6445 - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ) بفتح المعجمة وبموحدتين، مثل حَبيب، الحَبَطِي _ بفتح المهملة والموحدة ثم الطاء المهملة _ نسبة إلى الحبطات من بني تميم البصريُّ، صدوق، ضعَّفه ابن عبد البرِّ تبعًا لأبي الفتح الأزدي، والأزديُّ غير مرضيٍّ فلا يُتَّبع في ذلك، فلذلك قال في رجال «الصحيحين» روى عنه البخاريُّ في غير موضعٍ مقرونًا إسناده بإسنادٍ آخر، قال
(حَدَّثَنَا أَبِي) شبيب بن سعيدٍ يكنى أبا سعيدٍ، روى عنه ابنه أحمد في «الاستقراض» [خ¦2389] ، و «مناقب عثمان رضي الله عنه» [خ¦3696] مفردًا، وفي غير موضعٍ مقرونًا [خ¦1325] [خ¦2630] ، وروى عنه ابن وهبٍ وهو من أقرانه، ووثَّقه ابن المديني(عَنْ
ج 27 ص 123
يُونُسَ)هو ابن يزيد الأيليِّ (ح) تحويلٌ من سندٍ إلى آخر (وَقَالَ اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) المذكور، وأراد البخاريُّ بإيراده تقوية رواية أحمد بن شَبيب (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) أي ابن مسعودٍ، أنَّه قال (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا) وفي رواية الأعمش عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد في أوَّله (( والَّذي نفسي بيده ) )، وعنده في رواية همام عن أبي هريرة (( والَّذي نفس محمدٍ بيده ) )، وفي رواية الأعرج (( لو أنَّ أُحُدّكُم عندي ذهبًا ) ).
(لَسَرَّنِي) جواب «لو» باللام قبل السين (أَنْ لاَ تَمُرَّ عَلَيَّ) وفي رواية أبي ذرٍّ (ثَلاَثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ شَيْئًا) بالنصب، وفي رواية أبي ذرٍّ بالرفع وقد مرَّ الكلام فيه [خ¦6444] (أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ) وفي رواية الأعرج (( إلَّا أن يكون شيءٌ أرصده في دَين عليَّ ) )، وفي رواية همام (( وعندي منه دينارٌ أجد من يقبله ليس شيئًا أرصده في دَينٍ عليَّ ) )، ووقع في روايةٍ بدل (( لسرَّني ) )، وعليه شرح الحافظ العسقلانيِّ.
وقال ابن مالكٍ في هذا الحديث وقع جواب «لو» للتَّمنِّي مضارعًا منفيًّا، وحقَّ جوابها أن يكون ماضيًا مثبتًا نحو لو قام لقمتُ، أو بلم نحو لو قام لم أقُم، والجواب من وجهين
أحدهما أن يكون وَضَعَ المضارع موضِع الماضي الواقع جوابًا، كما وقع موضعه وهو شرطٌ كما في قوله تعالى {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات 7] .
ثانيهما أن يكون الأصل ما كان يسرُّني، فحذف «كان» وهو جوابٌ، وفيه ضميرٌ وهو الاسم، (( ويسُّرني ) )خبره، وحذف كان مع اسمها وبقاء خبرها كثير نظمًا ونثرًا، ومنه المرء مجزيٌّ بعمله إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، قال وأشبه شيءٍ بحذف «كان» قبل «يسرُّني» حذفُ جعل قبل {يُجَادِلُنَا} في قوله تعالى {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا} [هود 74] أي جعل يجادلنا، والوجه الأوَّل أَولى، وفيه أيضًا وقوع «لا» بين «أن وتمر» وهي زائدةٌ، والمعنى ما يسرني أن تمرَّ.
وقال الطِّيبي قوله (( ما يسرُّني ) )هو جواب «لو» لامتناعه، فيُفيد إن لم يَسُرُّه المذكور بعده؛ لأنَّه لو لم يسرُّه كثرة ما ينفقه فكيف ما لا ينفقهُ، قال وفي التَّقييد بالثَّلاثة مبالغةٌ في سرعة الإنفاق فلا تكون «لا» زائدة، كما قال
ج 27 ص 124
ابن مالك، بل النَّفي فيها على حاله.
قال الحافظ العسقلانيُّ ويؤيِّده قولَ ابنِ مالك الرِّوايةُ الماضية قبل في حديث أبي ذرٍّ بلفظ (( ما يسرُّني أنَّ عندي مثل أحدٍ ذهبًا يمضي عليَّ ثلاثة ) ) [خ¦6444] .
ثم في حديث الباب من الفوائدِ أدب أبي ذرٍّ مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وترقبه أحواله، وشفقته عليه حتَّى لا يُدخِلَ عليه أدنى شيء ممَّا يتأذَّى به. وفيه حسن الأدب مع الأكابر، وأنَّ الصَّغير إذا رأى الكبير منفردًا لا يتسوَّر عليه، ولا يجلسُ معه، ولا يلازمه إلَّا بإذن منه، وهذا بخلاف ما إذا كان في مجمعٍ كالمسجد والسُّوق فيكون جلوسه معه بحسب ما يليق به.
وفيه جواز تكنية المرء نفسه لغرضٍ صحيحٍ كأن يكون أشهر من اسمهِ، ولا سيَّما إذا كان اسمه مشتركًا بغيره وكنيته فَرْدةٌ، وفيه جواز تفدية الصَّغير الكبير بنفسه وبغيرها، والجواب بمثل لبَّيك وسعديك زيادةً في الأدب، وفيه الانفراد عند قضاء الحاجةِ، وفيه أنَّ امتثال أمر الكبير والوقوف عنده أَولى من ارتكاب ما يخالفه بالرَّأي ولو كان فيما يقتضيه الرَّأي توهُّم دفع مفسدةٍ حتَّى يتحقَّق ذلك، فيكون دفع المفسدة أَولى، وفيه استفهام التَّابع من متبوعه عمَّا يحصل له فائدةٌ دينيَّة أو علميَّةٌ أو غير ذلك.
وفيه الأخذ بالقرائن؛ لأنَّ أبا ذرٍّ لما قال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (( أتنظر أحدًا ) )فَهِمَ منه أنَّه يريد أن يرسله في حاجةٍ، فنظر إلى ما على أُحد من الشَّمس ليعلم هل يبقى من النَّهار قدر ما يسعها.
وفيه أنَّ محلَّ الأخذ بالقرينة إذا كان باللَّفظ ما يخصص ذلك، فإنَّ الأمر وقعَ على خلاف ما فهمه أبو ذرٍّ من القرينة، فيُؤخذ منه أنَّ بعضَ القرائن لا تكون إلَّا على المراد وذلك لضعفها.
وفيه المراجعة في العلم بما تقرَّر عند الطَّالب في مقابلة ما يسمعه ممَّا يخالف ذلك؛ لأنَّه تقرَّر عند أبي ذرٍّ من الآيات والآثار الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنَّار وبالعذاب، فلمَّا سمع أنَّ من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة، استفهم عن ذلك بقوله (( وإن زنا وإن سَرق ) )، وقد مرَّ وجه الاقتصار على هاتين الكبيرتين. وفيه أنَّ الطَّالب إذا ألحَّ في المراجعة يُزجَر بما يليق به
ج 27 ص 125
أخذًا من قوله (( وإن رغم أنف أبي ذرٍّ ) )، وقد حمله البخاريُّ كما مضى في «اللِّباس» على من تاب عند الموت [خ¦5827] . وحمله غيره على أنَّ المراد بدخول الجنَّة أعمُّ من أن يكون ابتداءً أو بعد المجازاة على المعصية والأوَّل هو وفق ما فهمه أبو ذرٍّ، والثَّاني أولى للجمع بين الأدلَّة، ففي الحديث حجَّةٌ لأهل السُّنَّة وردٌّ على من زعم من الخوارج والمعتزلة أنَّ صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبةٍ يُخلَّد في النَّار، لكن في الاستدلال به لذلك نظرٌ لما مرَّ من سياق كعب بن ذُهل عن أبي الدَّرداء أنَّ ذلك في حقِّ من عمل سوءًا أو ظلم نفسه، ثمَّ استغفر. وسنده جيِّد عند الطَّبراني.
وحمله بعضُهم على ظاهره، وخصَّ به هذه الأمَّة لقوله (( بشِّر أمَّتك ) )و (( أن من مات من أمَّتي ) )، وتعقِّب بالأخبار الصَّحيحة الواردة في أنَّ بعض عصاة هذه الأمَّة يعذَّبون، ففي (( صحيح مسلم ) )عن أبي هريرة رضي الله عنه (( المُفلس من أمَّتي ... ) )، الحديث.
وفيه تعقُّب على من تأوَّل في الأحاديث الواردة في أنَّ (( من شهد أنَّ لا إله إلَّا الله دخل الجنَّة ) )، وفي بعضها (( حُرِّم على النَّار ) )أنَّ ذلك كان قبل نزولِ الفرائض، والأمر والنَّهي، وهو مرويٌّ عن سعيد بن المسيب والزُّهري. ووجه التَّعقب ذكر الزِّنا والسَّرقة فيه فذكر على خلاف هذا التَّأويل. وحمله الحسن البصريُّ على من قال الكلمة وأدَّى حقَّها بأداء ما وجب واجتناب ما نهى، ورجَّحه الطِّيبي إلَّا أنَّ هذا الحديث يخدش فيه.
وأشكل الأحاديث وأصعبها قوله (( لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍّ فيهما إلَّا دخل الجنَّة ) )، وفي آخره (( وإن زنا وإن سرَق ) )، وقيل أشكلها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم بلفظ (( ما مِن عبدٍ يشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله إلَّا حرَّمه الله على النَّار ) )؛ لأنَّه أتى فيه بأداة الحصر، وبمن الإستغراقيَّة، وصرَّح فيه بتحريم النَّار بخلاف قوله (( دخل الجنَّة ) )فإنَّه لا ينفي دخولَ النَّار أولًا.
قال الطِّيبيُّ لكن الأوَّل يترجَّح بقوله (( وإن زنا وإن سَرق ) )لأنَّه شرطٌ بمجرَّد التَّأكيد ولا سيَّما وقد كرَّره ثلاثًا مبالغةً، وختم بقوله (( وإن رغم أنف أبي ذرٍّ ) )تتميمًا للمبالغة، والحديث الآخر مطلقٌ يقبل التَّقييد فلا يُقاوم قوله (( وإن زنا وإن سرق ) ).
وقال النَّووي بعد أن ذكرَ المتون في ذلك والاختلاف
ج 27 ص 126
في هذا الحُكم مذهب أهل السُّنَّة بأجمعهم أنَّ الذُّنوب في المشيئة، وإن مات موقنًا بالشَّهادتين يدخل الجنَّة، فإن كان صبيًّا أو سليمًا من المعاصي دخل الجنَّة برحمة الله وحُرِّم على النَّار، وإن كان من المخلِّطين بتضييعِ الأوامر أو بعضها ومات من غير توبةٍ فهو في خطرِ المشيئة، وهو بصددِ أن يمضي عليه الوعيد إلَّا أن يشاءَ الله أن يعفوَ عنه، فإن شاء أن يعذَّب فمصيره إلى الجنَّة بالشَّفاعة، انتهى.
وعلى هذا فيُقيَّد اللَّفظ الأوَّل تقديره وإن زنا وإن سرقَ دخل الجنَّة، لكنَّ قيل ذلك وإن مات مصرًّا على المعصية في مشيئة الله، وتقدير الثَّاني حرَّمه الله على النَّار إلَّا أن يشاء الله، أو حرَّمه الله على نار الخلود، والله تعالى أعلم.
قال الطِّيبيُّ قال بعض المحقِّقين قد يُتَّخذ من أمثال هذه الأحاديث المبطلة ذريعة إلى طرح التَّكاليف وإبطال العمل ظنًّا أنَّ ترك الشرك كافٍ، وهذا يستلزم طيَّ بساط الشَّريعة وإبطال الحدود، وأن التَّرغيب في الطَّاعة والتَّحذير عن المعصية لا تأثير له، بل يقتضي الانخلاع عن الدِّين والانحلال عن قيد الشَّريعة، والخروج عن الضَّبط، والولوج في الخبط، وترك النَّاس سدًى مهملين، وذلك يُفضي إلى خراب الدُّنيا بعد أن يفضِي إلى خراب الآخرة، مع أنَّ قوله في بعض طرق الحديث (( أن يعبدوه ) )يتضمَّن جميع أنواع التَّكاليف الشَّرعية.
وقوله (( ولا يشركوا به شيئًا ) )يضمن الشِّرك الجلي والخفي، فلا تمسك به في ترك العمل؛ لأنَّ الأحاديث إذا ثبتت وجبَ ضمُّها إلى بعضٍ إذا وردت في الحكم، فيُحمل مطلقها على مقيَّدها ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها، وبالله التَّوفيق.
وفيه جواز الحلف بغيرٍ تحليف، ويستحبُّ إذا كان لمصلحةٍ كتأكيد أمر مهمٍّ وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وفي قوله في بعض طرقه (( والَّذي نفس محمد بيدهِ ) )تعبير الإنسان عن نفسه باسمه دون ضميرهِ، وقد ثبت الضَّمير في الطَّريق الأخرى في قوله (( والَّذي نفسي بيده ) )، وفي الأوَّل نوع تجريدٍ، وفي الحلف بذلك زيادةٌ في التَّأكيد؛ لأنَّ الإنسان [إذا استحضر] أن نفسه وهي أعزُّ الأشياء عليه بيدِ الله تعالى
ج 27 ص 127
يتصرَّف فيها كيف يشاءُ استشعر الخوف منه، فارتدعَ عن الحلفِ على ما لا يتحقَّقه، ومن ثمَّة يُشرَع تغليظَ الأيمان بذكر الصِّفات الإلهيَّة لا سيَّما صفات الجلال.
وفيه الحثُّ على الإنفاق في وجوه الخير، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان في أعلى درجات الزُّهد في الدُّنيا بحيث أنَّه لا يبقى عنده شيءٌ من الدُّنيا إلَّا لإنفاقه فيمن يستحقُّه، وإمَّا لإرصاده لمن له حقٌّ، وإمَّا لتعذُّر من يقبل ذلك منه، لتقييدهِ في رواية همام عن أبي هريرة الآتية في «كتاب التَّمني» بقوله (( أجد من يقبله ) ) [خ¦7228] .
ومنه يُؤخذ جواز تأخير الزَّكاة الواجبة عن الإعطاء إذا لم يوجد من يستحقُّ أخذها، وينبغي لمن وقع له ذلك أن يفرزَ القدر الواجب عن ماله، ويجتهد في حصولِ من يأخذه، فإن لم يجد فلا حرجَ عليه ولا ينسب إلى تقصيرٍ في حبسه.
وفيه تقديم وفاء الدَّين على صدقة التَّطوُّع.
وفيه جواز الاستقراض، وقيَّده ابن بطالٍ باليسير أخذًا من قوله صلى الله عليه وسلم (( إلَّا دينارًا ) )، قال ولو كان عليه أكثر من ذلك لم يرصدْ لأدائه دينارًا واحدًا؛ لأنَّه كان أحسن النَّاس قضاءً.
قال ويُؤخذ من هذا أنَّه لا ينبغي الاستغراق في الدَّين بحيث لا يجدُ له وفاء فيعجز عنه، وتعقب بأنَّ الَّذي فهمَه من لفظ الدِّينار من الوحدة ليس كما فُهم، بل المراد به الجنس، وأمَّا قوله في الرِّواية الأخرى (( ثلاثة دنانير ) )فليست الثَّلاثة فيه للتَّقليل بل للمثال، أو لضرورة الواقع.
وقد قيل إنَّ المراد بالثَّلاثة أنَّها كانت كفايته فيما يحتاجُ إلى إخراجه في ذلك اليوم، وقيل بل هي دينارٌ للدَّين كما في الرِّواية الأخرى، ودينارٌ للإنفاق [على الأهل] ، ودينارٌ للإنفاق على الضَّيف، ثمَّ المراد بدينار الدَّين الجنس، ويؤيِّده تعبيره في أكثر الطُّرق بالشَّيء على الإبهام ويتناوله القليل والكثير.
وفي الحديث أيضًا الحثُّ على وفاء الدَّين، وأداء الأمانات، وجواز استعمال «لو» عند تمنِّي الخير، وتخصيص الحديث الوارد فيه نحو «لو» على ما يكون في أمرٍ غير محمود شرعًا، وادَّعى المهلب أنَّ قوله في رواية الأحنف عن أبي ذرٍّ «أتبصر أُحدًا،
ج 27 ص 128
قال فنظرت ما على أحد من الشَّمس ... » الحديث أنَّه ذكر للتَّمثيل في تعجيلِ إخراج الزَّكاة، وأنَّ المراد ما أُحبُّ أن أحبسَ ما أوجبَ الله تعالى عليَّ إخراجه بقدر ما بقي من النَّهار.
وتعقَّبه القاضي عياض فقال وهو بعيدٌ في التَّأويل، وإنَّما السياق بيِّنٌ في أنَّه صلى الله عليه وسلم أراد أن ينبِّهه على عِظم أُحد ليضرب به المثل في أنَّه لو كان قدره ذهبًا ما أحب أن يؤخِّره عنده إلَّا لمن ذكر من الإنفاق والإرصاد، فظنَّ أبو ذرٍّ أنَّه يريد أن يبعثَه في حاجةٍ، ولم يكن ذلك مرادًا إذ ذاك كما تقدَّم. وقال القرطبيُّ إنَّما استفهمَه عن رؤيته ليستحضر قدره حين نسبه له ما أراد بقوله (( لو أنَّ لي مثله ذهبًا ) ).
وقال القاضي عياض وقد يحتجُّ به من يفضِّل الفقر على الغِنى، وقد يحتجُّ به من يفضِّل الغنى على الفقر، ومأخذ كلٍّ منهما واضحٌ من سياق الخبر.
وفيه الحضُّ على إنفاقِ المال في الحياة وفي الصِّحَّة، وترجيحهِ على إنفاقه عند الموت.
وقد مضى فيه حديث (( أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيحٌ ) ) [خ¦1419] وذلك أنَّ كثيرًا من الأغنياء يشحُّ بإخراج ما عنده ما دام في عافيةٍ فيأمل البقاء، ويخشى الفقر، فمَن خالف شيطانه وقهرَ نفسه إيثارًا لثواب الآخرة فازَ، ومن يُخِلُّ بذلك لم يأمن الجور في الوصيَّة، وإن سلم لم يأمن تأخيرَ تنجيز ما أوصى به أو تركه أو غير ذلك من الآفات، لا سيَّما إن خلَّف وارثًا غير موفَّقٍ، فيبذره في أسرع وقتٍ ويبقى وباله على الَّذي شحَّ به، والله المستعان.