبكم. قال الكرماني اعلم أنَّ الشَّارع إنَّما أمر العاطس بالحمد لما حصل له من المنفعة بخروج ما احتقنَ في دماغه من الأبخرة.

قال الأطبَّاء العطسة تدلُّ على قوَّة طبيعة الدِّماغ وصحَّة مزاجه، فهي نعمةٌ وكيف لا وهي جالبةٌ للخفَّة المؤدية إلى الطَّاعات، فاستدعى الحمد عليها، ولمَّا كان تغيُّر الوضع الشخصي لحصول حركات غير مضبوطةٍ بغير اختيار، ولهذا قيل إنَّها زلزلة البدن، أريد إزالة ذلك الانفعال عنه بالدُّعاء له والاشتغال بجوابه، ولمَّا دُعِي له كان مقتضى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} [النساء 86] أن يكافئه بأكثر من هذا فلهذا أمر بالدَّعوتين

الأولى لفلاح الآخرة وهي الهداية المقتضية له.

والثَّانيَّة لصلاح حاله في الدُّنيا وهو إصلاح البال،

ج 26 ص 228

فهو دعاءٌ له بخير الدَّارين وسعادة المنزلين، وعلى هذا فَقِسْ أحكام الشَّريعة وآدابها.

ثمَّ إنَّ مقتضى الحديث أنَّه لا يشرع ذلك إلَّا لمن شُمِّت وهو واضحٌ، وأنَّ هذا اللَّفظ هو جواب التَّشميت وهذا مختلفٌ فيه.

قال ابن بطَّال ذهبَ الجمهور إلى هذا، وذهب الكوفيُّون إلى أنَّه يقول يغفر الله لنا ولكم، وأخرجه الطَّبري عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وكذا عن ابن عمر وغيره رضي الله عنهم. وأخرجه البُخاري في «الأدب المفرد» والطَّبراني من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وفيه (( وليقل هو يغفر الله لنا ولكم ) ). وقال ابن بطَّال ذهب مالكٌ والشَّافعي إلى أنَّه يتخيَّر بين اللَّفظين. وقال أبو الوليد بن رُشَيد الثَّاني أولى؛ لأنَّ المكلَّف محتاجٌ إلى طلب المغفرة، والجمع بينهما أحسن إلَّا للذمِّي.

وذكر الطَّبري أنَّ الَّذين منعوا من جواب التَّشميت بقول (( يهديكم الله ويصلح بالكم ) )احتجُّوا بأنَّه تشميت اليهود، كما تقدَّمت الإشارة إليه من مخرج أبي داود من حديث أبي موسى قال ولا حجَّة فيه إذ لا تضاد بين خبر أبي موسى وخبر أبي هريرة؛ يعني حديث الباب، لأنَّ حديث أبي هريرة في جواب التَّشميت، وحديث أبي موسى هو التَّشميت نفسه.

وأمَّا ما أخرجه البيهقي في «الشعب» عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( اجتمع اليهود والنَّصارى فعطس النَّبي صلى الله عليه وسلم فشمَّته الفريقان جميعًا، فقال للمسلمين يغفر الله لكم ويرحمنا وإيَّاكم، وقال لليهود يهديكم الله ويصلح بالكم ) ). فقال البيهقي تفرَّد به عبد الله بن عبد العزيز بن أبي داود عن أبيه عن نافعٍ، وعبد الله ضعيف.

واحتجَّ بعضهم بأنَّ الجواب المذكور مذهب الخوارج؛ لأنَّهم لا يرون الاستغفار للمسلمين، وهذا منقول عن إبراهيم النَّخعي وكلُّ هذا لا حجَّة فيه بعد ثبوت الخبر بالأمر به. قال البُخاريُّ بعد تخريجه في «الأدب المفرد» هذا أثبت في هذا الباب، وقد أخذ به الطَّحاوي من الحنفيَّة،

ج 26 ص 229

واحتجَّ له بقول الله تعالى {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} [النساء 86] قال والَّذي يجيبُ بقوله غفر الله لنا ولكم لا يزيد المشمت على معنى قوله له يرحمك الله؛ لأنَّ المغفرة ستر الذُّنوب والرَّحمة ترك المعاقبة عليه بخلاف دعائه له بالهدايةِ والإصلاح، فإنَّ معناه أنَّه يكون سالمًا من مواقعة الذَّنب صالح الحال، فهو فوق الأوَّل فيكون أولى.

واختار ابنُ أبي جمرة أن يجمعَ المجيب بين اللَّفظين، فيكون أجمع للخير ويخرج من الخلاف، ورجَّحه ابنُ دقيق العيد. وقد أخرجَ مالك في «الموطأ» عن نافعٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما (( أنَّه كان إذا عطسَ فقيل له يرحمك الله، قال يرحمنا الله وإيَّاكم، يغفر الله لنا ولكم ) ).

قال ابن أبي جمرة في الحديث دليلٌ على عظيم نعمة الله على العاطس يُؤخذ ذلك ممَّا رُتِّب عليه من الخير. وفيه إشارةٌ إلى عظيم فضل الله على عبده، فإنَّه أذهب عنه الضَّرر بنعمةِ العطاس، ثمَّ شرع له الحمد الَّذي يثاب عليه، ثمَّ الدُّعاء بالخير بعد الدُّعاء بالخير، وشرع هذه النِّعم المتواليات في زمنٍ يسيرٍ فضلًا منه وإحسانًا، وفي هذا لمن رآه بقلبٍ له بصيرةٌ زيادة قوَّةٍ في إيمانه حتَّى يحصلَ له من ذلك ما لا يحصل بعبادة أيَّامٍ عديدةٍ، وبداخله من حبِّ الله الَّذي أنعم عليه بذلك ما لم يكن في باله، ومن حبِّ الرَّسول الذي جاءت معرفة هذا الخبر على يده، والعلم الذي جاءت به سنَّة ما لا يقدر قدره، قال وفي زيادة ذرَّةِ من هذا ما يفوق الكثير من الأعمال ولله الحمد كثيرًا.

وقال الحَليميُّ أنواع البلايا والآفات كلُّها مؤاخذاتٌ، وإنَّما المؤاخذة عن ذنبٍ، فإذا حصل الذَّنب مغفورًا وأدركت العبد الرحمة لم تقع المؤاخذة، فإذا قيل للعاطس يرحمك الله، فمعناه جعل الله لك ذلك ليدوم لك السَّلامة.

وفيه إشارةٌ إلى تنبيه العاطس على طلب الرَّحمة والتَّوبة من الذَّنب، ومن ثمَّة شرعَ له الجواب بقول غفر الله لنا ولكم.

ج 26 ص 230

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه أوضحَ ما أبهمه في التَّرجمة، وقد أخرجه أبو داود في (( الأدب ) )، والنَّسائي في «اليوم والليلة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت