فهرس الكتاب

الصفحة 9472 من 11127

6357 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، واسمه عبدُ الرحمن، وأصله من خراسان، سكن عسقلان، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتحتين، هو ابنُ عُتَيبة، _ بمثناة وموحدة _، وهو فقيه الكوفةِ في عصره (قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى) بفتح اللامين، الأنصاري من كبار التَّابعين، وهو والد ابن أبي ليلى فقيه الكوفة محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى ينسب إلى جدِّه، واسم أبي ليلى يسار خلاف اليمين. وقال أبو عمر له صحبةٌ وروايةٌ، وهو مشهورٌ بكنيته.

(قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) بضم العين المهملة وسكون الجيم بعدها راء مفتوحة فهاء تأنيث، البلوي حليفُ الأنصار من أصحاب الشَّجرة في رواية قطن بن خليفة، عن أبي ليلى (( لقيني كعب بن عجرة الأنصاري ) ). أخرجه الطَّبراني. ونقلَ ابن سعدٍ عن الواقدي أنَّه أنصاريٌّ من أنفسهم، وتعقَّبه فقال لم أجده في نسبِ الأنصار، والمشهور أنَّه بلوي، والجمع بين القولين أنَّه بلوي حالف الأنصار، وعيَّن المحاربيُّ عن مالك بن مِغْول عن الحكم المكان الَّذي التقيا فيه، فأخرجه الطَّبراني من طريقه بلفظ (( أنَّ كعبًا قال له وهو يطوفُ بالبيت ) ).

(فَقَالَ) لي (أَلاَ) بالتَّخفيف، وتكون للعرض والتَّحضيض، والفرقُ بين العرض والتَّحضيض أنَّ العرض فيه لينٌ بخلاف التَّحضيض، فإنَّه بحث فقوله (( ألا ) )، هنا عرضٌ (أُهْدِي) بضم الهمزة (لَكَ هَدِيَّةً) زاد عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جدِّه كما تقدَّم

ج 26 ص 530

في (( أحاديث الأنبياء ) ) [خ¦3370] سمعها من النَّبي صلى الله عليه وسلم.

والهدية اسم مصدر، والمصدرُ إهداء؛ لأنَّه من أهدى، والهدية ما يتقرَّب به إلى المُهدَى إليه توددًا وإكرامًا، وزاد فيه بعضُهم من غير قصدِ نفع عوضٍ دنيوي، بل لقصد ثواب الآخرة، وأكثر ما يستعملُ في الأجسام لاسيَّما والهدية فيها نقلٌ من مكانٍ إلى آخر، وقد يستعملُ في المعاني كالعلوم والأدعية مجازًا لما يشتركان فيه من قصدِ المواددة والتَّواصل في إيصالِ ذلك إليه.

وقال الفاكهاني في «شرح العمدة» في هذا السِّياق إضمار تقديره فقال عبد الرَّحمن نعم، وفي رواية شبابة وعفَّان عن شعبة بلفظ (( قلت بلى ) )أخرجه الخِلَعي في «فوائده» ، وفي رواية عبد الله بن عيسى، عن كعب بن عُجْرة (( فقلت بلى فاهدها لي فقال ) )

(إِنَّ) بكسر الهمزة على الاستئناف، ويجوز الفتح بتقدير هي أن، أو بتقدير فعل؛ أي أُهدي لك أن (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) كذا في معظم الرِّوايات عن كعب بن عجرة (( قلنا ) )بصيغة الجمع، وكذا وقع في حديث أبي سعيدٍ في الباب [خ¦6358] ، ومثله في حديث بُريدة عند أحمد، وفي حديث أبي هريرة عند الطَّبراني. ووقع عند أبي داود، عن حفص بن عمر، عن شعبة بسندٍ حديث الباب (( قلنا _ أو قالوا _ يا رسول الله ) )بالشَّكِّ والمراد الصَّحابة، أو مَنْ حضر منهم. ووقع عند السَّراج والطَّبراني من رواية قيس بن سعد عن الحكم به أنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا.

وقال الفاكهاني إنَّ السُّؤال صدر من بعضهم لا من جميعهم، ففيه التَّعبير عن البعض بالكلِّ، ثمَّ قال ويبعد جدًا أن يكون كعب هو الَّذي باشر السُّؤال منفردًا به، وأتى بالنون التي للتَّعظيم، بل لا يجوز ذلك؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أجاب بقوله (( قولوا ) )، فلو كان السَّائل واحدًا، لقال له قُل، ولم يقل قولوا، انتهى.

وتعقَّبه العسقلاني بأن قال وما المانع أن يسألَ الصَّحابي الواحد عن الحكم، فيجيبُ صلى الله عليه وسلم بصيغة الجمع، فدلَّ على أنَّه سأل لنفسه ولغيره فحسن الجواب بصيغة الجمع،

ج 26 ص 531

لكن الإتيان بنون العظمة في خطابِ النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يظنُّ بالصَّحابي، فإن ثبتَ أنَّ السَّائل كان متعددًا فواضحٌ، وإن كان واحدًا فالحكمةُ في الإتيان بصيغة الجمع الإشارة إلى أنَّ السُّؤال لا يختصُّ به، بل يريدُ نفسه ومن يوافقه على ذلك، فحمله على ظاهرهِ من الجمع هو المعتمدُ. ولا يقال هو من باب التَّعبير عن البعضِ بالكلِّ.

على أنَّ الَّذي نفاهُ الفاكهاني قد وردَ في بعض الطُّرق، فعند الطَّبري من طريق الأجلح عن الحكم بلفظ (( قمت إليه فقلت السَّلام عليكَ قد عرفناهُ، فكيف الصَّلاة عليك يا رسول الله؟ قال قل اللَّهمَّ صلِّ على محمد ... ) )الحديث.

قال الحافظُ العسقلاني وقد وقفت مِنْ تعيين من باشر السُّؤال على جماعةٍ وهم كعب بن عُجْرة وبشير بن سعد والد النُّعمان، وزيد بن خارجة الأنصاري، وطلحة بن عُبيد الله، وأبو هريرة، وعبد الرَّحمن بن بشير. أمَّا كعب فوقع عند الطَّبراني من رواية محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن الحكم بهذا السَّند بلفظ (( قلت يا رسول الله، قد علمنا ... إلى آخره ) ).

وأمَّا بشير ففي حديث أبي مسعود عند مالك ومسلم وغيرهما (( أنَّه رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد أمرنا الله أن نصلِّي عليك. .. إلى آخره ) ).

وأمَّا زيد بن خارجة فأخرج النَّسائي من حديثه، قال (( أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلوا عليَّ واجتهدوا في الدُّعاء، وقولوا اللَّهمَّ صلِّ على محمد ... ) )الحديث.

وأخرج الطَّبري من حديث طلحة، قال (( قلت يا رسولَ الله كيف نصلِّي عليك؟ ) ).

وأمَّا أبو هريرة فعند الشَّافعي، وأمَّا عبد الرَّحمن بن بشير فأخرجَ إسماعيل القاضي في كتاب (( فضل الصَّلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ) [قال قلتُ أو قيل للنبي صلى الله عليه وسلم] هكذا عنده على الشَّك. وأبهم أبو عَوَانة في «صحيحه» من رواية الأجلح وحمزة الزَّيَّات، عن الحكم السَّائلَ ولفظه (( جاء رجلٌ فقال يا رسول الله قد علمنا ) ).

ووقع لهذا السُّؤال سبب أخرجه البيهقي والخِلَعي من طريق الحسن بن محمد بن الصَّباح الزَّعفراني حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، ومسعر، ومالك بن مِغْول، عن الحكم، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى،

ج 26 ص 532

عن كعب بن عُجْرة قال لمَّا نزلت {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب 56] الآية قلت يا رسول الله قد علمنا ... )) . الحديث.

وفي حديث طلحة عند الطَّبري (( أتى رجلٌ النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال سمعت الله يقول {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الآية فكيف الصَّلاة عليك؟ ) ).

(( قد عَلِمنا ) )المشهور في الرواية بفتح أوله وكسر اللام مخففًا، وجوَّز بعضهم ضم أوله والتَّشديد على البناء للمفعول. ووقع في رواية ابن عُيينة عن يزيد بن أبي زياد بالشَّك، ولفظه (( قلنا قد عَلِمنا أو عُلِّمنا ) ). وكذا أخرج السَّراج من طريق مالك بن مغول عن الحكم بلفظ (( عَلِمناه أو عُلِّمناه ) ).

(قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عليك) ووقع في رواية حفص بن عمر (( أمرتنا أن نصلِّي عليك، وأن نسلِّم عليك، فأمَّا السَّلام فقد عرفناهُ ) )وأراد بقوله (( أمرتنا ) )؛ أي بلَّغتنا عن الله أنَّه أمر بذلك، وفي حديث أبي مسعودٍ (( أمرنا الله؛ أي عَلِمنا بما علَّمتنا أن نقول السَّلام عليك أيُّها النَّبي ورحمة الله، وقد أمرنَا الله تعالى بالصَّلاة والسَّلام عليكَ في الآية ) ).

قال البيهقي فيه إشارة إلى السَّلام الَّذي في التَّشهُّد، وهو قول السَّلام عليك أيها النَّبي ورحمة الله وبركاته، فيكون المراد بقولهم فكيف نصلِّي عليك؟؛ أي بعد التَّشهُّد، انتهى.

وتفسير السَّلام بذلك هو الظَّاهر. وحكى ابن عبد البرِّ فيه احتمالًا وهو أنَّ المراد به السَّلام الَّذي يتحلَّل به من الصَّلاة، وقال إنَّ الأوَّل أظهر. وكذا ذكر القاضي عياض وغيره.

وردَّ بعضهم الاحتمال المذكور بأنَّ سلام التَّحلل لا يتقيَّد به اتِّفاقًا، كذا قيل، وفي نقل الاتِّفاق نظرٌ، فقد جزم جماعةٌ من المالكيَّة أنَّه يستحبُّ للمصلِّي أن يقول عند سلام التَّحلُّل السَّلام عليك أيها النَّبي ورحمة الله وبركاته، السَّلام عليكم، ذكره القاضي عياض، وقبله أبو زيد وغيره.

(فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟) أي فعلمنا كيف اللفظ اللَّائق بالصَّلاة عليك، زاد أبو مسعود في حديثه (( فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى تمنينا أنَّه لم يسأله ) )، وإنَّما تمنُّوا ذلك خشية أن يكون لم يُعجبه السُّؤال المذكور، لما تقرَّر عندهم من النَّهي عن ذلك، فقد تقدَّم تفسير قوله تعالى {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة 101] في (( سورة المائدة ) ) [خ¦4622] .

ووقع عند الطَّبراني من وجهٍ آخر في هذا الحديث، فسكت حتَّى جاءه الوحي فقال تقولون. .. إلى آخره. واختلف في المراد بقولهم كيف؟ فقيل المراد السُّؤال عن معنى الصَّلاة المأمور بها، وبأي لفظ تُؤدى، وقيل عن صفتها.

قال القاضي عياض لما كان لفظ الصَّلاة المأمور بها في قوله تعالى {صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزاب 56] يحتمل الرَّحمة والدُّعاء والتَّعظيم، سألوا بأيَّ لفظٍ يؤدَّى هكذا، قال بعضُ المشايخ، ورجَّح الباجي أنَّ السُّؤال إنَّما وقع عن صفتها لا عن جنسها وهو أظهر؛ لأنَّ لفظ (( كيف ) )ظاهر في الصفة، وأمَّا الجنس فيسأل عنه

ج 26 ص 533

بلفظ (( ما ) )، وبه جزمَ القرطبي فقال هذا سؤال من أشكلت عليه كيفيَّة ما فُهِم أصله، وذلك أنَّهم عرفوا المراد بالصَّلاة، فسألوا عن الصِّفة التي تليق بها ليتعلَّمونها. انتهى.

والحامل لهم على ذلك أنَّ السَّلام لمَّا تقدَّم بلفظ مخصوص وعدلوا عن القياس لإمكان الوقوف على النَّص، ولا سيَّما في ألفاظ الأذكار، فإنَّها تجيء خارجةً عن القياس غالبًا، فوقع الأمر كما فهموه فإنَّه لم يقل لهم قولوا الصَّلاة عليك أيها النَّبي ورحمة الله وبركاته، ولا قولوا الصَّلاة والسَّلام عليك إلى آخره، بل علمهم صفة أخرى.

(قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (قُولُوا) قد سبق تفصيل المذاهب في الأمر بالصَّلاة [خ¦6357 قبل] (اللَّهُمَّ) هذه كلمة كثر استعمالها في الدُّعاء، وهو بمعنى يا الله، والميم عوض عن حرف النداء إلَّا في نادرٍ كقول الرَّاجز

~إِنِّي إِذَا مَا حَادِثٌ أَلَمَّا أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا

واختصَّ هذا الاسم بقطع همزته عند النِّداء، ووجوب تفخيم لامه بدخول حرف النداء عليه مع التَّعريف. وذهب الفرَّاء ومن تبعه من الكوفيين إلى أنَّ أصله يا الله، وحذف حرف النِّداء تخفيفًا، والميم مأخوذةٌ من جملة محذوفة مثل أُمَّنَا بخير، وقيل بل زائدة كما في زُرْقُم لشديد الزُّرقة، وزيدت له في الاسم العظيم تفخيمًا، وقيل بل هي كالواو الدَّالة على الجمع كأنَّ الدَّاعي قال يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، ولذلك شُدِّدت الميم ليكون عوضًا عن علامة الجمع. وقد جاء عن الحسن البصري اللَّهمَّ مجمعُ الدُّعاء. وعن النَّضر بن شُميل من قال اللَّهمَّ فقد سألَ الله بجميع أسمائه.

(صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) تقدَّم في أواخر (( تفسير الأحزاب ) ) [خ¦4797 قبل] عن أبي العالية أنَّ معنى صلاة الله على نبيِّه ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدُّعاء له. وعند أبي حاتم عن مقاتل بن حيَّان، قال صلاة الله تعالى مغفرتُه، وصلاة الملائكة الاستغفار. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ معنى صلاة الملائكة الدُّعاء بالبركة. ونقل التِّرمذي عن سفيان الثَّوري وغير واحدٍ قالوا صلاة الرَّبِّ الرَّحمة، وصلاة الملائكة

ج 26 ص 534

الاستغفار. وقال الضَّحَّاك بن مزاحم صلاة الله رحمته. وفي رواية عنه مغفرته، وصلاة الملائكة الدُّعاء. أخرجهما إسماعيل القاضي عنه، وكأنَّه يريد الدُّعاء بالمغفرة ونحوها.

وقال المبرِّد الصَّلاة من الله الرَّحمة، ومن الملائكة رقةٌ تبعثُ على استدعاء الرَّحمة، وتُعُقِّب بأنَّ الله تعالى غاير بين الصَّلاة والرَّحمة في قوله {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة 157] ، وكذلك فهم الصَّحابة المغايرة من قوله تعالى {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} [الأحزاب 56] حين سألوا عن كيفية الصَّلاة مع تقدُّم ذكر الرَّحمة في تعليم السَّلام، وأقرَّهم النَّبي صلى الله عليه وسلم فلو كانت الصَّلاة بمعنى الرَّحمة لقال لهم قد علمتُم ذلك في السَّلام.

وجوَّز الحَليمي أن تكون الصَّلاة بمعنى السَّلام، وفيه نظرٌ، وحديث الباب يردُّ على ذلك، وأولى الأقوال ما تقدَّم عن أبي العالية، ومعناه طلبُ ذلك له من الله تعالى، والمراد طلب الزِّيادة لا طلب أصل الصَّلاة. وقيل صلاة الله على خلقه تكون خاصَّةً، وتكون عامَّةً فصلاته على أنبيائه هي ما تقدَّم من الثَّناء والتَّعظيم، وصلاته على غيرهم الرَّحمة، وهي التي وسعت كلَّ شيءٍ. ونقل القاضي عياض عن أبي بكر القشيري قال الصَّلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم تشريفٌ وزيادة مكرمة، وعلى من دون النَّبي رحمة.

وبهذا التَّقرير يظهرُ الفرق بين النَّبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب 56] وقال قبل ذلك في هذه السُّورة {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} [الأحزاب 43] .

ومن المعلوم أنَّ القدر الَّذي يليقُ بالنَّبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أرفع ممَّا يليق بغيره، والإجماع منعقدٌ على أنَّ في هذه الآية من تعظيم النَّبي صلى الله عليه وسلم والتَّنويه بشأنه ما ليس في غيرها.

وقال الحَليمي في «الشعب» معنى الصَّلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم التَّعظيم؛ أي عَظِّمه في الدُّنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعتهِ، وفي الآخرة بإجزالِ مثوبتهِ وتشفيعهِ في أمَّته، وإبداءِ فضيلتهِ بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمرادُ بقوله {صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزاب 56] ادعوا ربَّكم بالصَّلاة عليه، ولما كان البشر عاجزًا

ج 26 ص 535

عن أن يبلغَ قدر الواجب له من ذلك شُرِعَ لنا أن نحيلَ أمرَ ذلك على الله تعالى بأن نقول اللَّهمَّ صل على محمد؛ أي لأنَّك أنت العالم بما يليقُ به من ذلك.

ولا يعكِّر على ذلك عطف آله وأزواجه وذريَّته عليه، فإنَّه لا يمتنع أن يُدعى لهم بالتَّعظيم، إذ تعظيم كلِّ أحدٍ بحسب ما يليقُ به، وما تقدَّم عن أبي العالية أظهرُ فإنَّه يحصلُ به استعمال لفظ الصَّلاة بالنَّسبة إلى الله وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد.

ويؤيِّده أنَّه لا خلافَ في جواز التَّرحُّم على غير الأنبياء، واختلفَ في جواز الصَّلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا اللَّهمَّ صل على محمد، اللَّهمَّ ارحمْ محمدًا، أو ترحم على محمَّد لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة، وكذا الرَّحمة لسقط الوجوب في التَّشهُّد عند من يوجبه بقول المصلِّي في التَّشهُّد السَّلام عليك أيُّها النَّبي ورحمة الله وبركاته، ويمكن الانفصال عنه بأنَّ ذلك وقع بطريق القصد فلابدَّ من الإتيانِ به، ولو سبق الإتيان بما يدلُّ عليه.

(وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) واختلف في المراد بآل محمد في هذا الحديث، والرَّاجح أنَّهم من حُرِّمت عليهم الصَّدقة، وهذا نصُّ الشَّافعي، واختاره الجمهور. ويؤيِّده قول النَّبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما (( إنَّا آل محمد لا تحلُّ لنا الصَّدقة ) ). وقد تقدَّم في (( البيوعِ ) ) [خ¦1485] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولمسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة في أثناء حديث مرفوع (( إنَّ هذه الصَّدقة أوساخ النَّاس، وإنَّها لا تحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآل محمد ) ).

وقال أحمد المراد بآل محمَّدٍ في حديث التَّشهُّد أهل بيته، وعلى هذا فهل يجوزُ أن يقولَ أهلُ عوض آل؟ فيه روايتان عندهم، وقيل المراد بآل محمد أزواجه وذرِّيَّته؛ لأنَّ أكثر طُرق هذا الحديث جاء بلفظ (( وآل محمد ) ). وجاء في حديث أبي حُميد موضعه (( وأزواجه وذرِّيَّته ) ) [خ¦3369] فدلَّ على أنَّ المرادَ بالآل الأزواج والذُّرِّيَّة. وتُعُقِّب بأنَّه ثبتَ الجمع بين الثَّلاثة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيحملُ على أنَّ بعض الرُّواة حفظَ ما لم يحفظ غيره، فالمرادُ بالآل في التَّشهُّد الأزواج ومن حُرِّمت عليهم الصَّدقة،

ج 26 ص 536

ويدخلُ فيهم الذُرِّيَّة فبذلك يجمعُ بين الأحاديث. وقد أطلق على أزواجه آل محمد في حديث عائشة رضي الله عنها (( ما شبعَ آل محمد من خبز مأدوم ثلاثًا ) ) [خ¦5374] .

وقيل المراد بالآل ذرِّيَّة فاطمة رضي الله عنها خاصَّةً حكاه النَّووي في «شرح المهذب» ، وقيل هم جميع قريش، حكاه ابنُ الرِّفعة في «الكفاية» ، وقيل المراد بالآل جميع الأمَّة أمَّة الإجابة.

قال ابنُ العربي مال إلى ذلك مالك، واختاره الأزهريُّ، وحكاه أبو الطَّيِّب الطَّبري عن بعض الشَّافعية، ورجَّحه النَّووي في «شرح مسلم» ، وقيَّده القاضي حسين والرَّاغب بالأتقياء منهم، وعليه يُحمل كلام من أطلق. ويؤيِّده قوله تعالى {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال 34] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ أوليائي منكم المتقُّون ) ). وفي «نوادر أبي العيناء» أنَّه غضَّ من بعض الهاشميين فقال له أتغضُّ منِّي وأنت تصلِّي عليَّ في كلِّ صلاةٍ في قولك اللَّهمَّ صلِّ على محمد، وعلى آل محمد؟ فقال إنِّي أريد الطَّيِّبين الطَّاهرين، ولست منهم.

ويمكن أن يُحملَ كلام من أطلقَ على أنَّ المراد بالصَّلاة الرَّحمة المطلقة، فلا يحتاجُ إلى تقييدٍ، وقد استدلَّ لهم بحديث أنسٍ رضي الله عنه رفعه (( آل محمد كلُّ تقيٍّ ) )أخرجه الطَّبراني ولكن سنده واهٍ جدًا، وأخرج البيهقي عن جابرٍ رضي الله عنه نحوه من قوله بسندٍ ضعيفٍ.

(كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وعند البيهقي من وجهٍ آخر [عن آدم] شيخ المؤلِّف (( على إبراهيم ) )ولم يقل (( على آل إبراهيم ) ). قال الحافظُ العسقلاني والحقُّ أنَّ ذكر محمد وإبراهيم، وذكر آل محمد وآل إبراهيم ثابتٌ في أصل الخبر، وإنَّما حفظ بعض الرُّواة ما لم يحفظ الآخر، واشتهر السُّؤال عن موقع التَّشبيه مع أنَّ المقرر أنَّ المشبَّه دون المشبَّه به، والواقع هنا عكسه؛ لأنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم وحده أفضلُ من آل إبراهيم، ولا سيَّما قد أضيفَ إليه آل محمد، وقضيَّة كونه أفضل أن تكون الصَّلاة المطلوبة له أفضل من كلِّ صلاةٍ حصلت، أو تحصل لغيره.

وأُجيب عن ذلك بأجوبة

الأوَّل أنَّه قال ذلك قبل أن يعلم أنَّه أفضلُ من إبراهيم، وقد أخرج مسلمٌ من حديث أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رجلًا قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم (( يا خيرَ البريَّة، قال ذاكَ إبراهيمُ ) )أشار إليه ابن العربي، وأيَّده أنَّه سأله لنفسه التَّسوية مع إبراهيم، وأمر أمَّته أن يسألوا له ذلك فزادَهُ الله تعالى بغير سؤال أنَّ فضَّله على إبراهيم، وتُعُقِّب بأنَّه لو كان كذلك

ج 26 ص 537

لغيَّر صفة الصَّلاة عليه بعد أن علم أنَّه أفضل.

الثَّاني أنَّه قال ذلك تواضعًا، وشرعَ ذلك لأمَّته ليكسبوا بذلك الفضيلة.

الثَّالث أنَّ التَّشبيه إنَّما هو لأصل الصَّلاة بأصل الصَّلاة لا للقَدْر بالقَدْر، فهو كقوله تعالى {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [النساء 163] وقوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة 183] ، وهو كقول القائل أحسن إلى والدك كما أحسنت إلى فلان؛ يريد بذلك أصل الإحسان لا قَدْره، ومنه قوله تعالى {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص 77] ، ورجَّح هذا الجواب القرطبي في «المفهم» .

الرابع أنَّ الكاف للتعليل كما في قوله تعالى {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} [البقرة 151] وفي قوله تعالى {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة 198] . وقال بعضهم الكاف على بابها من التَّشبيه، ثمَّ عدلَ عنه للإعلام بخصوصيَّة المطلوب.

الخامس أنَّ المراد أن يجعلَه خليلًا كما جعلَ إبراهيم خليلًا، وأن يجعلَ له لسان صدقٍ كما جعل لإبراهيم مضافًا إلى ما حصلَ له من المحبَّة، ويردُّ عليه ما وردَ على الأول.

وقرَّبه بعضُهم بأنَّه مثل رجلين يملك أحدهما ألفًا، ويملك الآخر ألفين، فسألَ صاحب الألفين أن يُعطى ألفًا أخرى نظير الَّذي أُعطيها الأوَّل، فيصيرُ المجموع للثَّاني أضعافَ ما للأول.

السَّادس أنَّ قوله (( اللَّهمَّ صلِّ على محمد ) )مقطوعٌ عن التَّشبيه، فيكون التَّشبيه متعلِّقًا بقوله (( وعلى آل محمد ) ). وتُعُقِّب بأنَّ غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف يطلب لهم صلاة مثل الصَّلاة التي وقعت لإبراهيم عليه السَّلام والأنبياء من آله.

ويمكن الجواب عن ذلك بأنَّ المطلوب الثَّواب الحاصل لهم لا جميع الصِّفات التي كانت سببًا للثَّواب.

وقد نقل العمراني في «البيان» عن الشَّيخ أبي حامد أنَّه نقل هذا الجواب عن نصِّ الشَّافعي، وأنَّه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا الكلام الَّذي يستلزم هذا التَّركيب الرَّكيك المعيب من كلام العرب، كذا قال، وليس التَّركيب المذكور بركيك بل التَّقدير اللَّهم صل على محمد، وصلِّ على آل محمد كما صلَّيت ... إلى آخره، فلا يمتنع تعلُّق التَّشبيه بالجملة الثَّانية.

ج 26 ص 538

السَّابع أنَّ التَّشبيه إنَّما للمجموع بالمجموع، فإنَّ الأنبياء من آل إبراهيم كثيرةٌ، فإذا قوبلت تلك الذَّوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصِّفات الكثيرة التي لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم انتفى التَّفاضل.

قال الحافظُ العسقلاني ويعكِّر على هذا الجواب أنَّه وقع في حديث أبي سعيدٍ ثاني حديثي الباب [خ¦6358] مقابلة الاسم فقط بالاسم فقط، ولفظه (( اللَّهمَّ صلِّ على محمد كما صلَّيت على إبراهيم ) ).

الثَّامن أنَّ التَّشبيه بالنَّظر إلى ما يحصل لمحمد وآل محمَّدٍ من صلاة كلِّ فردٍ فرد، فيحصل من مجموع صلاة المصلِّين من أول التَّعليم إلى آخر الزَّمان أضعافَ ما كان لآل إبراهيم، وعبَّر الغزيُّ عن هذا بقوله المراد دوام ذلك واستمراره.

التَّاسع أنَّ التَّشبيه راجعٌ إلى المصلي فيما يحصلُ له من الثَّواب لا بالنِّسبة إلى ما يحصلُ للنَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّه يصيرُ كأنَّه قال اللَّهمَّ أعطني ثوابًا على صلاتي على النَّبي صلى الله عليه وسلم كما صلَّيت على إبراهيم، ويمكن أن يجابَ بأنَّ المراد مثل ثوابَ المصلِّي على آل إبراهيم.

العاشر دفع المقدمة المذكورة أولًا، وهي أنَّ المشبَّه به يكون أرفعُ من المشبَّه، وأنَّ ذلك ليس بمطَّرد، بل قد يكون التَّشبيه بالمِثْل، بل وبالدُّون كما في قوله تعالى {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} [النور 35] وأين يقعُ نور المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لمَّا كان المراد من المشبَّه به أن يكون شيئًا ظاهرًا واضحًا للسَّامع حَسُن تشبيه النُّور بالمشكاة، وكذا هنا لمَّا كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصَّلاة عليهم أمرًا ثابتًا واضحًا حَسُن تشبيه الصَّلاة على محمد وآله بالصَّلاة على إبراهيم وآله.

ويؤيِّد ذلك ختم الطَّلب المذكور بقوله {فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات 79] أي كما أظهرت الصَّلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، ولهذا لم يقع في العالمين إلَّا في ذكر آل إبراهيم دون ذكر آل محمَّد على ما وقع في الحديث الذي وردت فيه، وهو حديث أبي مسعودٍ فيما أخرجه مالك ومسلم وغيرهما.

وعبَّر الطِّيبي عن ذلك بقوله ليس التَّشبيه المذكور من باب إلحاق النَّاقص بالكاملِ،

ج 26 ص 539

لكن من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهرَ.

وقال الحَليمي سبب هذا التَّشبيه أنَّ الملائكة قالت في بيتِ إبراهيم {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود 73] ، وقد علم أنَّ محمدًا وآل محمد من أهل بيت إبراهيم، فكأنَّه قال أجب دعاء الملائكة الَّذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما أجبتها عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذٍ، ولذلك ختمَ بما ختمت به الآية، وهو قوله (( إنَّك حميدٌ مجيدٌ ) ).

وقال النَّووي بعد أن ذكر هذه الأجوبة أحسنها ما نسب إلى الشَّافعي، أو التَّشبيه لأصل الصَّلاة بأصل الصَّلاة، وللمجموعِ بالمجموع.

وقال ابن القيِّم بعد أن زيَّف أكثر الأجوبة إلَّا تشبيه المجموع بالمجموعِ، وأحسن منه أن يقال هو صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، وقد ثبتَ ذلك عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران 33] قال محمد من آل إبراهيم، فكأنَّه أمرنا أن نصلِّي على محمَّد وعلى آل محمد خصوصًا بعد ما صلَّينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عمومًا، فيحصلُ لآله ما يليقُ بهم، ويبقى كلُّه له وذلك القدر أزيد ممَّا لغيره من آل إبراهيم قطعًا.

ويظهر حينئذٍ فائدة التَّشبيه، وأنَّ المطلوب له بهذا اللَّفظ أفضلُ من المطلوب بغيره من الألفاظ.

قال الحافظُ العسقلاني ووجدتُ في تصنيف لشيخنا مجد الدِّين الشِّيرازي اللُّغوي جوابًا آخر نقله عن بعضِ أهل الكشفِ حاصله أنَّ التَّشبيه لغير اللَّفظ المشبَّه به لا لعينهِ، وذلك أنَّ المراد بقولنا اللَّهمَّ صلِّ على محمد، اجعل من أتباعه من يبلغ النِّهاية في أمر الدِّين كالعلماء بشرعه يقيمون أمر الشَّريعة، والمراد بقوله وعلى آل محمد، اجعل من أتباعه محدَثين _ بالفتح _ يخبرون بالمغيبات، كما صلَّيت على آل إبراهيم بأن جعلت فيهم أنبياء يخبرون بالمغيبات، فالمطلوبُ حصول صفات الأنبياء لآل محمد وهم أتباعه في الدِّين كما كانت حاصلةً بسؤال إبراهيم.

هذا محصَّلُ ما ذكره وهو جيِّدٌ إن سُلِّم أنَّ المراد اللَّهمَّ استجب دعاء محمد في أمَّته، كما استجبتَ دعاء إبراهيم في بنيهِ،

ج 26 ص 540

ويعكِّر على هذا عطف الآل في الموضعين.

وآل إبراهيم ذرِّيَّته من إسماعيل وإسحاق، كما جزمَ به جماعةٌ من الشُّرَّاح، وإن ثبت أنَّ إبراهيم كان له أولادٌ من غير سارة وهاجر، فهم داخلون لا محالة، ثمَّ المراد المسلمون منهم بل المتَّقون، فيدخلُ فيهم الأنبياء والصِّديقون والشُّهداء والصَّالحون دون من عداهم، والله تعالى أعلم.

(إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أمَّا الحميد، فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له من صفات الحمدِ أكملها، وقيل هو بمعنى الحامد؛ أي يحمدُ أفعالَ عباده، وأمَّا المجيدُ فهو من المجد فهو صفةٌ من كَمُل في الشَّرف وهو مستلزمٌ للعظمةِ والجلال، كما أنَّ الحمدَ يدلُّ على صفةِ الإكرام، ومناسبة ختم هذا الدُّعاء بهذين الاسمين العظيمين أنَّ المطلوبَ تكريم الله تعالى لنبيِّه، وثناؤه عليه، والتَّنويه بشأنهِ وزيادة تقريبهِ، وذلك ممَّا يستلزمُ طلب الحمدِ والمجد، ففي ذلك إشارةٌ إلى أنَّهما كالتَّعليل للمطلوب، أو كالتَّذييل له.

والمعنى إنَّك فاعل ما تستوجبُ به الحمد من النِّعم المترادفة، كريمٌ بكثرةِ الإحسان إلى جميع عبادك، ومن محامدِكِ وإحسانك أن توجه صلاتك وبركاتك وترحُّمك على حبيبكِ نبيِّ الرحمة وآله.

(اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ) أي أثبت له وأدم له ما أعطيته من التَّشريف والكرامة، وزده من الكمالات ما يليقُ بك وبه (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه أوضح الإبهام الَّذي فيها، وبيَّن أنَّ المراد كيفية الصَّلاة، وقد مضى الحديث في (( تفسير سورة الأحزاب ) ) [خ¦4797] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت