فهرس الكتاب

الصفحة 9499 من 11127

6373 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين (أَنَّ أَبَاهُ) سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (قَالَ عَادَنِي) بالدال المهملة؛ أي زارني لأجل مرضٍ حصل لي (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ شَكْوَى) بغير تنوين؛ أي من مرضٍ.

(أَشْفَيْتُ) بالمعجمة السَّاكنة وبعد الفاء تحتية ساكنة؛ أي أشرفت (منه عَلَى الْمَوْتِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني ، ورواية (( منه ) )باعتبار المرض، والمراد به المبالغة في شدَّة مرضه، واتَّفق أصحاب الزُّهري على أنَّ ذلك كان في حجة الوداع إلَّا ابن عيينة، فإنَّه قال في فتح مكة، أخرجه التِّرمذي وغيره من طريقه. واتَّفق الحفاظ على أنَّه وهمٌ فيه.

نعم ورد عند أحمد والبزَّار والطَّبراني والبُخاري في «تاريخه» وابن سعدٍ من حديث عمرو بن القاري ما يدلُّ لرواية ابن عيينة، ويمكن الجمع بينهما بالتَّعدد مرَّتين مرَّةً عام الفتح، وأخرى في حجَّة الوداع.

(فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَ بِي مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ) أي صاحب مالٍ، وكان حصل له من الفتوحات شيءٌ كثير [1] (وَلاَ يَرِثُنِي) من أرباب الفروض أو من الأولاد (إِلاَّ ابْنَةٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ

ج 26 ص 568

(لِي وَاحِدَةٌ) واسمها أمُّ الحكم الكبرى، وقال العيني عائشة (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) بفتح المثلثة الثَّانيَّة وسكون التَّحتية، والتَّعبير بقوله (( أفأتصدق ) )يحتمل التَّنجيز والتَّعليق بخلاف (( أفأوصي ) )، لكن المخرج متَّحد فيحمل على التَّعليق جمعًا بين الرِّوايتين.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ، قُلْتُ) يا رسول الله (فَبِشَطْرِهِ؟) أي نصفه (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الثُّلُثُ كَثِيرٌ) بالمثلثة، ويروى بالموحدة يعني الثلث كاف وهو كثيرٌ (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) بفتح الهمزة وبالذال المعجمة؛ أي أن تدع.

(وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَالَةً) بالعين المهملة وتخفيف اللام، جمع عائل، وهو الفقير (يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) أي يمدُّون أكفُّهم إلى النَّاس بالسُّؤال، أو يسألون ما يكفُّ عنهم الجوع.

(وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ) تعالى (إِلاَّ أُجِرْتَ) بضم الهمزة وكسر الجيم على البناء للمفعول؛ أي أُثِبْتَ عليها، والجملة عطف على قوله (( إنك أن تذر. .. إلى آخره ) )وهو علَّةٌ للنَّهي عن الوصية بأكثر من الثُّلث كأنَّه قيل لا تفعل لأنَّك إن متَّ وتذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم فقراء، وإن عشت وتصدَّقت بما بقي من الثَّلث، وأنفقت على عيالك يكن خيرًا لك.

(حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ) أي في فم امرأتك، قال سعد (قُلْتُ) يا رسول الله (أَأُخَلَّفُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول وفوق الهمزة مدة في اليونينيَّة (بَعْدَ أَصْحَابِي؟) أي أأبقى في مكَّة بعدهم؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) بفتح اللام المشددة على البناء للمفعول (فَتَعْمَلَ) بالنَّصب عطفًا عليه (عَمَلًا) صالحًا (تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ) تعالى (إِلاَّ ازْدَدْتَ) أي بالعمل الصَّالح (دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين.

(وَيُضَرَّ) بضم الياء وفتح الضاد على البناء للمفعول (بِكَ آخَرُونَ) من المشركين، فيه إشارةٌ على طول عمره، وهو من المعجزات، فإنَّه عاش حتَّى فتح العراق، وانتفع به أقوام من المسلمين، وتضرَّر به المشركون، وقيل إنَّ عُبيد الله أمَّر عمر بن سعد ولده على الجيش الَّذين لقوا الحسين رضي الله عنه فقتلوه بأرض كربلاء.

ج 26 ص 569

(اللَّهُمَّ أَمْضِ) بقطع الهمزة؛ أي أتمم، يقال أمضيتُ الأمر؛ أي أنفذته وأتممته (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) من مكَّة إلى المدينة ولا تنقصها عليهم (وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم.

وقال الدَّاودي لم يكن للمهاجرين الأولين أن يقيموا بمكَّة إلَّا ثلاثًا بعد الصَّدر فدعا لهم بالثَّبات على ذلك.

(لَكِنِ الْبَائِسُ) بالموحدة، وهو من أصابه البؤس؛ أي الفقر وسوء الحال.

وقال الكرماني شديد الحاجة، وهو منصوب بقوله (( لكن ) )إن كانت مشدَّدة، وخبره هو قوله

(سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، وإن كانت مخففة يكون (( البائسُ ) )مبتدأ، وخبره سعدُ ابن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي من أنفسهم عند البعض، وحليفٌ لهم عند الآخرين، وكان من مهاجرة الحبشة الهجرة الثَّانيَّة في قول الرَّاوي.

(قَالَ سَعْدٌ رَثَى) بفتح الراء والمثلثة بلفظ الماضي؛ أي تحزَّن وتوجَّع، وقيل أي ترحَّم عليه، ورقَّ له من جهة وفاته بمكَّة، وكان يتمنَّى أن يموت بغيرها.

(لَهُ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ تُوُفِي) على البناء للمفعول (بِمَكَّةَ) في حجَّة الوداع، وقيل في فتح مكَّة، وإنَّما رثى له صلى الله عليه وسلم لكونه مات بمكَّة وهي الأرض الَّتي هاجر منها.

وفي «التوضيح» وإنَّما رثى له صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه قال كلُّ من هاجر من بلده يكون له ثواب الهجرة من الأرض التي هاجر منها إلى الأرض الَّتي هاجر إليها إلى يوم القيامة، فَحُرِمَ ذلك لمَّا مات بمكَّة، وقيل رجع إلى مكَّة بعد شهوده بدرًا، وقد أطال المقام بها بغير عذرٍ، ولو كان له عذرٌ لم يأثم، وكان موته في حجَّة الوداع.

وقال ابن المزين من المالكيَّة إنَّما رثى له صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه أسلم وأقام بمكَّة ولم يهاجر، وأنكروا ذلك عليه؛ لأنَّه معدودٌ من البدريين عند أهل (( الصَّحيح ) )، كما ذكره البُخاري [خ¦4027 بعد] وغيره.

ثمَّ قوله (( قال سعد. .. إلى آخره ) )من قول الزُّهري، متمسِّكًا بما ورد في بعض طرقه، وفيه قال الزُّهري ... إلى آخره، فإنَّ ذلك يرجع إلى اختلاف الرُّواة عن الزُّهري هل وصل ذلك القدر عن سعدٍ، أو قال من قبل نفسه؟ والحكم للوصل؛ لأنَّ مع راويه زيادة علمٍ وهو حافظٌ.

ثمَّ إنَّ قوله (( قال سعد. .. إلى آخره ) )صريحٌ في وصل قوله (( لكنَّ البائس. .. إلى آخره ) )فلا يكون

ج 26 ص 570

مدرجًا من قول الزُّهري، ولا من إبراهيم بن سعد؛ كما ادَّعاه ابن الجوزي وغيره.

وفي الحديث جواز إخبار المريض بشدَّة مرضه، وقوَّة ألمه إذا لم يقترن به ما يمنع كعدم الرِّضا وغير ذلك.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة يمكن أن تؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم (( اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم ) )فإنَّ فيه إشارةٌ إلى الدُّعاء لسعدٍ بالعافية ليرجع إلى دار هجرته وهي المدينة، ولا يستمرَّ مقيمًا بسبب الوجع بالبلدة التي هاجر منها وهي مكَّة، وإلى ذلك الإشارة بقوله (( لكن البائس سعد ابن خولة ) )، وقد ذكر المصنِّف هذا الحديث في (( الجنائز ) ) [خ¦1295] ، و (( الوصايا ) ) [خ¦2743] ، و (( المغازي ) ) [خ¦4409] ، و (( الهجرة ) ) [خ¦3936] ، و (( الطب ) ) [خ¦5668] ، و (( الفرائض ) ) [خ¦6733] أيضًا.

[1] الفتوحات إنما جاءت لاحقًا فتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت