فهرس الكتاب

الصفحة 932 من 11127

578 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة، نسبة إلى جدِّه، وأمَّا اسم أبيه فعبد الله المخزوميُّ البصريُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (اللَّيْثُ) هو ابن سعد المصريُّ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم المهملة وفتح القاف، هو ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد.

(عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ كُنَّ) وفي رواية على صيغة المتكلِّم مع الغير (نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ) أي نساء الأنفس المؤمنات؛ لئلَّا يلزم إضافة الشَّيء إلى نفسه، ويُحْتَمل أن تكون «النِّساء» هنا بمعنى الفاضلات؛ أي فاضلات المؤمنات، كما يُقال رجال القوم؛ أي فضلاؤهم ومقدَّموهم، والأصل أن يُقَال كانت نساء المؤمنات لكنَّه من قَبيل أكلوني البراغيث، في أنَّه بدل أو بيان أو غيرهما.

(يَشْهَدْنَ) أي يَحْضُرْنَ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْفَجْرِ) بالنَّصب إمَّا على أنه مفعول به، أو مفعول فيه، وكلاهما جائزان؛ لأنَّ صلاة الفجر مشهودة ومشهود فيها (مُتَلَفِّعَاتٍ) أي حال كونهنَّ متلحِّفات من التلفُّع، وهو شدُّ اللِّفاع وهو ما يُغطِّي الوجه ويتلحَّف به (بِمُرُوطِهِنَّ) جمع مِرط _ بكسر الميم _، وهو كساء من صوفٍ أو خزٍّ يؤتزر به، وقيل هو معلم، وقيل ولا تلبسه إلَّا النِّساء (ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ) أي يرجعنَ (إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلاَةَ) أي يؤدِّينها حال كونهنَّ (لاَ يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ) أي ظلمة آخر اللَّيل، وكلمة «من» يجوز أن تكون ابتدائية أو تعليلية.

قال الدَّاودي معناه لا يُعْرفن أنساء أم رجال؛ أي لا يظهر للرَّائي إلا الأشباح خاصَّة.

وقِيلَ معناه لا يعرف أعيانهنَّ فلا يفرق بين فاطمةَ وعائشةَ مثلًا. وضعَّفه النَّوويُّ

ج 3 ص 556

بأنَّ المتلفِّعة لا يعرف عينها بالنَّهار أيضًا فلا يبقى في الكلام فائدة.

وتعقِّب بأنَّ المعرفة إنَّما تتعلَّق بالأعيان، فلو كانَ المُرَاد الأوَّل لعبَّر بنفي العلم، وما ذكره من أنَّ المتلفِّعة لا يعرف عينها بالنهار أيضًا ففيه أنَّ لكلِّ امرأةٍ هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مغطَّىً.

وقال محمود العينيُّ هذا غير موجَّه؛ لأنَّ الرَّائي من أين يعرف هيئة كل امرأة حين كن مغطَّيات، والرَّجل لا يعرف هيئة امرأته إذا كانت بين المغطَّيات إلا بدليل من الخارج.

وقال الباجي قوله (( من الغَلَس ) )يدلُّ على أنهنَّ كنَّ سافرات، إذ لو كُنَّ مُنْتَقَبِات لَمَنعَ تغطيةُ الوجه من معرفتهن لا الغَلَس.

وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه مَبْنِيٌّ على الاشتباه الذي أشار إليه النَّووي، وأمَّا إذا قلنا أنَّ لكلِّ واحدة منهنَّ هيئة غير هيئة الأخرى غالبًا فلا يلزم ما ذكره، هذا؛ وفيه ما فيه.

ثمَّ إنَّه لا مخالفة بين هذا الحديث وبين حديث أبي بَرْزَة الذي مضى أنَّه كان ينصرف حين يعرف الرَّجل جليسه [خ¦541] ؛ لأنَّه إخبار عن رؤية جليسه، وهذا إخبار عن رؤية المتلفِّعة من بعد.

وأمَّا مُطابقة الحديث للتَّرجمة فبطريق الإشارة أيضًا، ويُؤَخذ من الحديث المبادرة بصلاة الصُّبح، لكنَّه مُعارض بما رواه أصحاب السُّنن وصحَّحه غير واحدٍ من حديث رافع بن خَديجٍ قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أسفروا بالفجرِ فإنَّه أعظم للأجر ) ).

وحَمْلُ الشَّافعيِّ وغيرِه على أنَّ المراد بذلك تحقُّقُ طلوع الفجر بعيدٌ، وكذا حمل الطحاويِّ على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتَّى يخرج من الصَّلاة مسفرًا.

وأمَّا حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه الذي أخرجه المُصنِّف وغيره أنَّه قال ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّاها في غير وقتها غير ذاك اليوم [خ¦1682] _ يعني الفجر _ يوم المزدلفة، فمحمول على أنَّه دخل فيها مع طلوع الفجر من غير تأخير مع أنَّ في حديث زيد بن ثابت [خ¦575] وسهل بن سعد [خ¦577] ما يشعر بتأخيرٍ يسيرٍ؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّاها قبل أن يطلعَ الفجر، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت