6306 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجَّاج المِنْقَري _ بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف _ المقعد التَّيمي، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيد العنبري البصري، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (الْحُسَيْنُ) بضم الحاء، ابن ذكوان المعلِّم، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، ابن الحَصِيب الأسلمي، أبو سهل المروزي قاضيها.
(عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ) بضم الموحدة وفتح المعجمة (الْعَدَوِيِّ) وقد تابع حُسينًا على ذلك ثابت البُناني، وأبو العوَّام عن عبد الله بن بُريدة، لكنَّهما لم يذكرا بشير بن كعب، بل قالا عن ابنِ بُريدة، عن شدَّاد أخرجه النَّسائي، وخالفهم الوليد بن ثعلبة، فقال عن ابن بُريدة، عن أبيه، أخرجه الأربعة إلَّا التِّرمذي، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم، لكن لم يقع في رواية الوليد أوَّل الحديث. قال النَّسائي حسين المعلِّم أثبت من الوليد بن ثعلبة، وأعلم بعبد الله بن بُريدة، وحديثه أولى بالصَّواب.
قال الحافظ العَسقلاني وكأنَّ الوليد سلك الجادة؛ لأنَّ جلَّ رواية عبد الله بن بُريدة عن أبيه، وكأنَّ من صحَّحه جوَّز أن يكون عنه عبد الله بن بُريدة على الوجهين، والله أعلم.
وفي رواية أبي ذرٍّ قال بالإفراد .
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ) بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى، هو ابنُ أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام _ بمهملتين _ الأنصاري ابن أخي حسَّان بن ثابتٍ رضي الله عنهما، وشدَّاد صحابيٌّ جليل نزل الشَّام، وكنيته أبو يَعلى، واختلف في صحبة أبيه، وليس لشدَّاد في البُخاري إلَّا هذا الحديث.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه قال (سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ) ترجم البُخاري بالأفضليَّة، والحديث بلفظ السِّيادة،
ج 26 ص 420
فكأنَّه أشار إلى أنَّ المراد بالسِّيادة الأفضليَّة. قال الطِّيبي لما كان هذا الدُّعاء جامعًا لمعاني التَّوبة كلِّها استُعير له اسم السَّيد، وهو في الأصل الرَّئيس الَّذي يُقصد في الحوائج، ويُرجع إليه في الأمور. وقيل إنَّه لا شكَّ أنَّ فيه ذكر الله تعالى بأكملِ الأوصاف، وذكر نفسه بأنقص الحالات، وهو أقصَى غاية التَّضرع، ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقُّها إلَّا هو، وسيجيءُ الكلام في ذلك.
(أَنْ تَقُولَ) بصيغة المخاطب في الفرع، وقال الحافظ العَسقلاني أن يقول؛ أي العبد، وثبت في رواية أحمد والنَّسائي (( إنَّ سيِّد الاستغفار أن يقولَ العبد ... ) ). وللتِّرمذي من رواية عثمان بن ربيعة عن شدَّاد (( ألا أدلك على سيِّد الاستغفار ) )، وفي حديث جابر عند النَّسائي (( تعلَّموا سيِّد الاستغفار ) ).
وقال العيني رواية أحمد لا تستلزم أن يقدر هنا؛ أي العبد على أنَّ التَّقدير خلاف الأصل، ورواية التِّرمذي تؤيِّد الخطاب، فافهم.
(اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي) كذا في الفرع وأصله أنت مرة. وقال الحافظ العَسقلاني في نسخة معتمدة بتكرير (( أنت ) )، وسقطت الثَّانية في معظم الرِّوايات، ووقع عند الطَّبراني من حديث أبي أُمامة (( من قال حين يصبح اللَّهمَّ لك الحمد لا إله إلَّا أنت ) )وزاد (( آمنت لك مخلصًا لك ديني ) ).
(وَأَنَا عَبْدُكَ) قال الطِّيبي يجوز أن تكون مؤكِّدة، وأن تكون مقرِّرة؛ أي أنا عابدٌ لك كقوله تعالى {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات 112] ، ويؤيِّده عطف قوله (وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ) سقطت الواو في رواية النَّسائي، قال الخطَّابي يريد أنا على ما عاهدتك عليه، وواعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطَّاعة لك (مَا اسْتَطَعْتُ) أي قدر استطاعتي من ذلك، ويحتمل أن يريد إنِّي مقيمٌ على ما عهدتُ إليه من أمرك، ومتمسِّك به، ومنتجزٌ وعدك في المثوبة والأجر، واشتراط الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجزِ والقصور عن كنه الواجبِ من حقِّه تعالى.
وقال ابن بطَّال قوله (( وأنا على عهدك ووعدك ) )يريد العهد الَّذي
ج 26 ص 421
أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذَّرِّ وأشهدهم على أنفسهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف 172] فأقرُّوا له بالرُّبوبية، وأذعنوا له بالوحدانيَّة، وبالوعد ما قال على لسانه صلى الله عليه وسلم (( أنَّ من مات لا يشرك بالله شيئًا، وأدَّى ما افتُرض عليه أنَّه يدخله الجنَّة ) ).
قال الحافظ العَسقلاني وقوله (( وأدَّى ما افترض عليه ) )زيادة ليست بشرط في هذا المقام؛ لأنَّه جعل المراد بالعهدِ الميثاق المأخوذ في عالم الذَّرِّ، وهو التَّوحيد خاصَّة، فالوعدُ هو إدخالُ من مات على ذلك الجنَّة.
وقال العيني وإن لم يكن ذلك شرطًا في هذا فهو شرطٌ في غيرهِ، فافهم.
قال وفي قوله (( ما استطعت ) )إعلام لأمته أنَّ أحدًا لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله تعالى من الوفاء بكمال الطَّاعات، والشُّكر على النِّعم، فرفق الله تعالى بعباده، فلم يكلفهم من ذلك إلَّا وسعهم، ففيه الإشارة إلى أنَّ الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقِّه تعالى.
وقال الطِّيبي يحتمل أن يرادَ بالعهد والوعد ما في الآية المذكورة.
(أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ) سقط لفظ (( لك ) )من رواية النَّسائي، و (( أبُوْء ) )_ بضم الموحدة وسكون الواو بعدها همزة ممدود _ معناه أعتُرف، من قولهم باء بحقِّه؛ أي أقرَّ به، ووقع في رواية عثمان بن ربيعة عن شداد (( وأعترف بذنوبي ) )وقيل أصله البواء، ومعناه اللُّزوم ومنه بوأه منزلًا إذا أسكنه، فكأنَّه ألزمه به.
(وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) وفي رواية عن الكُشميهني ؛ أي أعترف به، وقيل معناه أحمله فلا أستطيعُ صرفه عنِّي، قال الخطَّابي يريد به الاعتراف، يقال قد باء فلانٌ بذنبه إذا احتمله كرهًا لا يستطيع دفعه عن نفسه.
وقال الطِّيبي اعترفَ أولًا بأنَّه أنعم عليه، ولم يقيِّده؛ ليشمل كلَّ الإنعام، ثمَّ اعترف بالتَّقصير، وأنَّه لم يقم بأداء شكرها، ثمَّ بالغَ فعدَّه ذنبًا مبالغة في التَّقصير وهضم النَّفس. انتهى.
وقال الحافظ العَسقلاني ويحتمل أن يكون قوله (( أبوء لك بذنبي ) )؛ أي أعترفُ بوقوع الذَّنب مطلقًا؛ ليصحَّ الاستغفار منه لا أنَّه عدَّ ما قصَّر فيه من أداء النِّعم ذنبًا.
(فَاغْفِرْ لِي) بزيادة فاء في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره بدون فاء(إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
ج 26 ص 422
إِلاَّ أَنْتَ).
قال الحافظ العَسقلاني يُؤخذ منه أنَّ من اعترفَ بذنبه غفر له، وقد وقع صريحًا في حديث الإفك الطَّويل (( العبد إذا اعترف بذنبهِ وتاب تابَ الله عليه ) ) [خ¦2661] .
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ قَالَهَا) أي الكلمات، وفي رواية النَّسائي (( فمن قالها ) ) (مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا) أي مخلصًا (بِهَا) من قلبه مصدقًا بثوابها (فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) وفي رواية النَّسائي (( فإن قالها حين يصبح ) )وفي رواية عثمان بن ربيعة (( لا يقولها أحدكُم حين يمسي، فيأتي عليه قدرٌ قبل أن يصبحَ، أو حين يصبح فيأتي عليه قدر قبل أن يمسيَ إلَّا وجبت له الجنَّة ) ).
(وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي الدَّاخلين لها ابتداء من غير دخول النَّار؛ لأنَّ الغالب أنَّ المؤمن بحقِّيتها، الموقن بمضمونها لا يعصي الله تعالى، أو لأنَّ الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار، قاله الكرماني. وقيل يحتمل أن يكون هذا فيمن قالها، ومات قبل أن يفعلَ ما يغفر له به ذنوبه، أو يكون ما فعله من الوضوء وغيره من الحسنات لم يتقبَّل منه بوجهٍ، وإلَّا فإنَّ الحسنات يذهبنَ السَّيئات.
وفي «بهجة النفوس» لابن أبي جمرة من شروط الاستغفار صحَّة النِّية والتَّوجه والأدب، فلو أنَّ أحدًا حصَّل الشُّروط، واستغفر آخرُ بهذا اللفظ الوارد، لكن أخلَّ بالشُّروط هل يتساويان؟ والَّذي يظهر أنَّ اللفظ المذكور إنَّما يكون سيِّد الاستغفار إذا جمع الشُّروط المذكورة.
وقال الحافظ العَسقلاني قال ابنُ أبي جمرة جمع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من بديع المعاني، وحسن الألفاظ ما يحقُّ له أن يُسمَّى سيد الاستغفار؛ ففيه الإقرار لله وحدَه بالإلهية والعبوديَّة، والاعتراف بأنَّه الخالق والإقرار بالعهد الَّذي أخذهُ عليه، والرَّجاء بما وعدهُ به والاستعاذة من شرِّ ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النَّعماء إلى مُوجِدها، وإضافة الذَّنب إلى نفسه ورغبتهِ في المغفرة، واعترافه بأنَّه لا يقدر أحدٌ على ذلك إلَّا هو، وفي كلِّ ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشَّريعة والحقيقة، فإنَّ تكاليف الشَّريعة لا تحصل إلَّا إذا كان في ذلك عونٌ
ج 26 ص 423
من الله تعالى، وهذا القَدَر والَّذي يُكنَّى عنه بالحقيقة، فلو اتَّفق أنَّ العبد خالف حتَّى يجري عليه ما قُدِّر عليه، وقامت الحجَّة ببيان المخالفة لم يبقَ إلَّا أحد الأمرين إمَّا العقوبة بمقتضى العدل، أو العفو بمقتضى الفضل. انتهى ملخصًا.
وقال الكرماني فإن قلت ما الحكمة في كونه سيِّد الاستغفار؟
قلت أمثاله من التعبديات اللهُ أعلم بها، لكن لا شكَّ أنَّ فيه ذكر الله بأكملِ الأوصاف، وذكر نفسه بأنقصِ الحالات وهو أقصى غاية التَّضرع، ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلَّا هو أما الأوَّل فلما فيه من الاعتراف بوجود الصَّانع، وتوحيده الَّذي هو أصل الصِّفات العدمية المسمَّاة بصفات الجلال، والاعتراف بالصِّفات السَّبعة الوجودية المسمَّاة بصفات الإكرام، وهي القدرة اللازمة من الخلق الملزومة للإرادة والعلم والحياة، والخامسة الكلام اللازم من الوعد والسَّمع والبصر اللازمان من المغفرة، إذ المغفرة للمسموع والمبصر لا تتصوَّر إلَّا بعد السَّماع والإبصار.
وأمَّا الثَّاني فلما فيه أيضًا من الاعتراف بالعبودية، وبالذُّنوب في مقابلة النِّعمة الَّتي تقتضي نقيضها وهو الشُّكر. انتهى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( سيِّد الاستغفار ) )لأنَّ السَّيد في الأصل الرَّئيس الَّذي يقصد في الحوائجِ، ويرجع إليه في الأمور، ولما كان هذا الدُّعاء جامعًا لمعاني التَّوبة كلِّها استعير له هذا الاسم، ولا شكَّ أنَّ سيِّد القوم أفضلهم، وهذا الدُّعاء أيضًا سيِّد الأدعية، وأفضل الاستغفار.
وقد أخرجه النَّسائي في (( الاستعاذة ) )، وفي (( اليوم والليلة ) ).