6444 - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء، هو أبو علي البُوْرَاني _ بضم الموحدة وسكون الواو وفتح الراء وبالنون _ البجلي، أبو عليٍّ الكوفي. قال الرشاطيُّ ينسب إلى البواري، وهي حصيرٌ من قصبٍ، وكان له غلمانٌ يصنعونها، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) هو سلَّام _ بتشديد اللام _ ابن سُليمٍ (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجهنيِّ، أنَّه قال (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جنادة الغفاريُّ رضي الله عنه (كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ) بفتح اللام، و «أحدٌ» بالرفع فاعله، وهو الجبل المعروف، وفي رواية حفص بن غياثٍ (( فاستقبلْنا أحدًا ) )بسكون اللام ونصب «أحدًا» على أنَّه مفعوله (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَا أَبَا ذَرٍّ، قُلْتُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) زاد في رواية سالم بن أبي الجعد، ومنصور عن زيد بن وهبٍ عند أحمد فقال (( يا أبا ذرٍّ أتبصرُ أحدًا؟ قال فنظرت إلى الشَّمس ما بقي من النَّهار، وأنا أرى أن يرسلني في حاجةٍ، فقلت نعم ... ) ). الحديث.
(قَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ) بتشديد الياء (ثَالِثَةٌ) أي ليلةٌ ثالثةٌ (وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ) الواو للحال، وفي رواية حفص بن غياثٍ (( ما أحبُّ أنَّ لي أُحدًا ذهبًا يأتي عليَّ يوم وليلة، أو ثلاث عندي منه دينار ) ).
ج 27 ص 117
وفي رواية أبي معاوية، عن الأعمشِ عند أحمد (( ما أحبُّ أنَّ لي أُحدًا ذاك ذهبًا يأتي عليَّ يوم وليلة أو ثلاث عندي منه دينار ) )، وفي رواية أبي شهاب عن الأعمش في «الاستئذان» [خ¦6268] (( فلمَّا أبصر أحدًا قال ما أحبُّ أن يُحوَّل لي ذهبًا يمكث عندي منه دينار فوق ثلاثٍ ) ).
قال ابن مالكٍ تضمَّن هذا الحديث استعمال «حوَّل» بمعنى صَير، وهو استعمالٌ صحيحٌ خَفِيَ على أكثر النُّحاة، فرفع أوَّل المفعولين وهو ضميرٌ عائدٌ إلى «أُحد» ، ونصب ثانيهما وهو قوله (( ذهبًا ) ). وقد اختلف ألفاظ هذا الحديث وهو متحدُ المخرج فهو من تصرُّف الرُّواة فلا يكون حجَّة في اللُّغة، ويمكن الجمع بين قوله (( مثل أُحدٍ ) )، وبين قوله (( يحول أُحد ) )بحمل المِثْليَّة على أن يكون وزنه من الذَّهب وزن أُحد، والتَّحويل على أنَّه إذا انقلب ذهبًا كان قدر وزنه أيضًا. وقد اختلف ألفاظ رواته عن أبي ذرٍّ أيضًا «ما يسرُّني أنَّه ذهب قطعًا أنفقه في سبيل الله أدعُ منه قيراطًا» . وفي رواية سُويد بن الحارث عن أبي ذرٍّ «ما يسرُّني أنَّ لي أحدًا ذهبًا أموت يوم أموت وعندي منه دينارًا ونصف دينار» .
واختلف ألفاظ الرُّواة أيضًا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ثاني حديث البابِ [خ¦6445] ، وقيل إنَّما قيِّد بالثَّلاث؛ لأنَّه لا يتهيَّأ تفريق قدر أُحدٍ من الذَّهب في أقلَّ منها غالبًا، ويعكِّر عليه رواية «يوم وليلة» كما سبق.
فقال الحافظ العسقلانيُّ فالأولى أن يقال الثَّلاث أقصى ما يحتاج إليه في تفريق مثلِ ذلك، والواحدة أقل ما يمكن. وقال العينيُّ ذكر اليوم والثَّلاث ليس بقيدٍ، وإنَّما هو كنايةٌ عن سرعة التَّفريق من غير تأخيرٍ، ولا إبقاء شيءٍ منه، وفيه أيضًا مبالغةٌ.
(إِلاَّ شَيْئًا) استثناءٌ من «دينارٍ» ، وفي رواية حفص وأبي شهاب جميعًا عن الأعمش (( إلَّا دينارٌ ) )بالرفع، والنَّصبُ والرَّفعُ جائزان؛ لأنَّ المستثنى منه مطلقٌ عامٌّ، والمستثنى مقيَّد خاصٌّ فاتَّجه النصبُ، وتوجيه الرَّفع أنَّ المستثنى منه في سياق النَّفي، وجواب «لو» هنا _كما سيجيءُ_ في تقدير النَّفي، ويجوزُ أن يُحملَ النَّفي الصَّريح في «أن لا يمرَّ» _ على ما سيأتي_ على حمل «إلَّا» على الصِّفة، فافهم.
(أُرْصِدُهُ) بضم الهمزة وكسر الصاد المهملة، ويروى بفتح الهمزة وكسر الصاد؛ أي أُعدُّه أو أحفظه، وعن الكسائيِّ والأصمعيِّ أرصدت له أعددتُ له
ج 27 ص 118
(لِدَيْنٍ) بفتح الدال، وهذا الإرصادُ أعمُّ من أن يكون لصاحب دينٍ غائبٍ حتَّى يحضرَ فيأخذه، أو لأجل وفاء دينٍ مؤجَّل حتَّى يحلَّ وقته فيوفي، وفي رواية الحمويي والمستملي بياء الإضافة، وقد فسر الشَّيء في هذه الرِّواية بالدِّينار، ووقع في رواية سويد بن الحارث عن أبي ذرٍّ (( وعندي منه دينارٌ أو نصف دينارٍ ) ). وفي رواية سالم ومنصور عنه (( أدعُ منه قيراطًا ) )، وفيه (( ثمَّ قال يا أبا ذرٍّ إنَّما أقولُ الَّذي هو أقل ) ). ووقع في رواية الأحنف (( ما أحبُّ أنَّ لي مثل أحدٍ ذهبًا أنفقُه كلَّه إلَّا ثلاثة دينار ) )، فظاهرهُ نفي محبَّة حصول المال ولو مع الإنفاق وليس مرادًا، وإنَّما المعنى نفي إنفاقِ البعض مقتصرًا عليه، فهو يحبُّ إنفاق الكلِّ إلَّا ما استثنى وسائر الطُّرق يدلُّ على ذلك.
ويؤيِّده أنَّ في رواية سليمان بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد (( ما يسرُّني أنَّ أُحُدَكُم هذا ذهبًا أنفق منه كلَّ يومٍ في سبيل الله فيمرُّ في ثلاثة أيَّامٍ، وعندي منه شيءٌ إلَّا شيءٌ أرصده لدَين ) ). ويحتمل أن يكون على ظاهرهِ، والمراد بالكراهية الإنفاق في خاصَّة نفسه لا في سبيلِ الله فهو محبوبٌ.
(إِلاَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ) عزَّ وجلَّ استثناءً بعد استثناءٍ فيفيدُ الإثبات، فيؤخذُ منه نفي محبَّة المال مقيَّدة بعدم الإنفاق، فيلزم محبَّة وجودِهِ مع الإنفاق، فما دام الإنفاق مستمرًّا لا يكره وجود المال، فإذا انتفى الإنفاقُ ثبت كراهية وجود المال، ولا يلزم من ذلك كراهيةُ حصول شيءٍ آخرَ ولو كان قدر أُحد وأكثر مع استمرار الإنفاق.
وقوله (( أقولَ به ) )معناه أصرفَه وأنفقه، والعرب تستعمل القول في معانٍ كثيرةٍ.
(هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) بالتِّكرار ثلاثًا صفة لمصدر محذوف؛ أي أشار إشارةً مثل هذه الإشارة، وأشار بها بيده ثمَّ بيَّن ذلك بقوله (عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ) اقتصر على هذه الثَّلاثة، وحمل على المبالغة؛ لأنَّ العطيَّة لمن بين يديه هي الأصلُ، وهذه جهةٌ رابعةٌ من الجهات الأربع ولم يذكرها هنا.
قال الحافظ العسقلانيُّ والَّذي يظهر لي أنَّ ذلك من تصرُّفات الرُّواة، وأنَّ أصل الحديث مشتملٌ على الجهات الأربع، وقد جاء في رواية
ج 27 ص 119
أحمد بن مُلاعب، عن عمر بن حفص بن غياثٍ، عن أبيه بلفظ (( إلَّا أن أقولَ به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا وهكذا ) )، وأومأ بيده وذكر فيه الجهات الأربع.
وقد أخرجه المصنِّف في «الاستئذان» عن عمر بن حفص بن غياثٍ [خ¦6268] ، لكن اقتصر من الأربع على ثلاثٍ، وأخرجه أبو نُعيم من طريق سهل بن يحيى، عن عمر بن حفصٍ فاقتصر على ثنتين.
(ثُمَّ مَشَى) صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (إِنَّ الأَكْثَرِينَ) مالًا (هُمُ الأَقَلُّونَ) ثوابًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ويُروى ، وفي رواية أبي شهاب في «الاستقراض» [خ¦2388] ، ورواية حفص في «الاستئذان» [خ¦6268] (( همُ الأقلون ) )بالهمز، وفي رواية عبد العزيز بن رُفيعٍ الماضية في الباب قبله (( إنَّ المكثِّرين هم المقلُّون ) ) [خ¦6443] بالميم، وفي رواية أحمد من رواية النُّعمان الغفاري عن أبي ذرٍّ (( إنَّ المكثِّرين الأقلون ) )، والمراد بالإكثار من المال، والإقلالُ من ثواب الآخرة، وهذا في حقِّ من كان مكثرًا، ولم يتَّصف بما دلَّ عليه الاستثناء بعده من الإنفاق.
(إِلاَّ مَنْ قَالَ) أي صرف المال في مصرفه (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش عند أحمد (( إلَّا من قال هكذا وهكذا وهكذا، فحثا عن يمينهِ، ومن بين يديهِ، وعن يسارِه ) ). فاشتملت هذه الرِّوايات على الجهات الأربع، وإن كان كلٌّ منها اقتصر على ثلاثٍ، وقد جمعها عبد العزيز بن رفيعٍ في روايته ولفظه (( إلَّا من أعطاه الله خيرًا ) )أي مالًا (( فنفح ) )بنون وفاء ومهملة؛ أي أعطى (( كثيرًا بغير تكلُّف يمينًا وشمالًا وبين يديه ووراءه ) )، وبقي من الجهات فوق وأسفل، والإعطاء من قِبَل كلٍّ منهما ممكنٌ، لكن حذف لندوره، وقد فسَّر بعضهم الإنفاق من وراء بالوصيَّة، وليس قيدًا فيه، بل قد يقصد الصَّحيحُ الإخفاءَ فيدفع لمن وراءه ما لم يقضِ به من هو أمامه [1] .
وقوله (( ومن خلفه ) )دون وعن خلفه؛ لأنَّ الغالب في الإعطاء صدوره باليدين من الجانبين، وزاد في رواية عبد العزيز بن رُفيعٍ (( وعمل فيه خيرًا ) ) [خ¦6443] فمعنى الخير الأوَّل المال ومعنى الثَّاني الثَّواب.
(وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) كلمة «ما» زائدةٌ مؤكدةٌ للقلَّة، و «هم» مبتدأ و «قليلٌ» خبره، وقُدِّم الخبر للمبالغة في الاختصاص (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم
ج 27 ص 120
(لِي مَكَانَكَ) بالنصب؛ أي الزم مكانكَ وقوله (لاَ تَبْرَحْ) تأكيدًا لذلك ودفع لتوهُّم أنَّ الأمر بلزوم المكان ليس عامًّا في الأزمنة، وقوله (حَتَّى آتِيَكَ) غاية للزوم المكان المذكور، وفي رواية حفص (( لا تبرح يا أبا ذرٍّ حتَّى أرجع ) )، ووقع في رواية عبد العزيز بن رفيع [خ¦6443] (( فمشيت معه ساعةً، فقال اجلس هاهنا فأجلسني في قاعٍ ) )أي أرض سهلة مطمئنَّة.
(ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ) فيه إشعارٌ بأنَّ القمر كان قد غاب (حَتَّى تَوَارَى) أي غاب شخصه الشَّريف عنِّي، وفي رواية أبي معاوية زيادة (( عنِّي ) )، وفي رواية حفص (( حتَّى غاب عنِّي ) ) [خ¦6268] ، وفي رواية عبد العزيز (( فانطلق في الحرَّة ) ) [خ¦6443] أي دخل فيها حتَّى لا أراه، وفي رواية أبي شهابٍ (( فتقدَّم غير بعيدٍ ) ) [خ¦2388] ، وزاد في رواية عبد العزيز (( فأطال اللُّبث ) ) [خ¦6443] .
(فَسَمِعَ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ) وفي رواية أبي معاوية (( فسمعت لغطًا وصوتًا ) ) (فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُرِضَ) على البناء للمفعول، وفي رواية أبي ذرٍّ أي تعرَّض (لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بسوءٍ (فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ) أي أتوجَّه إليه، ووقع في رواية عبد العزيز (( فأردت أن أذهبَ ) )أي إليه (فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ) لي (لاَ تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ، فَلَمْ أَبْرَحْ) أي مكاني (حَتَّى أَتَانِي) وفي رواية أبي معاويةَ عن الأعمش (( فانتظرته حتَّى أتاني ) ) (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ) عليك (فَذَكَرْتُ لَهُ) ذلك، وفي رواية معاويةَ (( فذكرت له الَّذي سمعتُ ) )، وفي رواية أبي شهابٍ (( الَّذي سمعت أو الصَّوت الَّذي سمعت ) )كذا بالشَّكِّ، وفي رواية عبد العزيز (( ثمَّ إنِّي سمعته وهو يقول وإن سرق وإن زنى، فقلت يا رسول الله من تكلِّم في جانب الحرَّة؟ ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا ) ) [خ¦6443] .
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ قلْتُ نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ ذَاكَ جِبْرِيلُ) أي الَّذي سمعتُه يخاطبني أو ذلك صوتُ جبريل (أَتَانِي، فَقَالَ) لي، وفي رواية حفص (( فأخبرنِي ) )ووقع في روايةِ عبد العزيز (( عرضَ لي ) )أي ظهرَ فقال بشِّر أمَّتك (مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا) وسقط في روايةٍ لفظ «من أمَّتك» (دَخَلَ الْجَنَّةَ) هو جواب الشَّرط، رَتَّب دخول الجنَّة
ج 27 ص 121
على الموت بغير إشراكٍ بالله، وقد ثبت الوعيد بدخول النَّار لمن عملَ بعض الكبائر، وبعدم دخولِ الجنَّة لمن عملها، فلذلك وقع الاستفهام في قوله
(قلْتُ) يا جبريل (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) قال ابن مالكٍ حرف الاستفهام في أوَّل هذا الكلام مقدَّرٌ، ولا بدَّ من تقديره، وقال غيره التَّقدير وإن زنا وإن سرق دخل الجنَّة.
وقال الطِّيبيُّ أُدْخِلَ الجنَّة وإن زنا وإن سرق، والشَّرط حالٌ ولا يذكر الجواب مبالغةً [وتتميمًا لمعنى الإنكار] ، ولم يتكرَّر هنا قوله (( وإن زنا وإن سرق ) )كما تكرَّر في الرِّواية السَّابقة في الباب الَّذي قبل هذا. ووقع في رواية عبد العزيز بن رفيعٍ (( قلت يا جبريل وإن سرقَ وإن زَنى؟ قال نعم وكرَّرها مرَّتين ) )للأكثر وثلاثًا للمستملي، وزاد في آخر الثَّالثة (( وإن شربَ الخمر ) ). وكذا وقع التِّكرار ثلاثًا في رواية أبي الأسود [خ¦5827] ، وعن أبي ذرٍّ في «اللِّباس» لكن بتقديم الزِّنا على السَّرقة، كما في رواية الأعمش.
وإنَّما اقتصر في رواية هذا الباب على هاتين الكبيرتين؛ لأنَّهما كالمثالين فيما يتعلَّق بحقِّ الله وحقِّ العباد، وأشار في الرِّواية السَّابقة في الباب الَّذي قبل هذا بقوله (( وإن شربَ الخمر ) ) [خ¦6443] إلى فُحشه؛ لأنَّه يؤدِّي إلى خَلَلٍ في العقل الَّذي شُرِّف به الإنسان على البهائم وبوقوعِ الخلل فيه قد يزول التَّوقِّي الَّذي يحجر عن ارتكاب بقيَّة الكبائرِ. وروي عن زيد بن وهبٍ أنَّه قال بلغني أنَّ صاحب هذه القصَّة أبو الدَّرداء، وأشهدُ لحدَّثنيه أبو ذرٍّ بالرَّبذة. وقال الأعمش وحدَّثني أبو صالحٍ عن أبي الدَّرداء بلفظ (( أنَّه من مات لا يشركُ بالله شيئًا دخل الجنَّة ) )نحوه. وفيه (( وإن رَغم أنفُ أبي الدَّرداء ) )، وقد سبق من البخاريِّ أنَّ حديث أبي الدَّرداء مرسلٌ لا يصحُّ، وقد مرَّ ما يتعلَّق به [خ¦6443 بعد] .
وقال الحافظ العسقلانيُّ وهما قصَّتان متغايرتان وإن اشتركتا في المعنى الأخير، وهو سؤالُ الصَّحابي بقوله (( وإن زنا وإن سرقَ ) )، واشتركتا في قوله (( وإن رَغم ) )ومن المغايرة بينهما أيضًا وقوع المراجعة المذكورة بين النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وجبريل عليه السَّلام
ج 27 ص 122
في رواية أبي ذرٍّ دون أبي الدَّرداء.
وعن أبي الدَّرداء طرقٌ أخرى
منها للنَّسائي من رواية محمد بن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عن أبي الدَّرداء نحو رواية عطاء بن يسار.
ومنها للطَّبراني من طريق أمِّ الدَّرداء، عن أبي الدَّرداء رفعه بلفظ (( مَن قال لا إله إلَّا الله، دخل الجنَّة، فقال أبو الدَّرداء وإن زنا وإن سرق؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم وإن زنا وإن سرقَ على رغم أنفٍ أبي الدَّرداء ) )، ومن طريق أبي مريم عن أبي الدَّرداء نحوه.
ومن طريق كعب بن ذُهيل سمعتُ أبا الدَّرداء رفعه (( أتاني آتٍ من ربِّي فقال {مَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء 110] ، فقلتُ يا رسول الله، وإن زنا وإن سرق؟ قال نعم، ثمَّ ثلَّث فقال على رغم أنف عُويمر ) )فردَّدها، قال فأنا رأيت أبا الدَّرداء يضربُ أنفه بإصبعه.
ومنها لأحمد من طريق واهب بن عبد الله المعافريِّ، عن أبي الدَّرداء رفعه (( من قال لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٍ دخل الجنَّة، قلت وإن زنا وإن سرق؟ قال وإن زنا وإن سرقَ، قلت وإن زنا وإن سرَق؟ قال وإن زنا وإن سرَق على رغم أنف أبي الدَّرداء ) )قال فخرجت لأنادي بها في النَّاس فلقينِي عمر فقال ارجع فإنَّ النَّاس إن يعلموا بها اتَّكلوا عليها، فرجعت فأخبرت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال صدق عمر.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد رُوِي الحديث بزيادةٍ ونقصان كما ذكر.
[1] في هامش الأصل في نسخة مالًا يعطى من هو أمامه وهذا المثبت في فتح الباري.