فهرس الكتاب

الصفحة 9525 من 11127

6389 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيد البصري (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ) هو ابنُ صهيب (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ آتِنَا) وفي رواية الكُشميهني (فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) الجار في قوله (( في الدُّنيا ) )يتعلق بقوله (( آتنا ) )أو بمحذوف على أنَّه حال من (( حسنة ) )؛ لأنَّه كائنٌ في الأصل صفة لها، فلمَّا قُدِّم عليها انتصب حالًا، والواو في قوله (( وفي الآخرة ) )عاطفة شيئين على شيئين متقدِّمين، فـ (( في الآخرة ) )عطف على (( في الدُّنيا ) )بإعادة العامل، و (( حسنة ) )عطف على (( حسنة ) )والواو تعطفُ شيئين فأكثر على شيئين فأكثر

ج 26 ص 589

تقول أعلم الله زيدًا عمرًا فاضلًا، وبكرًا خالدًا صالحًا، إلَّا أن تنوبَ عن عاملين، ففيه خلافٌ وتفصيل مذكورٌ في محلِّه.

وقد ورد الرِّوايات في هذا الحديث مختلفةٌ، فقد سبق في (( سورة البقرة ) )عن أبي معمر، عن عبد الوارث بسنده هذا [خ¦4522] ، ولكن لفظه (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول ... ) ). والباقي مثله. وأخرجه مسلمٌ من طريق إسماعيل ابن عُلَيَّة، عن عبد العزيز قال سأل قتادة أنسًا رضي الله عنه أيُّ دعوةٍ كان يدعو بها النَّبي صلى الله عليه وسلم أكثر؟ قال (( اللَّهمَّ آتنا في الدُّنيا حسنة. .. إلى آخره ) )قال وكان أنسٌ رضي الله عنه إذا أراد أن يدعو بدعوةٍ دعا بها.

وهذا الحديث سمعه شعبة من إسماعيل بن عُلَيَّة، عن عبد العزيز، عن أنسٍ رضي الله عنه مختصرًا، رواه يحيى ابن بُكير، قال يحيى فلقيت إسماعيل فحدَّثني به فذكره، كما عند مسلم. وأورده مسلم من طريق شعبة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقول {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة 201] الآية، وهذا مطابقٌ للفظ التَّرجمة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي نُعيم حدثنا عبد السَّلام أبو طالوت (( كنت عند أنسٍ فقال له يا أبت إنَّ إخوانك يسألونك أن تدعوَ لهم؟ فقال اللَّهمَّ آتنا في الدُّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النَّار ) )، وفيه (( إذا آتاكُم الله ذلك فقد آتاكم الخير كله ) ).

قال القاضي عياض إنَّما كان يكثر الدُّعاء بهذه الآية لجمعها معاني الدُّعاء كلِّها من أمر الدُّنيا والآخرة، قال والحسنة عندهم هاهنا النِّعمة فسأل نعيم الدُّنيا والآخرة، والوقاية من العذاب، نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بذلك ودوامه.

وقد اختلفت عبارات السَّلف في تفسير الحسنة، فعن الحسن قال هي العلم والعبادة في الدُّنيا، وفي الآخرة الجنَّة. أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ صحيحٍ. وعنه بسندٍ ضعيفٍ الرِّزق الطَّيِّب والعلم النَّافع، وفي الآخرة الجنَّة. وتفسير الحسنة في الآخرة بالجنَّة، نقله ابن أبي حاتم أيضًا عن السُّدِّي، ومجاهد، وإسماعيل بن أبي خالد، ومقاتل بن حيان. وعن ابن الزُّبير

ج 26 ص 590

يعملون في دنياهم لدنياهم وآخرتهم. وعن قتادة العافية في الدُّنيا والآخرة. وعن محمد بن كعب القُرظي الزوجة الصَّالحة من الحسنات. ونحوه عن يزيد بن مالك. وأخرج ابنُ المنذر من طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال الحسنة في الدُّنيا المُنَى، ومن طريق السُّدِّي قال المال.

ونقل الثَّعلبي عن السُّدِّي ومقاتل حسنة الدُّنيا الرِّزق الحلال الواسع، والعمل الصَّالح، وحسنة الآخرة المغفرة والثَّواب. وعن عطيَّة حسنة الدُّنيا العلم والعمل به، وحسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنَّة.

وبسنده عن عوفٍ قال من آتاهُ الله الإسلام والقرآن، والأهل والمال والولد، فقد آتاه الله في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة.

ونقل الثَّعلبي عن سلف الصَّوفية أقوالًا أخرى متغايرة اللَّفظ، متوافقة المعنى حاصلها السَّلامة في الدُّنيا وفي الآخرة، وقيل الحسنة في الدُّنيا الصِّحَّة، والأمن، والكفاية، والولد، والزَّوجة الصَّالحة، والنَّصر على الأعداء، وفي الآخرة الفوز بالثَّواب، والخلاص من العقاب.

وقال الشَّيخ عماد الدين ابن كثير الحسنة في الدُّنيا تشملُ كلَّ مطلوبٍ دنيويٍّ من عافيةٍ، ودار رحبة، وزوجةٍ حسنةٍ، وولدٍ بارٍّ، ورزقٍ واسعٍ، وعلمٍ نافعٍ، وعملٍ صالحٍ، ومركبٍ هنيٍّ، وثناءٍ جميلٍ، إلى غير ذلك ممَّا اشتملته عباراتهم، فإنَّها كلُّها مندرجةٌ في الحسنة في الدُّنيا.

وأمَّا الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنَّة وتوابعه من الأمن، وأمَّا الوقاية من عذاب النَّار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدُّنيا من اجتناب المحارم، وترك الشُّبهات.

قال الحافظُ العسقلاني أو العفو محضًّا، ومراده بقوله وتوابعه ما يلتحق به في الذِّكر لا ما يتبعه حقيقة.

واقتصر صاحب «الكشاف» على ما نقله الثَّعلبي عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّها في الدُّنيا المرأة الصَّالحة، وفي الآخرة الحوراء، وعذاب النَّار المرأة السُّوء، ومنشأ الخلاف كما قال الإمام فخر الدَّين أنَّه لو قيل (( آتنا في الدُّنيا الحسنة ) )وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولًا

ج 26 ص 591

لكلِّ الحسنات، لكنَّه نكر في محلِّ الإثبات فلا يتناول إلَّا حسنةً واحدةً، فلذلك اختلفَ المفسرون فكلُّ واحدٍ منهم حمل اللَّفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة، وهذا بناء منه على أنَّ المفرد المعرَّف باللام يعمُّ، وقد اختار في «المحصول» خلافه.

ثمَّ قال فإن قيل أليس لو قيل آتنا الحسنة في الدُّنيا، والحسنة في الآخرة لكان متناولًا لكلِّ الأقسام، فلم ترك ذلك وذكره منكَّرًا؟

وأجاب بأن قال إنا بيَّنا أنَّه ليس للدَّاعي أن يقول اللَّهمَّ أعطني كذا وكذا، بل يجبُ أن يقول اللَّهمَّ أعطني إن كان كذا وكذا مصلحة لي، وموافقة لقضائك وقدرك فأعطني ذلك، فلو قال اللَّهمَّ أعطني الحسنة في الدُّنيا لكان ذلك جزمًا، وقد بيَّنا أنَّ ذلك غير جائزٍ، فلمَّا ذكره على سبيل التَّنكير كان المراد منه حسنة واحدة، وهي الَّتي توافقُ قضاءه وقدره، فكان ذلك أقربُ إلى الإجابة ورعاية الأدب.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد سبق الحديث في (( تفسير سورة البقرة ) ) [خ¦4522] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت