فهرس الكتاب

الصفحة 9473 من 11127

6358 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، هو ابنُ محمد بن حمزة بن مصعب بن الزُّبير بن العوام، أبو إسحاق القرشي الأسدي الزُّبيري المدني، والد مصعب بن إبراهيم، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، هو عبدُ العزيز بن أبي حازم، واسم أبي حازم سلمة بن دينار المدني (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) بفتح الدال المهملة والراء وبعد الألف واو مفتوحة فراء ساكنة فدال مهملة، هو عبدُ العزيز بن محمد،

ج 26 ص 541

وابن أبي حازم ممَّن يَحتجُّ به البُخاري، والدَّراوردي إنَّما يُخرج له في المتابعات أو مقرونًا بآخر (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة، هو ابنُ عبد الله بن أسامة بن الهاد اللَّيثي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى، الأنصاري.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا السَّلاَمُ عَلَيْكَ) أي عرفناه كما وقع تقريره في الحديث الأول (فَكَيْفَ نُصَلِّي) أي عليك (قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ) كذا في (( اليونينيَّة ) )بإثبات (( على ) )، في قوله (( وبارك على محمد وعلى آل محمد ) )، وفي أكثر النُّسخ بإسقاط (( على ) )في (( آل ) )في الموضعين، وإثبات (( إبراهيم ) )في الموضعين بخلاف الحديث الأول.

وسبق [خ¦6357] أنَّ بعض الرُّواة حفظ ما لم يحفظه الآخر فلا حاجة إلى القول بأنَّ ذكر الآل مقحمٌ على رواية الحديث الأول. فإن قيل لم قال كما صلَّيت على إبراهيم ولم يقل على موسى؟

أجاب عنه المرجاني بأنَّ موسى عليه السَّلام كان التَّجلِّي له بالجلال فخرَّ موسى صعقًا، والخليل كان التَّجلِّي له بالجمال؛ لأنَّ المحبَّة والخلَّة من آثار التَّجلِّي بالجمالِ، فلذا أَمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يُصلَّى عليه كما صلى الله على إبراهيم، وهذا لا يقتضي التَّسوية بينه وبين الخليل في الوصف الَّذي هو التَّجلي بالجمال، فإنَّ الحقَّ سبحانه يتجلَّى بالجمال لشخصين بحسب مقاميهما، وإن اشتركا في أصل التَّجلي بالجمال، فيتجلى لكلِّ واحدٍ منهما بحسب مقامهِ عنده ومكانته، انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة كسابقه.

وقد مضى أيضًا في (( تفسير سورة الأحزاب ) ) [خ¦4798] ، وقد استُدلَّ بهذين الحديثين على تعيُّن اللَّفظ الوارد من النَّبي صلى الله عليه وسلم الذي علَّمه لأصحابه في امتثالِ الأمر، سواء قلنا بالوجوب مطلقًا، أو مقيدًا بالصَّلاة على اختلاف فيه، فأمَّا تعيُّنه في الصَّلاة فعن أحمد فيه رواية، والأصحُّ عند أصحابه لا يجب، واختلف في الأفضل، فعن أحمد أكمل ما ورد، وعنه يتخيَّر، وأمَّا الشَّافعيَّة فقالوا يكفي أن يقول اللَّهمَّ صل على محمد، واختلفوا هل يكفِي الإتيان بما يدلُّ على ذلك

ج 26 ص 542

كأن يقول بلفظ الخبر، فيقول صلى الله على محمد مثلًا؟ والأصحُّ إجزاؤه، وذلك أنَّ الدُّعاء بلفظ الخبر آكدُ، فيكون جائزًا بطريق الأولى، ومن منع وقف عند التَّعبُّد، وهو الَّذي رجَّحه ابنُ العربي، بل كلامه يدلُّ على أنَّ الثَّواب الوارد لمن صلَّى على النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما يحصل لمن صلَّى عليه بالكيفيَّة المذكورة.

واتَّفقت الشَّافعية على أنَّه لا يُجزئ أن يقتصرَ على الخبر كأن يقول الصَّلاة على محمَّد، إذ ليس فيه إسنادُ الصَّلاة إلى الله تعالى، واختلفوا في تعين لفظ (( محمد ) )، لكن جوزوا الاكتفاء بالوصف دون الاسم كالنَّبي ورسول الله؛ لأنَّ لفظ (( محمد ) )وقع التَّعبُّد به فلا يجزئ عنه إلَّا ما كان أعلى منه، ولهذا قالوا لا يجزئ الإتيان بالضَّمير ولا بأحمد مثلًا في الأصحِّ فيهما مع عدم ذكره في التَّشهُّد بقوله النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبقوله محمد.

وذهب الجمهورُ على الإجزاء بكلِّ لفظٍ أدَّى المراد من الصَّلاة عليه صلى الله عليه وسلم، حتَّى قال بعضهم لو قال في أثناء التَّشهُّد الصَّلاة والسَّلام عليك أيُّها النَّبي أجزأ، وكذا لو قال أشهد أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله بخلاف ما إذا قدَّم عبده ورسوله، وهذا ينبغي أن يبتنى على أنَّ ترتيب ألفاظ التَّشهُّد لا يشترط وهو الأصحُّ، ولكن دليل مقابله أقوى؛ لقولهم (( كما يعلِّمنا السُّورة ) ).

هذا وقد استُدِلَّ بالحديثين على فضيلة الصَّلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم من جهة ورودِ الأمر بها، واعتناء الصَّحابة بالسُّؤال عن كيفيَّتها، وقد وردَ في التَّصريح بفضلها أحاديث قويَّة أمثَلُها ما أخرجه مسلمٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( من صلى عليَّ واحدةً صلى الله عليه عشرًا ) ). وله شاهدٌ من حديث أنسٍ رضي الله عنه عند أحمد والنَّسائي وصحَّحه ابن حبَّان، وعن أبي بُردة، وأبي طلحة كلاهما عند النَّسائي ورواتهما ثقاتٌ. ولفظ أبي بردة (( من صلى عليَّ من أمَّتي صلاةً مخلصًا من قلبه صلى الله عليه بها عشرَ صلوات، ورفعه بها عشر درجاتٍ، وكتبَ له بها عشرَ حسناتٍ، ومحا عنه عشر سيِّئاتٍ ) )، ولفظ أبي طلحة عنده نحوه، وصححه ابن حبَّان.

ج 26 ص 543

ومنها حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه رفعه (( إنَّ أولى النَّاس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاةً ) )حسَّنه التِّرمذي، وصححه ابن حبَّان. وله شاهدٌ عند البيهقي عن أبي أُمامة رضي الله عنه بلفظ (( صلاة أمَّتي تعرض عليَّ كلَّ يوم جمعة، فمن كان أكثرهم عليَّ صلاةً كان أقربهم منِّي منزلة ) )ولا بأس بسنده، وفي ذلك الباب كثرة.

وقال الحَليمي المقصود بالصَّلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم التَّقرُّب إلى الله تعالى بامتثال أمره، وقضاء حقِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم علينا، وتبعه ابن عبد السَّلام فقال ليست صلاتنا على النَّبي صلى الله عليه وسلم شفاعة له، فإنَّ مثلنا لا يشفع لمثله، ولكنَّ الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافينا بالدُّعاء، فأرشدنا الله لمَّا علم عجزنا عن مكافأة نبيِّنا إلى الصَّلاة عليه.

وقال ابنُ العربي فائدة الصَّلاة عليه ترجع إلى الَّذي يصلِّي عليه لدَلالة ذلك على نصوح العقيدة، وخلوص النِّيَّة، وإظهار المحبَّة، والمداومة على الطَّاعة والاحترام للواسطة الكريمة صلى الله عليه وسلم.

ومن المواطن التي اختلف في وجوب الصَّلاة عليه فيها التَّشهد الأول، وخطبة الجمعة وغيرها من الخطب، وفي صلاة الجنازة، وممَّا يتأكد _ووردتْ فيه أخبار خاصَّة أكثرها بأسانيد جيِّدة_ عقب إجابة المؤذن، وأوَّل الدُّعاء وأوسطه وآخره، وفي أوله آكد. ويتقوَّى ذلك بما أخرجه التِّرمذي عن عمر رضي الله عنه موقوفًا الدُّعاء موقوفٌ بين السَّماء والأرض لا يصعدُ منه شيءٌ حتَّى يصلَّى على النَّبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابنُ العربي ومثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون له حكمُ الرفع، وكذا في آخر القنوت، وفي أثناء تكبيرات العيد، وعند دخولِ المسجد والخروج منه، وعند الاجتماع والتَّفرُّق، وعند السَّفر والقدوم، وعند القيام لصلاة اللَّيل، وعند ختم القرآن، وعند الهمِّ والكرب، وعند التَّوبة من الذَّنب، وعند قراءة الحديث، وتبليغ العلم والذِّكر، وعند نسيان الشَّيء.

وورد ذلك أيضًا في أحاديث ضعيفة عند استلام الحجر، وعند طنين الأذن، وعند التَّلبية، وعقيبَ الوضوء، وعند الذَّبح والعطاس، وورد المنع

ج 26 ص 544

منها أيضًا، ووردَ الأمرُ بالإكثار منها يوم الجمعة في حديثٍ صحيحٍ. وأمَّا في التَّشهُّد الأخير فالصَّحيح هو القولُ بوجوبها فيه.

وقد أخرج البيهقي في «الخلافيات» بسندٍ قويٍّ عن الشَّعبي وهو من كبار التَّابعين قال من لم يصلِّ على النَّبي صلى الله عليه وسلم في التَّشهُّد فليعدْ صلاته، وهو المنقول عن الشَّافعي. وذكر ابن الحاجب من المالكيَّة أنَّها من سنن الصَّلاة، ثمَّ قال على الصَّحيح. فقال ابن عبد السَّلام يريد أنَّ في وجوبها قولين وهو ظاهرُ كلام ابن الموَّاز منهم، وجاء عن أحمد روايتان أيضًا، وعن إسحاق الجزم بوجوبه فقال إذا تركها يعيدُ.

وأمَّا الحنفيَّة فنقل السُّروجي في «شرح الهداية» عن أصحاب «المحيط» و «التحفة» وغيرها من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التَّشهُّد؛ لتقدُّم ذكره في آخر التَّشهد، ولهم أن يلتزموا ذلك، لكن لا يجعلونه شرطًا في صحَّة الصَّلاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت