فهرس الكتاب

الصفحة 9312 من 11127

6256 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) أي ابن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال الحافظُ العسقلاني لم أعرف أسماءهم، لكن أخرج الطَّبري بسندٍ ضعيفٍ عن زيد بن أرقم قال بينا أنا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل رجلٌ من اليهود، يقال له ثعلبة بن الحارث فقال السَّام عليك يا محمد، فإن كان محفوظًا؛ احتمل أن يكون أحد الرَّهط المذكورين، وكان هو الَّذي باشر الكلام عنهم كما جرت العادة من نسبة القول إلى جماعةٍ، والمباشر له واحدٌ منهم؛ لأنَّ اجتماعهم ورضاهم به في قوَّة من شاركه في المنطق.

(فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ) كذا في الأصول بألف ساكنة وتخفيف الميم، وسيأتي في الكلام على الحديث الثَّاني [خ¦6257] أنَّه جاء بالهمز، وهو الموت، وقيل هو الموتُ العاجل (فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ) في رواية ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها، كما تقدم في أوائل (( الأدب ) ) [خ¦6030] فقالت (( عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم ) ). وفي رواية مسلمٍ من طريق أخرى عنها (( بل عليكم السَّام والذَّام ) )بالذال المعجمة، وهو لغة في الذَّمِّ ضدُّ المدح. يقال ذمَّ _ بالتشديد _ وذَامَ _ بالتخفيف _ وذِيم بتحتية ساكنة.

وقال القاضي عياض لم يختلف الرواة أنَّ الذَّامَّ في هذا الحديث بالمعجمة، ولو روي بالمهملة من الدوام؛ لكان له وجهٌ، ولكن كان يحتاج لحذف الواو؛ ليصير صفة للسام.

وقد حكى ابن الأعرابي الدام، لغة في الدَّائم. قال ابن بطَّال فسَّر أبو عُبيد السَّام بالموت. وذكر الخطابي أنَّ قتادة تأوَّله على خلاف ذلك، ففي رواية عبد الوارث بن سعيد عن سعيد بن أبي عَروبة قال كان قتادة يقول تفسير

ج 26 ص 316

السَّام عليكم تسأمون دينكم، وهو معنى السَّأم مصدر من سأم سآمة وسآمًا، مثل رضعته رضاعة ورضاعًا.

قال ابن بطَّال ووجدت هذا الَّذي فسَّره قتادة مرويًا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أخرجه بقيُّ بن مخلد في «تفسيره» من طريق سعيد عن قتادة عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بينا هو جالسٌ مع أصحابه، إذ أتى يهوديٌّ فسلَّم عليه فردُّوا عليه، فقال هل تدرون ما قال؟ قالوا سلَّم يا رسول الله، قال (( قال سأم عليكم ) )أي تسأمون دينكم.

قال الحافظُ العسقلاني يحتمل أن يكون قوله أي تسأمون دينكم، تفسير قتادة كما بيَّنتْهُ روايةُ عبد الوارث الَّذي ذكرها الخطَّابي.

وقد أخرج البزَّار وابن حبَّان في «صحيحه» من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه مرَّ يهوديٌّ بالنَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فسلَّم عليهم فردَّ عليه أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( هل تدرون ما قال؟ ) )قالوا نعم سلَّم علينا، قال (( فإنَّه قال السَّام عليكم ) )، أي تسأمون دينكم، ردُّوه عليَّ فردُّوه فقال كيف قلت؟ قال قلت السَّأم عليكم، فقال (( إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليكم ما قلتُم ) )لفظ البزَّار. وفي رواية ابن حبَّان أنَّ يهوديًّا سلَّم فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أتدرون ... ) )، والباقي نحوه، ولم يذكر قوله ردُّوه ... إلى آخره، وكان في آخره (( فإذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ) ).

وقولها (( واللَّعنة ) )يحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها فهمت كلامهم بفطنتها، فأنكرت عليهم، وظنَّت أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ظنَّ أنَّهم تلفَّظوا بلفظ السَّلام، فبالغت في الإنكار عليهم، ويحتمل أن يكون سبق لها سماع ذلك من النَّبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عمر [خ¦6257] وأنس [خ¦6258] رضي الله عنهم في الباب، وإنَّما أطلقت عليهم اللعنة، إمَّا لأنَّها كانت ترى جواز لعن الكافر المعيَّن باعتبار الحالة الرَّاهنة، لا سيَّما إذا صدر منهم ما يقتضي التَّأديب، وإمَّا لأنَّها تقدَّم لها علمٌ بأنَّ المذكورين يموتون على الكفر، فأطلقت

ج 26 ص 317

اللَّعن ولم يقيِّده بالموت.

والَّذي يظهر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أرادَ أن لا يتعوَّد لسانها بالفحش، أو أنكر عليها الإفراط في السَّبِّ، وقد تقدَّم في أوائل (( الأدب ) )، في باب (( الرفق ) )ما يتعلق بذلك [خ¦6024] .

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْلًا يَا عَائِشَةُ) أي رفقًا، وزعم بعضهم أنَّ أصله (( مه ) )زيْدت لا (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ) بفتح (( أَوَلم ) ).

(مَا قَالُوا؟! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ) وكذا في رواية مَعمر وشعيب عن الزُّهري عند مسلم بحذف الواو، وعنده في رواية سفيان، وعند النَّسائي من رواية أخرى عن الزُّهري بإثبات الواو.

قال المهلَّب في هذا الحديث جوازُ انخداع الكبير للمكايد، ومُعارضته من حيث لا يشعر إذا رُجِيَ رجوعه.

قال الحافظُ العسقلاني في تقييدهِ بذلك نظرٌ؛ لأنَّ اليهود حينئذٍ كانوا أهل عهدٍ، فالَّذي يظهر أنَّ ذلك كان لمصلحة التَّأليف.

وقال القسطلَّاني فقد قلت (( وعليكم ) )بإثبات الواو والجمع، دون لفظ السَّلام، والمعنى وعليكم أيضًا؛ أي نحن وأنتم فيه سواءٌ كلُّنا نموت فهو عطف على قولهم، أو الواو للاستئناف؛ أي وعليكم ما تستحقُّونه من الذَّمِّ.

وقال النَّووي اتَّفقوا على الرَّدِّ على أهل الكتاب إذا سلَّموا، لكن لا يُقال لهم وعليكم السَّلام، بل يقال عليكم فقط، أو وعليكم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه كيفيَّة رد سلام أهل الذِّمَّة.

وقد مضى الحديث في (( كتاب الأدب ) )، في باب (( لم يكن النَّبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ) ) [خ¦6030] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت