6240 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ راهويه كما جزم به أبو نُعيم في «المستخرج» . وقال الكرماني هو إمَّا ابن إبراهيم؛ أي إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وإمَّا ابن منصور. قال (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ) هو ابنُ إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، قال (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد، وكان إبراهيم هذا على قضاء بغداد (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، وقد سمع إبراهيم بن سعد من ابن شهابٍ، وربَّما أدخل بينه وبينه واسطةً كما هنا.
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوام رضي الله عنه (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ سقط (قَالَتْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)
ج 26 ص 279
رضي الله عنه (يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يا رسول الله (احْجُبْ نِسَاءَكَ) فإنَّه يدخل عليك البرُّ والفاجر (قَالَتْ فَلَمْ يَفْعَلْ) صلى الله عليه وسلم ذلك، (وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجْنَ) إلى البراز للبولِ والغائط (لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة المناصع، وهو موضعٌ معروفٌ بالمدينة.
(خَرَجَتْ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء (سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ) بسكون الميم، القرشيَّة أمُّ المؤمنين رضي الله عنها ليلة من اللَّيالي، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح الميم (وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهْوَ فِي الْمَجْلِسِ، فَقَالَ) لها (عَرَفْتُكِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي والمستملي (يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا) نصب على أنَّه مفعول له لقوله (( فقال عرفتك ) ) (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ) قالت عائشة رضي الله عنها (فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (آيَةَ الْحِجَابِ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ (( آية ) ).
ويُجمع بين هذا الحديث، وبين حديث أنسٍ رضي الله عنه في نزول الحجاب بسبب قصَّة زينب أنَّ عمر رضي الله عنه حرصَ على ذلك حتَّى قال لسودة ما قال، فاتَّفقت القصَّة للذين قعدوا في زواج زينب، فنزلت الآية، فكلٌّ من الأمرين كان سببًا لنزولها. وقد سبق إلى الجمع بذلك القرطبي فقال يحمل على أنَّ عمر تكرَّر منه هذا القول قبل الحجاب وبعده، ويحتمل أن بعضَ الرُّواة ضمَّ قصَّةً إلى أخرى.
قال والأولى هو الأول، فإنَّ عمر رضي الله عنه قامت عنده أنفةٌ من أن يطَّلع أحدٌ على حرم النَّبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يحجبهنَّ، فلمَّا نزل الحجاب كان قصده أن لا يخرجنَ أصلًا، فكان في ذلك مشقَّةٌ، فأذنَ لهنَّ أن يخرجنَ لحاجتهنَّ التي لا بدَّ منها.
قال القاضي عياض خصَّ أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم بستر الوجهِ والكفَّين، واختلف في ندبهِ في حقِّ غيرهنَّ، قالوا فلا يجوز لهنَّ كشفَ ذلك
ج 26 ص 280
لشهادةٍ ولا غيرها. قال ولا يجوز إبراز أشخاصهنَّ، وإن كنَّ مستترات إلَّا فيما دعت الضَّرورة إليه من الخروجِ إلى البراز، وقد كنَّ إذا حدَّثن جلسنَ للنَّاس من وراء حجاب، وإذا خرجنَ لحاجةٍ حُجِبنَ وتستَّرن. انتهى.
وفي دعوى وجوب حجب أشخاصهنَّ مطلقًا إلَّا في حاجة البراز نظرٌ، فقد كُنَّ يسافرنَ للحجِّ وغيره، ومن ضرورة ذلك الطَّواف والسَّعي، وفيه بروز أشخاصهنَّ، بل وفي حالة الرُّكوب والنُّزول لا بدَّ من ذلك، وكذا في خروجهنَّ إلى المسجد النَّبوي وغيره.
تنبيه حكى ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّ قصَّة سودة هذه لا تدخل في باب الحجاب، وإنَّما هي في لباس الجلابيب. وتُعُقِّب بأنَّ إرخاء الجلابيب هو التَّستُّر عن نظر الغير إليهنَّ، وهو من جملة الحجاب، والله تعالى أعلم بالصَّواب.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة. وقد مضى الحديث في باب (( خروج النساء إلى البراز ) ) [خ¦146] .