6254 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفراء أبو إسحاق الرَّازي يُعرف بالصَّغير، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) رضي الله عنهما(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ
ج 26 ص 308
إِكَافٌ)بكسر الهمزة، كالبردعة ونحوها لذوات الحوافر (تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ) بفتح القاف، كِساءٌ ذات خمل (فَدَكِيَّةٌ) بالفاء والدال المهملة، نسبة إلى فَدَك _ بفتحتين _ مدينةٌ [بعيدةٌ] عن المدينة بيومين. وقال العيني وهي قريةٌ بخيبر.
(وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَهْوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) من مرضٍ كان به (فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاَطٌ) أي ناسٌ مختلطون (مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالمثلثة (وَالْيَهُودِ) بالجر عطف على سابقه (وَفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم الهمزة والتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) بالرفع؛ لأنَّ سلول اسمُ أمِّ عبد الله، ولا يظنُّ أنَّ سلولَ اسم أب أُبيٍّ.
وقال ابن التِّين ابنُ سلول هي قبيلةٌ من هوازن وهو اسم أمِّه؛ يعني عبد الله، فعلى هذا لا ينصرف. قال الحافظُ العسقلاني ومراده أنَّ اسم أمِّ عبد الله بن أُبيِّ وافق اسم جدِّ القبيلة المذكورة، لا أنَّهما لمسمَّى واحد.
(وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء والحاء المهملة (فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) بفتح العين المهملة وتخفيف الجيمين، الغبار (خَمَّرَ) أي غطَّى (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ) أي عبد الله (لاَ تُغَبِّرُوا) بالموحدة؛ أي لا تثيروا الغبار (عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) للنَّبي صلى الله عليه وسلم (أَيُّهَا الْمَرْءُ لاَ) أي لا شيء (أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) الَّذي تدعو إليه (إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلاَ تُؤْذِنَا) به (فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ) بالواو، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (إِلَى رَحْلِكَ) بالحاء المهملة، المنزل وموضع متاع الشَّخص.
(فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ) وفي رواية أبي الوقت (اغْشَنَا) بالغين والشين المفتوحة، من غشيه غشيانًا؛ أي جاءه؛ أي باشرنا به يا رسول الله(فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ،
ج 26 ص 309
فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ)لذلك (حَتَّى هَمُّوا) أي قصدوا (أَنْ يَتَوَاثَبُوا) بالمثلثة بعدها موحدة؛ أي يتحاربوا ويتضاربوا (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ) أي يسكنهم (ثُمَّ رَكِبَ) صلى الله عليه وسلم (دَابَّتَهُ) فسار (حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) لعيادته (فَقَالَ أَيْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (قَالَ أَبُو حُبَابٍ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة (يُرِيدُ) صلى الله عليه وسلم (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ) أي سعد (اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاصْفَحْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعْطَاكَ) من الرِّسالة.
(وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ) بفتح الموحدة وسكون المهملة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بضم الموحدة وفتح المهملة، القرية، والعرب تسمِّي القرى البحار. وقال الجرمي البحرة دون الوادي والمراد طيبة (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) أي عبد الله بن أبي، بتاج الملك (فَيُعَصِّبُونَهُ) بالفاء والنون، وفي رواية أبي ذرٍّ والتَّتويج والتَّعصيب يحتمل أن يكون حقيقة، وأن يكون كنايةً عن جعله ملكًا؛ لأنَّهما لازمان للمَلَكية.
(فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ) أي الَّذي اصطلحوا عليه (بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ) بفتح المعجمة وكسر الراء؛ أي غصَّ ابن أبي؛ أي بقي في حلقه لا يصعد ولا ينزل (بِذَلِكَ) الحقِّ (فَذَلِكَ) الحقُّ الَّذي (فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ) من فعله (فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
قال النَّووي السُّنَّة إذا مرَّ بمسلمٍ [1] فيه مسلمٌ وكافر أن يسلمَ بلفظ التَّعميم، ويقصد به المسلم. قال ابنُ العربي ومثله إذا مرَّ بمجلسٍ يجمع أهل السُّنَّة والبدعة، وبمجلسٍ فيه عدولٌ وظلمةٌ، وبمجلسٍ فيه محبٌّ ومبغضٌ.
واستدلَّ النَّووي على ذلك بحديث الباب وهو مفرَّعٌ على منع ابتداء الكافر بالسَّلام، وقد ورد النَّهي عنه صريحًا فيما أخرجه مسلمٌ والبُخاري في «الأدب المفرد» من طريق سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( لا تبدؤوا اليهود والنَّصارى
ج 26 ص 310
بالسَّلام واضطروهم إلى أضيق الطُّرق )) .
وللبخاري في «الأدب المفرد» والنَّسائي من حديث أبي بَصْرة الغفاري، وهو بفتح الموحدة وسكون المهملة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنِّي راكبٌ غدًا إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسَّلام ) ).
وقالت طائفةٌ يجوز ابتداؤهم بالسَّلام لقوله تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} [الممتحنة 8] وقول إبراهيم لأبيه {سَلَامٌ عَلَيْكَ} [مريم 47] .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عون بن عبد الله عن محمَّد بن كعب أنَّه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذِّمَّة بالسَّلام فقال يردُّ عليهم ولا يبدؤهم، قال عون فقلت له فكيف تقول أنت؟ قال ما أرى بأسًا أن نبدأهم، قلت لم؟ قال لقوله تعالى {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ} [الزخرف 89] .
وقال البيهقي إنَّ سياق حديث أبي أُمامة أنَّه كان يسلِّم على كلِّ من لقيه، فسئل عن ذلك فقال (( إنَّ الله جعل السَّلام تحيَّةً لأمَّتنا، وأمانًا لأهل ذمَّتنا ) )هذا رأي أبي أُمامة، وحديث أبي هريرة في النَّهي عن ابتدائهم أولى.
وأجاب القاضي عياض عن الآية، وكذا عن قول إبراهيم عليه السَّلام لأبيه بأنَّ القصد بذلك المتاركة والمباعدة، وليس القصد فيهما التَّحيَّة، وقد صرَّح بعض السَّلف بأنَّ قوله تعالى {وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف 89] نُسِخت بآية القتال.
وقال الطَّبري لا مخالفة بين حديث أسامة في سلام النَّبي صلى الله عليه وسلم على الكفَّار حيث كانوا مع المسلمين، وبين حديث أبي هريرة في النَّهي عن السَّلام على الكفَّار؛ لأنَّ حديث أبي هريرة عام، وحديث أسامة خاصٌّ، فيخصُّ من حديث أبي هريرة ما إذا كان الابتداء لغير سببٍ، ولا حاجة من حقِّ صحبةٍ، أو مجاورةٍ، أو مكافأةٍ، أو نحو ذلك.
والمراد منع ابتدائهم بالسَّلام المشروع، وأمَّا لو سلم عليهم بلفظ يقتضي خروجهم عنه كأن يقول السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين؛ فهو جائزٌ كما كَتَبَ النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وغيره سلامٌ على من اتَّبع الهدى. وأخرج عبد الرَّزَّاق عن معمر عن قتادة قال السَّلام على أهل
ج 26 ص 311
الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم السَّلامُ على من اتَّبع الهدى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمَّد بن بشر مثله، ومن طريق أبي مالك إذا سلمت على المشركين فقل السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، فيحسبون أنَّك سلمت عليهم، وقد صرفت السَّلام عنهم. ونقل ابنُ العربي عن مالك إذا ابتدأ شخصًا بالسَّلام وهو يظنُّه مسلمًا، فبان أنَّه كافرٌ كان ابن عمر يستردُّ منه سلامه، وقال مالك لا.
قال ابنُ العربي لأنَّ الاسترداد لا فائدة فيه؛ لأنَّه لم يحصل منه شيءٌ؛ لكونه قصد السَّلام على المسلم. وقال غيره له فائدةٌ، وهي إعلام الكافر بأنَّه ليس أهلًا للابتداء بالسَّلام.
قال القرطبي في قوله (( وإذا لقيتموهم في طريقٍ فاضطروهم إلى ضيقه ) )، معناه لا تتنحُّوا لهم عن الطَّريق الضَّيِّق إكرامًا لهم واحترامًا، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبةً للجملة الأولى في المعنى، وليس المعنى إذا لقيتموهم في طريقٍ واسعٍ، فألجؤوهم إلى حرفه حتَّى يضيق عليهم؛ لأنَّ ذلك أذًى لهم، وقد نُهينا عن أذاهم بغير سببٍ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( حتى مرَّ في مجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود ) ).
وقد مضى الحديث في أواخر (( كتاب الأدب ) )، في باب (( كنية المشرك ) ) [خ¦6207] ، وفي (( تفسير سورة آل عمران ) ) [خ¦4566] .
[1] كذا في المخطوط، ولعل الصواب بمجلس. كما في الفتح.