فهرس الكتاب

الصفحة 9265 من 11127

6229 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو المسنَدي، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك العَقَدي _ بفتح العين المهملة والقاف _، قال (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي

ج 26 ص 254

مصغرًا، ابن محمد التَّميمي الخراساني (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتية والمهملة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ) للتَّحذير (وَالْجُلُوسَ) بالنَّصب (بِالطُّرُقَاتِ) والباء بمعنى في، وكذا في رواية الكُشميهني. وفي رواية حفص بن ميسرة (( على الطرقات ) ) [خ¦2465] وهو جمع طُرُق _ بضمتين _ جمع طريق، وفي حديث أبي طلحة عند مسلم (( كنا قعودًا بالأفنيَّة ) )جمع فِناء _ بكسر الفاء ونون ومد _، وهو المكان المتَّسع أمام الدَّار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (( ما لكم ولمجالس الصُّعدات ) )بضم الصاد والعين المهملتين، جمع صعيد، وهو المكان الواسع، ومثله لابن حبَّان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، زاد سعيد بن منصور من مرسل يحيى بن يعمر (( فإنَّها سبيلٌ من سبل الشَّيطان أو النَّار ) ).

(فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ) بضم الباء الموحدة وتشديد الدال؛ أي فراق (نَتَحَدَّثُ فِيهَا) قال القاضي عياض فيه دليلٌ على أنَّ أمره لهم لم يكن للوجوب، وإنَّما كان على طريق التَّرغيب والأولى، إذ لو فهموا الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة، وقد يحتجُّ به من لا يرى الأوامر على الوجوب.

وقال الحافظُ العسقلاني ويحتمل أن يكونوا رجوا وقوع النَّسخ تخفيفًا؛ لما شكوا من الحاجة إلى ذلك. ويؤيِّده أنَّ في مرسل يحيى بن يعمر فظنَّ القوم أنَّها عزمةٌ، ووقع في حديث أبي طلحة فقالوا إنَّما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا لنتحدَّث ونتذاكر.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا أَبَيْتُمْ) أي إذا امتنعتم، هكذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالفاء، ويروى بسكون الذال (إِلاَّ الْمَجْلَسَ) بفتح اللام مصدر ميمي؛ أي إلَّا الجلوس في مجالسكم، وفي (( اليونينيَّة ) )بكسر اللام، و (( إلَّا ) )هنا بتشديد اللام للجميع، و (( أبيتم ) )بالموحدة، وتقدَّم في أواخر (( المظالم ) )بلفظ [خ¦2465] (( فإذا أتيتم إلى المجلس ) )بالمثناة بدل الموحدة في (( أبيتم ) )وتخفيف اللام من (( إلى ) ). وذكر القاضي عياض أنَّه للجميع هناك هكذا.

وقد ذكر الحافظُ العسقلاني هناك أنَّه في رواية الكُشميهني هناك كالَّذي هنا. ووقع في حديث أبي طلحة (( إما لا ) )بكسر همزة (( إما ) (( لا ) )نافية، وهي ممالة في الرواية، ويجوز ترك الإمالة، ومعناه إن لا تتركوا ذلك فافعلوا كذا. وقال ابنُ الأنباري افعل كذا إن كنت لا تفعل كذا، ودخلت (( ما ) )صلة، وفي حديث عائشة

ج 26 ص 255

رضي الله عنها عند الطَّبراني في «الأوسط» (( فإن أبيتُم أن لا تفعلوا ) )، وفي مرسل يحيى بن يعمر (( فإن كنتُم لا بدَّ فاعلين ) ).

(فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ) وفي رواية حفص بن ميسرة (( حقها ) ) [خ¦2465] ، والطَّريق يذكَّر ويؤنث، وفي حديث أبي شُريح عند أحمد (( فمن جلس منكم على الصَّعيد فليعطه حقه ) ) (قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي حديث أبي شريح (( قلنا يا رسول الله، وما حقُّه؟ ) ) (قَالَ) حقُّ الطَّريق (غَضُّ الْبَصَرِ) عن كلِّ محرمٍ (وَكَفُّ الأَذَى) عن الخلق من نحو التَّضييق على المارِّ، واحتقارهم، وعيبهم له، وامتناع النِّساء من الخروج إلى أشغالهنَّ بسبب قعودهم في الطَّريق، والاطِّلاع على أحوال النَّاس ممَّا يكرهونه.

قال القاضي عياض (( كفُّ الأذى ) )بأن لا يجلس حيث يضيق عليهم الطَّريق، أو على باب منزل مَنْ يتأذَّى بجلوسه عليه، أو حيث يكشف عياله، أو ما يريد التَّستُّر به من حاله.

(وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) مع القدرة عليهما. وفي حديث أبي طلحة الأولى والثَّالثة، وزاد (( وحسن الكلام ) )، وفي حديث أبي هريرة الأولى والثَّالثة وزاد (( وإرشاد ابن السَّبيل، وتشميت العاطس إذا حمد ) ). وفي حديث عمر رضي الله عنه عند أبي داود، وكذا في مرسل يحيى بن يعمر من الزِّيادة (( وتُغيثوا الملهوف وتهدوا الضَّال ) ). وهو عند البزَّار بلفظ (( وإرشاد الضَّال ) ). وفي حديث البراء عند أحمد والتِّرمذي (( اهدوا السَّبيل، وأعينوا المظلوم، وأفشوا السَّلام ) ). وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند البزَّار من الزِّيادة (( وأعينوا على الحمولة ) )وفي حديث سهل بن حنيف عند الطَّبراني من الزِّيادة (( ذكر الله كثيرًا ) ). وفي حديث وحشيِّ بن حرب عند الطَّبراني من الزِّيادة (( واهدوا الأغبياء، وأعينوا المظلوم ) ).

ومجموع ما في هذه الأحاديث أربعة عشر أدبًا، وقد نظَّمها الحافظ العسقلاني في أربعة أبيات

~جَمَعْتَ آدَابَ مَنْ رَامَ الجُلُوسَ عَلَى الطَّرِيْقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِنْسَانًَا

~ اُفْشُ السَّلامَ، وأَحْسِنْ في الكلامِ، وشمـ ـمت عاطسًا، وسلامًا ردَّ إحسانًا

ج 26 ص 256

~فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُوْمًَا أَعِنْ وَأَغِثْ لَهْفَانَ أَرْشِدْ سَبِيْلًا وَاهْدِ حَيَرَانَا

~بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ مُنْكَرٍ وَكُفُّ أَذًى وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا

وقد اشتملت على معنى علَّة النَّهي عن الجلوس في الطُّرق من التَّعرُّض للفتن بحضور النِّساء الشواب، وخوف ما يلحق من النَّظر إليهنَّ من ذلك، إذ لم يمنع النِّساء من المرور في الشَّوارع لحوائجهنَّ، ومن التَّعرُّض لحقوق الله وحقوق المسلمين ممَّا لا يلزم الإنسان إذا كان في بيته. وحيث لا ينفردُ، أو يشتغلُ بما يلزمه ومن رؤية المناكير، وتعطيلِ المعارف، فيجبُ على المسلم الأمر والنَّهي عند ذلك، فإن ترك ذلك فقد تعرَّض للمعصية، وكذا يتعرَّض لمن يمرُّ عليه ويُسلِّم عليه، فإنه ربما كثر ذلك، فيعجز عن الرَّد عن كلِّ مارٍّ وردُّه فرضٌ فيأثم.

والمرء مأمورٌ بأن لا يتعرَّض للفتن وإلزام نفسه ما لعلَّه لا يقوى عليه، فندَبَهم الشَّرع إلى ترك الجلوس حسمًا للمادَّة، فلو ذكروا له ضرورتهم إلى ذلك؛ لما فيه من المصالح من تعاهد بعضهم بعضًا، ومذاكرتهم في أمور الدِّين ومصالح الدُّنيا، وترويح النُّفوس بالمحادثة في المباح دلَّهم على ما يزيل المفسدة من الأمور المذكورة جزاه الله عنَّا بما هو أهله. وفي حديث أبي ذرٍّ عند ابن حبَّان (( ويُسمِع الأصمَّ، ويهدي الأعمى، ويدلُّ المستدلَّ على حاجته ) ).

ومناسبة ذكر هذا الحديث هنا كون غضِّ البصر صريحًا فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت