فهرس الكتاب

الصفحة 9440 من 11127

6337 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بن السَّكَنِ) بفتح السين المهملة والكاف بعدها نون، هو ابن حبيب القرشي البزَّار _ بالموحدة والمعجمة _ البصري نزيل بغداد، مرَّ في (( صدقة الفطر ) ) [خ¦1503] ، قال (حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة (أَبُو حَبِيبٍ) ضدُّ العدو، الباهلي (حَدَّثَنَا هَارُونُ) أي ابن موسى (الْمُقْرِئُ) من الإقراء، النَّحوي الأعور، مرَّ في (( تفسير سورة النَّحل ) ) [خ¦4707] ، قال (حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ) بضم الزاي وفتح الموحدة مصغرًا، و (( الخِرِّيْت ) )_ بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة بعدها تحتية ساكنة ثم مثناة _ البصري، وقد مرَّ في (( المظالم ) ) [خ¦2473] .

(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ) آمرًا أمرَ إرشاد (حَدِّثِ النَّاس كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ) أي امتنعت (فَمَرَّتَيْنِ) في كلِّ جمعة (فَإِنَّ أَكْثَرْتَ فَثَلاَثَ مَرَّاتٍ) كذا في رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي وابن عساكر، ويروى (وَلاَ تُمِلَّ النَّاسَ) بضم الفوقية وكسر الميم وتشديد اللام المفتوحة، من الإملال، من الملل، وهي السَّآمة، والنَّاس منصوبٌ على المفعولية وهو كالبيان لحكمة الأمر بعدم الإكثار. وقد تقدَّم في (( كتاب العلم ) )حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بالموعظة كراهة السَّآمة علينا ) ) [خ¦68] .

وقوله (هَذَا الْقُرْآنَ) مفعول ثان، ويجوز أن يكون مفعولان لفعل من غير أفعال القلوب إذا كان أحدهما غير ظاهرٍ، ويجوز أن يكون منصوبًا بنزعِ الخافض؛ أي لا تُمِلُّهم عن القرآن (وَلاَ) بالواو، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالفاء (أُلْفِيَنَّكَ) بضم الهمزة وسكون اللام وكسر الفاء وفتح التَّحتية وتشديد النون المؤكدة؛ أي لا أصادفنَّك ولا أجدنَّك، وهذا النَّهي

ج 26 ص 499

بحسب الظَّاهر للمتكلِّم وهو في الحقيقة للمخاطب وهو كقولهم لا أرينك هاهنا.

(تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ) أي والحال أنَّهم في حديث (مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ، فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ) بضم الفوقية وكسر الميم والرفع ويجوز النَّصب بتقدير فإن تملَّهم، وفيه كراهة التَّحديث عنه من لا يُقبل عليه، والنَّهي عن قطع حديثٍ غيره وأنَّه لا ينبغي نشر العلم عند من لا يحرص عليه، ولأنَّ في ذلك إذلالُ العلم، وقد رفعَ الله قدره، وينبغي أن يُحدِّث من يشتهي سماعَه؛ لأنَّه أجدر أن ينتفعَ به.

(وَلَكِنْ أَنْصِتْ) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الصَّاد أمرٌ من الإنصات، وهو السُّكوت مع الإصغاء (فَإِذَا أَمَرُوكَ) أي التمسوا منك أن تقصَّ عليهم وتحدِّثهم (فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ) أي والحال أنَّهم (يَشْتَهُونَهُ، فَانْظُرِ) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو (السَّجْعَ مِنَ الدُّعاء فَاجْتَنِبْهُ) أي اتركه ولا تقصد إليه ولا تُشغِل فكرك به لما فيه من التَّكلف المانع للخشوعِ المطلوب في الدُّعاء.

وقال ابن التِّين المراد بالنَّهي المستكرَه منه، وقال الدَّاودي الاستكثار منه.

(فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لاَ يَفْعَلُونَ إِلاَّ ذَلِكَ) أي الاجتناب وترك السَّجع، ولفظة (( إلَّا ) )ثابتة في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي كما في الفرع وأصله، وهي ساقطةٌ عند الكُشميهني، وحينئذٍ يوافق ما عند الإسماعيلي عن القاسم بن زكرياء، عن يحيى بن محمَّد شيخ البخاري بسنده فيه حيث قال لا يفعلون ذلك بإسقاط (( إلَّا ) )وهو واضحٌ. وكذا أخرجه البزَّار في «مسنده» عن يحيى والطَّبراني عن البزَّار، وفسَّره في غير رواية أبي ذرٍّ على وجه إثبات لفظ بقوله يعني لا يفعلون إلَّا ذاك الاجتناب.

قال ابن بطَّال إنَّما نهى عنه في الدُّعاء؛ لأنَّ طلبه فيه تكلُّفٌ ومشقَّة، وذلك مانعٌ من الخشوع وإخلاص التَّضرع فيه، وقد جاء في الحديث (( إنَّ الله لا يقبلُ من قلبٍ غافلٍ لاهٍ ) )وطالب السَّجع في دعائه هِمَّته في ترويج الكلام، وشغل خاطرهِ بذلك، وهو يُنافي

ج 26 ص 500

الخشوع، ولا يَرِدُ على ذلك ما وقع في الأحاديث الصَّحيحة؛ لأنَّ ذلك كان يصدر من غير قصدٍ إليه؛ كقوله صلى الله عليه وسلم الماضي في (( الجهاد ) )في باب (( الدُّعاء على المشركين ) ) [خ¦6392] (( اللَّهمَّ منزِّل الكتاب، سريعَ الحساب، هازمَ الأحزاب ) ). وكقوله صلى الله عليه وسلم (( لا إله إلَّا الله وحدَه، صدق وعدَه، وأعزَّ جندَه ... ) )الحديث، وكقوله (( أعوذ بك من عينٍ لا تدمعُ، ونفسٍ لا تشبعُ، وقلبٍ لا يخشعُ ) )وكلُّها صحيحةٌ، وذلك لأنَّ المكروه ما يُقصد ويُتكلَّف فيه. وأمَّا ما ورد على سبيل الاتِّفاق فلا بأسَ به، بل يجيء الكلام بذلك في غاية الانسجام، ولذلك ذُمَّ منه ما كان كسجعِ الكُهَّان.

قال الغزاليُّ في «الإحياء» المكروه من السَّجع هو المتكلَّف؛ لأنَّه لا يلائم الضَّراعة والذِّلَّة، وإلَّا ففي الأدعية المأثورة كلماتٌ متواترة لكنَّها غير متكلَّفة، وقال الأزهريُّ إنَّما كرهه صلى الله عليه وسلم لمشاكلته كلام الكهنةِ، كما في قصَّة المرأة من هُذيل.

وفي الحديث أيضًا من الفقه أنَّه يكره الإفراط في الأعمال الصَّالحة خوفَ الملل عنها والانقطاع، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( اكلفُوا من العملِ ما تطيقون، فإنَّ الله لا يملُّ حتَّى تملُّوا ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وانظر السَّجع من الدُّعاء فاجتنبه ) )، وقد مرَّ الحديث في (( المظالم ) ) [1] ، وهو من أفراد البخاري.

[1] لم أقف عليه في المظالم، ولم يشر الحافظ ابن حجر والعبني والقسطلاني إلى أنه مخرج في المظالم فتأمل. ولعله سبق نظره عندما أحال العيني أحد رواته وهو الزيد بن الخريت بأنه مر في المظالم فسبق إلى ذهنه أن الحديث كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت