فهرس الكتاب

الصفحة 9393 من 11127

6307 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ،

ج 26 ص 424

أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف (قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) فيه القسم على الشَّيء تأكيدًا له، وإن لم يكن عند السَّامع فيه شكٌّ (وَأَتُوبُ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهني (فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) أي أفعل ذلك الاستغفار إظهارًا للعبودية وافتقارًا لكرم الرُّبوبية، أو تعليمًا منه لأمته، أو هو من ذنوبِ أمَّته فهو كالشَّفاعة لهم، أو من ترك الأولى، أو قاله تواضعًا، أو أنَّه صلى الله عليه وسلم لما كان دائم التَّرقي في معارج القرب كان كلَّما ارتقى درجةً، ورأى ما قبلها دونها استغفر منها على ما نُقِل عن الغزالي من «الإحياء» .

لكن قال الحافظ العَسقلاني إنَّ هذا مفرَّع على أنَّ العدد المذكور في استغفاره كان مفرَّقًا بحسب تعدُّد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث بخلاف ذلك، وقال ابنُ الجوزي هفوات الطِّباع البشري لا يَسْلَمُ منها أحدٌ، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر والصَّغائر عمدًا إلَّا أنَّهم لم يُعصموا من الصَّغائر سهوًا.

وقال ابن بطَّال الأنبياء عليهم السَّلام أشدُّ النَّاس اجتهادًا في العبادة؛ لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، دائمون في شكره، معترفون له بالتَّقصير. انتهى.

ومحصّل جوابه أنَّ الاستغفار من التَّقصير في أداء الحقِّ الَّذي يجب لله تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكلٍ أو شربٍ أو جماعٍ أو نومٍ أو راحة، أو لمخاطبة النَّاس، والنَّظر في مصالحهم، ومحاربة عدوِّهم تارةً ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك ممَّا يحجبُه عن الاشتغالِ بذكر الله تعالى، والتَّضرع إليه ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبًا بالنِّسبة إلى المقام الأعلى، وهو الحضورُ في حظيرة القدس.

وقال الشَّيخ السَّهروردي لما كان روح النَّبي صلى الله عليه وسلم لم تزل في التَّرقي إلى مقامات القرب مستتبعةً للقلب في رقيها إلى مركزها، وهكذا القلبُ كان يستتبع

ج 26 ص 425

نفسه الزَّكية، ولا ريب أنَّ حركة الرُّوح والقلب أسرع من نهضة النَّفس وحركتها، فكانت خطى النَّفس تقصُر عن مدى القرب في العروجِ والولوج في حرم الرُّوح والقلب ولحوقه بهما، فاقتضت الحكمة والعواطف الربانيَّة على الضُّعفاء من الأمة إبطاء حركة القلب بإلقاء الغين عليها؛ لئلا يسرعَ القلب، ويسرحَ في معارج الرُّوح ومدارجها، فتنقطعَ علاقة النَّفس عنه لقوَّة الانجذابِ، فيبقى العباد مهملين محرومين عن الاستنارة بأنوار النُّبوة، والاستضاءة بمشكاة مصباح الشَّريعة.

وحيث كان يرى صلى الله عليه وسلم إبطاءَ القلب بالغين الملقى عليه، وقصور النَّفس عن شأو ترقِّي الرُّوح إلى الرَّفيق الأعلى كان يفزع إلى الاستغفار، إذ لم تفِ قواها في سرعة اللُّحوق لها، وهذا أعزُّ مقولٍ في هذا المعنى، وأحسن مشروح فيه.

واعلم أنَّه وقع في حديث أنسٍ رضي الله عنه (( إنِّي لأستغفرُ الله في اليوم سبعين مرةً ) )، فقيل يحتمل أن يكون المراد العدد بعينه، وقيل المراد الكثرة والعرب تضع السَّبع والسَّبعين والسَّبعمائة موضع الكثرة، وقوله في حديث الباب (( أكثر من سبعين مرةً ) ). يحتمل أن يفسر بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأنَّه يبلغ المائة، وقد وقع في طريقٍ أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه من رواية مَعمر عن الزُّهري بلفظ (( إنِّي لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ) ). لكن خالف أصحاب الزُّهري في ذلك.

نعم، أخرج النَّسائي أيضًا من رواية محمَّد بن عَمرو عن أبي سلمة بلفظ (( إنِّي لأستغفر الله كلَّ يومٍ مائة مرةٍ ) )، وأخرج النَّسائي من طريق عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع النَّاس فقال (( يا أيُّها النَّاس توبوا إلى الله فإنِّي أتوبُ إليه في اليوم مائة مرةٍ ) ). وفي حديث الأغر عند مسلم بلفظ (( إنَّه ليغانُ على قلبي، وإنِّي لأستغفر الله كلَّ يومٍ مائة مرَّة ) )، قال القاضي عياض المراد بالغين فترات عن الذكر الَّذي شأنه

ج 26 ص 426

أن يداوم عليه، فإذا فترَ عنه لأمر ما عدَّ ذلك ذنبًا، فاستغفر الله عنه. وقيل هو شيءٌ يعتري القلب ممَّا يقعُ من حديث النَّفس، وقيل هو السَّكينة تغشي قلبه، والاستغفارُ لإظهار العبوديَّة لله، والشُّكر لما أولاه، وقيل هي حالةُ خشية وإعظام، والاستغفارُ شكرها.

ومن ثمَّ قال المحاسبي خوف المقربين خوف إجلالٍ وإعظامٍ، وقال الشَّيخ شهاب الدِّين السَّهروردي لا ينبغي أن يعتقدَ أن الغين في حاله صلى الله عليه وسلم، بل هو كمال أو تتمَّة كمال، وهذا سرٌّ دقيقٌ لا ينكشف إلَّا بمثالٍ، وهو أنَّ الجفنَ المسبل على حدقةِ البصر، وإن كانت صورته صورة نقصان من حيث هو إسبالٌ وتغطية ما على ما من شأنه أن يكون باديًا مكشوفًا، فإنَّ المقصود من خلق العين إدراك المدركات الحسيَّة، وذلك لا يتأتَّى إلَّا بانبعاث الأشعة الحسيَّة من داخل العين، واتِّصالها بالمرئيَّات على مذهب قومٍ بانطباع صورِ المدركات في الكرة الجليديَّة على مذهبٍ آخر، فكيف ما قُدِّر لا يتمُّ المقصود إلَّا بانكشاف العين عمَّا يمنع من انبعاث الأشعَّة عنها.

ولكن لما كان الهواء المحيط بالأبدان الحيوانيَّة قلَّما يخلو من الأغبرة الثَّائرة بحركات الرِّياح، فلو كانت الحدقة دائمة الانكشاف لاستضرَّت بملاقاتها، وتراكمها عليها، فأسبلتْ أغطية الجفن وقاية لها، ومصقلةً لتنصقل الحدقة بإسبالِ الأهداب ورفعها لخفَّة حركة الجفنِ، فيدومُ جلاؤها ويحتدُّ نظرها، فالجفنُ وإن كان نقصًا ظاهرًا فهو كمال حقيقة، فهكذا لم تزل بصيرة النَّبي صلى الله عليه وسلم متعرضة لأن تصدأ بالأغبرة الثَّائرة من أنفاسِ الأغيار، فلا جرم دعت الحاجة إلى إسبال جفنٍ من الغين على حدقةِ بصيرته سترًا لها، ووقاية وصقالًا عن تلك الأغبرةِ المثارة برؤيةِ الأغيار وأنفاسها، فصحَّ أنَّ الغينَ وإن كانت صورته نقصًا، فمعناه كمال وصقال

ج 26 ص 427

حقيقة، والله تعالى أعلم.

تتمة ثمَّ إنَّ قوله (( لأستغفر الله وأتوب إليه ) )ظاهره أنَّه يطلبُ المغفرة، ويعزم على التَّوبة، ويحتمل أن يكون المراد أنَّه يقول هذا اللَّفظ بعينه. ويرجح الثَّاني ما أخرجه النَّسائي بسندٍ جيدٍ من طريق مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( أستغفر الله الذي لا إله إلَّا هو الحيُّ القيوم وأتوبُ إليه في المجلسِ قبل أن يقومَ مائة مرة ) ). وله من رواية نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( إنَّا كنَّا لنعدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس ربِّ اغفرْ لي وتب عليَّ إنَّك أنت التَّواب الغفور مائة مرةٍ ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه أوضح الإجمال الَّذي في التَّرجمة من كمية استغفار النَّبي صلى الله عليه وسلم في اليوم وأنَّه أكثر من سبعين مرَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت