فهرس الكتاب

الصفحة 9552 من 11127

6405 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) مولى أبي بكرٍ بن عبد الرَّحمن المخزومي (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) الواو فيه للحال تقديره سبَّحت الله ملتبسًا بحمدي له من أجل توفيقه لي للتَّسبيح ونحوه (فَي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) متفرِّقة بعضها في أوَّل النَّهار، وبعضها في آخره أو متواليةٌ، وزاد في رواية سُهيل بن أبي صالحٍ، عن سُمي، عن أبي صالحٍ (( من قال حين يمسي وحين يصبح ) )ويأتي في ذلك ما ذكره النَّووي من أنَّ الأفضل أن يقول ذلك متواليًا في أوَّل النَّهار أو في أوَّل اللَّيل.

(حُطَّتْ خَطَايَاهُ) الَّتي بينه وبين الله من حقوق الله (وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) وهذا وأمثاله نحو ما طلعت عليه الشَّمس [خ¦3253] ، كناياتٌ عُبِّر بها عن الكثرة.

قال القاضي عياض قوله «حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» مع قوله في التَّهليل «محيت منه مائة سيِّئةٍ» [خ¦6403] ، قد يشعر بأفضلية التَّسبيح على التَّهليل من حيث إنَّ عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة، لكن تقدَّم في «التَّهليل» «ولم يأت أحدٌ بأفضل ممَّا جاء به» [خ¦6403] فيُحتمل أن يجمع بينهما بأن يكون التَّهليل أفضل، وأنَّه ممَّا يزيد في رفع الدَّرجات وكتب الحسنات، ثمَّ ما جعل مع ذلك من فضل عتق الرِّقاب قد يزيد على فضل التَّسبيح وتكفيره الخطايا إذ ورد (( أنَّ من أعتق رقبةً أعتق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النَّار ) )فيَحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا عمومًا بعد ما حصر خصوصًا مع زيادة مائة درجةٍ.

ويؤيِّده الحديث الآخر (( أفضل الذِّكر التَّهليل ) )وإنَّه أفضل ما قاله هو والنَّبيُّون من قبله، وهو كلمة التَّوحيد والإخلاص.

وقيل إنَّه اسم الله الأعظم، وقد مضى شرح التَّسبيح [خ¦6403] أنَّه التَّنزيه

ج 27 ص 13

عمَّا لا يليق بالله تعالى، وجميع ذلك داخلٌ في ضمن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيءٍ قديرٍ انتهى ملخصًا.

وحديث (( أفضل الذِّكر لا إله إلَّا الله ) )أخرجه التِّرمذي والنَّسائي وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم من حديث جابر رضي الله عنه، ويعارضه في الظَّاهر حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه (( قلت يا رسول الله أخبرني بأحبِّ الكلام إلى الله؟ قال إنَّ أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده ) )أخرجه مسلم.

وفي روايةٍ (( سئل أيُّ الكلام أفضل؟ قال ما اصطفاه الله لملائكته. سبحان الله وبحمده ) ).

وقال الطِّيبي في الكلام على حديث أبي ذرٍّ فيه تلميح إلى قوله تعالى حكايةً عن الملائكة {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة 30] ويمكن أن يكون قول (( سبحان الله وبحمده ) )مختصرًا من الكلمات الأربع وهي (( سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر ) )لأنَّ سبحان الله تنزيهٌ له عمَّا لا يليق بجلاله، وتقديسٌ لصفاته من النَّقائص، فيندرج فيه معنى لا إله إلَّا الله.

وقوله (( وبحمده ) )صريحٌ في معنى والحمد لله؛ لأنَّ الإضافة بمعنى اللَّام في الحمد، ويستلزم ذلك معنى والله أكبر؛ لأنَّه إذا كان الفضل والإفضال لله ومن الله وليس من غيره شيءٌ من ذلك فلا يكون أكبر منه، ومع ذلك فلا يلزم أن يكون التَّسبيح أفضل من التَّهليل؛ لأنَّ التَّهليل صريحٌ في التَّوحيد والتَّسبيح متضمِّنٌ له، ولأنَّ نفي الإلهيَّة في قول «لا إله إلَّا الله» يتضمَّن نفي فعل الخلق والرِّزق والإثابة والعقوبات عن غيره، وحصره فيه، فيكون قوله «إلَّا الله» إثباتًا لذلك كلَّه لله تعالى، ويلزم منه نفي ما يضاده ويخالفه من النَّقائص فمنطوق «سبحان الله» تنزيهٌ، ومفهومه توحيدٌ، ومنطوق «لا إله إلَّا الله» توحيدٌ، ومفهومه تنزيهٌ، فيكون «لا إله إلَّا الله» أفضل من التَّسبيح؛ لأنَّ التَّوحيد أصلٌ، والتَّنزيه ينشأ منه، والله أعلم.

وقد جمع القرطبيُّ بما حاصله أنَّ هذه الأذكار إذا أُطلق على بعضها أنَّه أفضل الكلام أو أحبَّه إلى الله، والمراد إذا انضمَّ إلى أخواتها بدليل حديث سَمُرة

ج 27 ص 14

عند مسلم (( أحبُّ الكلام إلى الله أربع لا يضرُّك بأيَّتهن بدأت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر ) ).

ويحتمل أن يكتفي في ذلك بالمعنى فيكون «من» اقتصر على بعضها كُفي؛ لأنَّ حاصلها التَّعظيم والتَّنزيه، ومن نزَّهه فقد عظَّمه، ومن عظَّمه فقد نزَّهه انتهى.

وقال النَّووي هذا الإطلاق في الأفضليَّة محمولٌ على كلام الآدميِّ، وإلَّا فالقرآن أفضل الذِّكر.

وقال البيضاويُّ الظَّاهر أنَّ المراد من الكلام كلام البشر، فإنَّ الثَّلاث الأوَّل وإن وُجِدت في القرآن لكنَّ الرَّابعة لم توجد فيه، ولا يُفضَّل ما ليس فيه على ما هو فيه.

قال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن يجمع بأن تكون «من» مضمرةً في قوله (( أفضل الذِّكر لا إله إلَّا الله ) )، وفي قوله (( أحبُّ الكلام ) )بناءً على أنَّ لفظ «أفضل» و «أحبَّ» متساويان في المعنى، لكن يظهر مع ذلك تفضيل «لا إله إلَّا الله» ؛ لأنَّها ذكرت بالتَّنصيص عليها بالأفضليَّة الصَّريحة، وذكرت مع أخواتها بالأحبيَّة فحصل التَّفضيل تنصيصًا وانضمامًا، والله أعلم.

وأخرج الطَّبري من رواية عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال (( إنَّ الرَّجل إذا قال لا إله إلَّا الله فهي كلمة الإخلاص الَّتي لا يقبل الله عملًا حتَّى يقولها وإذا قال الحمد لله فهي كلمة الشُّكر الَّتي لم يشكر الله عبد حتَّى يقولها ) ).

ومن طريق الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما (( من قال لا إله إلَّا الله فليقل على إثرها الحمد لله ربِّ العالمين ) ).

تكملةٌ أخرج النَّسائي بسندٍ صحيحٍ عن أبي سعيدٍ، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( قال موسى يا رب علِّمني شيئًا أذكرك به، قال قل لا إله إلَّا الله ) )الحديث، وفيه (( لو أنَّ السَّماوات السَّبع وعامرهنَّ، والأرضين السَّبع جُعِلن في كفَّةٍ لمالت بهنَّ لا إله إلَّا الله، فيُؤخذ منه أنَّ الذِّكر بلا إله إلَّا الله أرجح من الذِّكر بالحمد لله ) ).

ولا يعارضه حديث أبي مالك الأشعري رفعه (( والحمد لله تملأ الميزان ) )، فإنَّ الملأ يدلُّ على المساواة والرَّجحان صريحٌ في الزِّيادة فيكون أولى، ومعنى (( ملأ الميزان ) )أنَّه إذا

ج 27 ص 15

ذكرها يمتلئ ميزانه ثوابًا.

وذكر ابن بطَّال عن بعض العلماء أنَّ الفضل الوارد في حديث الباب وما شابهه إنَّما هو لأهل الفضل في الدِّين والطَّهارة من الجرائم العِظام، وليس مَن أصرَّ على شهواته وانتهك دين الله وحرماته بلاحقِ بالأفاضل المطهَّرين في ذلك، ويشهد له قوله تعالى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية 21] .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه التِّرمذي في «الدَّعوات» ، والنَّسائي في «اليوم والليلة» ، وابن ماجه في «ثواب التَّسبيح» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت