فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 11127

595 - (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، هو أبو الحسن البصريُّ الآدمي، وقد تقدَّم في باب رفع العلم [خ¦80] (قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء على صيغة التصغير، ابن غَزْوان _ بفتح المعجمة وسكون الزاي _ الكوفيُّ، وقد تقدَّم في باب صوم رمضان إيمانًا [خ¦38] .

(قَالَ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون على صيغة التَّصغير، هو ابن عبد الرَّحمن الواسطي السلميُّ الكوفيُّ، مات سنة ست

ج 3 ص 576

وثلاثين ومئة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) وقد تقدَّم في باب الاستنجاء باليمين [خ¦153] (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعي بن بلدمة الأنصاريِّ رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية الابن عن الأب، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده، وقد أخرج متنه المؤلِّف في التَّوحيد أيضًا [خ¦7471] ، وأخرجه أبو داود والنَّسائي في «الصَّلاة» .

(قَالَ سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً) قال بعض الشُّراح كان ذلك في رجوعه من خيبر معتمدًا على ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه نظر.

وقد تقدَّم الكلام فيه في باب الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم مستوفى [خ¦344] ، وقد ذكر فيه أيضًا أنَّ هذه اللَّيلة في أيِّ سفرة كانت.

(فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ) قيل هو عُمَر، وقال الحافظ العسقلاني لم أقفْ على تسمية هذا القائل (لَوْ عَرَّسْتَ) بتشديد الراء، من التَّعريس، وهو نزول المسافر آخر اللَّيل للاستراحة، وقد يُستعمل في مطلق النُّزول لغير إقامة.

(بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي لو نزلتَ بنا يا رسول الله حتى نستريح، وجواب لو محذوف تقديره لكان أسهل علينا، ويجوز أن يكون للتَّمني، فيستغني عن الجواب (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلاَةِ) حتَّى يخرج وقتها (قَالَ) وفي رواية (بِلاَلٌ) رضي الله عنه ظنًّا منه أن يأتي على عادته في الاستيقاظ في مثل ذلك الوقت لأجل الأذان (أَنَا أُوقِظُكُمْ) وفي رواية مسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فمن يوقظنا؟ قال بلال أنا ) ) (فَاضْطَجَعُوا) على صيغة الماضي (وَأَسْنَدَ بِلاَلٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ) أي مركبه الذي كان يركبه (فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) أي عينا بلال رضي الله عنه، وفي رواية بغير ضمير (فَنَامَ) بلال رضي الله عنه.

(فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ) أي حرفها، وحواجب الشَّمس نواحيها، وفي رواية مسلم (( فكان أوَّل من استيقظ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والشَّمس في ظهره ) ).

(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا بِلاَلُ؛ أَيْنَ مَا قُلْتَ) أي أين الوفاء بقولك أنا أُوقِظَكم؟ قاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبلال رضي الله عنه للتَّنبيه على اجتناب الدَّعوى، والثِّقة بالنَّفس، وحسن الظَّن بها لا سيَّما في مظانِّ الغلبة، وسلب الاختيار.

(قَالَ) بلال رضي الله عنه (مَا أُلْقِيَتْ) بضم الهمزة على البناء

ج 3 ص 577

للمفعول (عَلَيَّ) بتشديد الياء (نَوْمَةٌ) بالرَّفع على أنه نائب عن الفاعل (مِثْلُهَا) أي مثل هذه النَّومة في هذا الوقت، ومثل لا يتعرَّف بالإضافة، ولهذا وقع صفة للنَّكرة.

(قَطُّ، قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ) أي عن أبدانكم بأن قطع تعلُّقها عنها ظاهرًا لا باطنًا، فيلزم مِنْ قَبضِ الرُّوح الموت؛ لأنَّ الموت انقطاع تعلُّق الرُّوح بالبدن ظاهرًا وباطنًا، والنَّوم انقطاعه عن ظاهر البدن فقط، وهذا كقوله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر 42] .

وقال محمود العيني الرُّوح جوهر لطيف نوراني يكدِّره الغذاء، والأشياء الرَّديَّة الدَّنيَّة، مدرك للجزئيَّات والكُلِّيَّات، حاصل في البدن متصرِّف فيه، غني عن الاغتذاء، بريء عن التحلُّل والنَّماء، ولهذا يبقى بعد فناء البدن؛ إذ ليست له حاجة إلى البدن، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العنصر، بل من عالم المَلَكُوت، فمن شأنه أن لا يضرُّه خلل البدن، ويلتذُّ بما يلائمه، ويتألَّم بما ينافيه.

والدَّليل على ذلك قوله تعالى {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ} الآيةَ [آل عمران 169] . وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إذا وضع الميِّت على نعشه رفرفَ رُوحه فوق نعشهِ، ويقول يا أهلي، ويا ولدِي ) ).

فإن قيل كيف يَصِحُّ تفسير الرُّوح، وقد قال تعالى {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء 58] ؟.

فالجواب أنَّ معناه من الإبداعاتِ الكائنةِ بـ كُنْ من غير مادَّة وتولد من أصل، على أنَّ السُّؤال كان من قدمه وحدوثه، وليس فيه ما ينافي جواز تفسيره.

(حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ) وقوله (( حين شاء ) )في الموضعين ليس لوقت واحد، فإنَّ نوم القوم لا يتَّفق غالبًا في وقت واحد، بل يتتابعون، فيكون حين الأولى خبرًا عن أحيان متعدِّدة.

(يَا بِلاَلُ؛ قُمْ فَأَذِّنْ) بتشديد الذال المعجمة، من التَّأذين (بِالنَّاسِ بِالصَّلاَةِ) بالموحدة فيهما، وفي رواية بمد الهمزة وحذف الموحدة من الناس؛ أي أعلمهم، وفي أخرى بلام بدل الموحدة، وفي أخرى بإسقاط الموحدة.

(فَتَوَضَّأَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزاد أبو نُعيم في «المُستَخرج» (( فتوضَّأ النَّاس ) ) (فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ) بتشديد الضاد المعجمة بعد الألف، على وزن احمارَّت؛ أي صَفَتْ صفاء كاملًا

ج 3 ص 578

(قَامَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَصَلَّى) وزاد أبو داود في روايته (( بالنَّاس ) )أي صلاة الصُّبح.

فإن قِيلَ قد ثبتَ أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تنام عينه، ولا ينام قلبه، فكيف فات عنه الوقت؟.

فالجواب أنَّ القلب إنَّما يُدْرِكُ الحسيِّات المتعلِّقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر ممَّا يدرك بالعين، أو أنَّ عدم نوم القلب كان هو الغالب من أحواله، قال التَّيميُّ كان في النَّادر ينام كنوم الآدميِّين.

ومن فوائد الحديث خروج الإمام بنفسه في الغزوات، ومنها جواز الالتماس من السَّادات فيما يتعلَّق بمصالحهم الدينيَّة والدُّنيويَّة ممَّا فيه الخير، ومنها أنَّ على الإمام أن يُراعي المصلحة الدينيَّة.

ومنها الاحتراز عمَّا يحتمل فوات العبادة عن وقتها، ومنها جواز التزام خادم بمراقبة ذلك، ومنها الأذان للفائتة ولأجله ترجم البخاري الباب.

واختلفَ العلماءُ فيه، فقال أصحابنا يُؤذِّن للفائتة ويقيم، واحتجُّوا في ذلك بحديث عمران بن الحصين رضي الله عنه رواه أبو داود وغيره، وفيه (( ثمَّ أمر مؤذِّنًا، فأذَّن فصلَّى ركعتين قبل الفجر، ثمَّ أقام، ثمَّ صلَّى الفجر ) )، وبه قال الشَّافعيُّ في القديم، وأحمد، وأبو ثور، وابن المُنْذر.

وإن فاتته صلوات أذَّن للأولى وأقام، وهو مخيَّر في الباقي إن شاء أذَّن وأقام لكلِّ صلاة من الفوائت، وإن شاء اقتصر على الإقامة؛ لما روى التِّرمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاتته يوم الخندق أربع صلوات حتَّى ذهب من اللَّيل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذَّن ثمَّ أقام فصلَّى الظُّهر، ثمَّ أقام فصلَّى العصر، ثمَّ أقام فصلَّى المغرب، ثم أقام فصلَّى العشاء.

فإن قيل إذا كان الأمر على هذا التَّقدير فمن أين التَّخيير؟.

فالجواب أنَّه جاءَ في رواية «قضاهنَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأذان وإقامة» ، وفي رواية «بأذان وإقامة للأولى، وإقامة لكلِّ واحدةٍ من البواقي» ، ولهذا الاختلاف خُيِّرنا في ذلك.

وفي «التُّحفة» ورُوِيَ في غير رواية الأصول عن مُحمَّد بن الحسن إذا فاتته صلوات يقضي الأولى بأذان وإقامة، والباقي بالإقامة دون الأذان.

وقال الشَّافعيُّ في القديم يُقِيم لهنَّ ولا يؤذِّن، وعنه أيضًا يُؤذِّن للأولى ويقيم، ويقتصر في البواقي على الإقامة.

وقال النَّوويُّ في «شرحِ المُهَذَّب» يُقِيم لكلِّ واحدة بلا خلاف، ولا يؤذِّن لِغَير الأولى منهنَّ، وفي الأولى ثلاثة أقوال في الأذان أصحُّها أنَّه يؤذِّن ولا يُعتَبر بتصحيح الرافعي منعَ الأذان، والأذان للأولى مذهب مالك والشَّافعي وأحمد وأبو ثور.

وقال ابن بطَّال لم يُذكر الأذان في الأولى عن مالك والشَّافعي.

وقال الثَّوريُّ والأوزاعيُّ والحسن لا يؤذِّن لفائتة.

ومنها أنَّ قضاء الفوائت بعذر ليس على الفور، وهو الصَّحيح، ولكن يستحبُّ قضاؤها على الفور، وحكى البغويُّ وجهًا عن الشَّافعي أنَّه على الفور، وأمَّا الفائتة بلا عذر، فالأصحُّ قضاؤها على الفور، وقيل له التَّأخير

ج 3 ص 579

كما في الأول.

ومنها أنَّ الفوائت لا تقضى في الأوقات المنهيِّ عن الصَّلاة فيها.

واختلف أصحابنا في قدر الوقت الَّذي يُبَاح فيه الصَّلاة بعد الطُّلوع، قال في الأصل حتَّى ترتفع الشَّمس قدر رمحٍ أو رمحين.

وقال أبو بكر محمَّد بن الفضل ما دام الإنسان يقدر على النَّظر إلى قرص الشَّمس لا يباح فيه الصَّلاة، فإذا عجز عن النَّظر يباح. ومنها جواز قضاء الفائتة بالجماعة.

ومنها ما احتجَّ به المُهَلَّب على أن الصَّلاة الوسطى هي صلاة الصُّبح، قال لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمر أحدًا بمراقبة صلاة غيرها، وفيه نظرٌ لا يخفى.

ومنها قبول خبر الواحد، واستدلَّ به قوم على ذلك.

وقال ابن بزيزة وليس هو بقاطع فيه؛ لاحتمال أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرجع إلى قول بلال، بل ينظر إلى الفجر لو استيقظ مثلًا.

ومنها ما استَدَلَّ عليه مالك من عدم قضاء سنَّة الفجر.

وقال أشهب سُئِلَ مالكٌ هل ركع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الصُّبح، وقام حين طلعت الشَّمس؟ قال ما بلغني، وقال أشهب بلغني أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركع، وقال علي بن زياد وقال غير مالك وأحبُّ إليَّ أن يركع، وهو قول الكوفيِّين والثَّوري والشَّافعي، وقد قال مالك إن أحبَّ أن يركعهما من فاتته بعد طلوع الشَّمس فعلَ، وهو مذهب محمَّد بن الحسن إذا فاتته ركعتا الفجر يقضيهما إذا ارتفعَ النَّهار إلى وقت الزَّوال، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يقضيهما، وهذا إذا فاتت وحدها، وإذا فاتت مع الفرض يقضى اتِّفاقًا.

ومنها عدُم جوازِ الصَّلاة عند طلوع الشَّمس؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تركَ الصَّلاة حتى ابياضَّت الشَّمس، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت