فهرس الكتاب

الصفحة 9617 من 11127

6451 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو أبو بكرٍ وأبو شيبة جدُّه لأبيه، وهو ابنُ محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم، أصله من واسط وسكن الكوفة، وهو أحدُ الحفَّاظ الكبار، وقد أكثرَ عنه المصنِّف وكذا مسلم بكنيته [1] دائمًا، والبخاريُّ يسمِّيه، وقل أن كنَّاه، قال «حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ» حمَّاد بن أسامة، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ لَقَدْ تُوُفِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فِي رَفِّي) ويروى «وما في بيتي» [خ¦3097] والرَّفُّ بفتح الراء وتشديد الفاء. قال

ج 27 ص 146

الجوهريُّ شِبْه الطَّاق في الحائطِ، وقال القاضي عياض خشبٌ يُرفع عن الأرضِ في البيت يوضعُ فيه ما يُراد حفظُه، وقيل خشبةٌ عريضةٌ يغرزُ طرفاها في الجدار، فافهم.

(مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ) يشملُ جميعَ الحيوانات، ولا يخالف ما تقدَّم في «الوصايا» من حديث عَمرو بن الحارث المصطلقي (( ما ترك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا ولا شيئًا ) ) [خ¦2739] لأنَّ مراده بالشَّيء المنفيِّ ما يتخلَّف عنه ممَّا كان يختصُّ به. وأمَّا الَّذي قالته عائشةُ رضي الله عنها، فكان بقيَّة نفقتها الَّتي تختصُّ بها، فلم يتحدَّ الموردان.

(إِلاَّ شَطْرُ شَعِيرٍ) المراد بالشَّطر هنا البعضُ، والشَّطر يطلقُ على النِّصف وعلى ما قاربه، وعلى الجهة وليست مرادةً هنا، ويقال أرادتْ نصفَ وسقٍ (فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ) بتشديد التحتية (فَكِلْتُهُ) بكسر الكاف (فَفَنِيَ) أي فرغ. قال ابن بطَّالٍ حديث عائشة رضي الله عنها هذا في معنى حديث أنسٍ رضي الله عنه في الأخذ من العيش بالاقتصاد، وبما يسدُّ الجوعة.

قال الحافظ العسقلانيُّ إنَّما يكون كذلك لو وقع بالقصد إليه، والَّذي يظهر أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يُؤْثِرُ بما عنده، فقد ثبت في «الصحيحين» [خ¦5357] أنَّه كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر وغيرها من تمرٍ وغيره يدَّخر قوت أهله سنةً، ثمَّ يجعل ما بقي في سبيل الله تعالى، ثمَّ كان مع ذلك إذا طرأَ عليه طارئٌ أو نزل به ضيفٌ يشير على أهله بإيثارهم، فربَّما أدَّى ذلك إلى نفاد ما عندهم أو معظمه.

وقد روى البيهقيُّ من وجهٍ آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت (( ما شبعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيَّامٍ متوالية، ولو شئنا لشبعنا، ولكنَّه كان يُؤْثِرُ على نفسه ) ).

وأمَّا قولها (( فكِلْته ففني ) )قال ابن بطَّالٍ فيه إنَّ الطَّعام المكيل يكون فناؤه للعلم بكيله، وإنَّ الطَّعام الغير المكيل فيه البركة؛ لأنَّه غير معلومٍ مقداره.

قال الحافظ العسقلانيُّ

ج 27 ص 147

في تعميم كلِّ طعامٍ بذلك نظرٌ، والَّذي يظهر أنَّه كان من الخصوصيَّة لعائشة رضي الله عنها ببركة النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وقد وقع مثل ذلك في مِزْود أبي هريرة رضي الله عنه الَّذي أخرجه التِّرمذي وحسَّنه، والبيهقي في «الدلائل» من طريق أبي العالية عن أبي هريرة (( أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمراتٍ فقلت ادعُ لي فيهنَّ بالبركة، قال فقبضَ ثمَّ دعا ثمَّ قال خذهنَّ فاجعلهنَّ في مزودٍ، وإذا أردت أن تأخذَ منهنَّ فأدخل يدك فخُذْ، ولا تنثرهنَّ نثرًا، فحملتُ من ذلك كذا وكذا وسقًا في سبيل الله، وكنَّا نأكلُ ونُطعم، وكان المزود معلَّقًا بحَقْوِي لا يُفارقه، فلمَّا قتل عثمان انقطعَ ) ).

وأخرجه البيهقيُّ أيضًا من طريق سهل بن زياد، عن أيُّوب، عن محمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه مطوَّلًا وفيه (( فأدخل يدك فخُذْ ولا تكفئ فيكفأ عليك ) ). ومن طريق يزيد بن أبي منصور عن أبيهِ عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.

ونحوه ما وقع في عكَّة المرأة، وهو ما أخرج مسلم من طريق أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه أنَّ أمَّ مالكٍ كانت تُهدي للنَّبي صلى الله عليه وسلم في عكَّة لها سمنًا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم، فتعمَّد إلى العُكَّة فتجد فيها سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بَيِنْها [2] حتَّى عصرته، فأتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( لو تركتها ما زال قائمًا ) ). فإن قيل تقدَّم في «البيوع» من حديث المقدام بن معد يكرب بلفظ (( كِيْلوا طعامَكم يبارك لكم ) ) [خ¦2128] ، وقولها (( كِلْته ففني ) )مشعرٌ بأنَّ الكيل سبب عدم البركة.

فالجواب أنَّ البركة عند البيع وعدمها عند النَّفقة؛ يعني أنَّ الكيلَ عند المبايعة مطلوبٌ من أجل تعلُّق حقِّ المتبايعين، فلهذا القصد يندبُ، وأمَّا الكيل عند الإنفاق فقد يبعثُ عليه الشُّح فلذلك كُرِه، ويؤيِّده ما أخرجه مسلم من طريق معقل بن عبد الله، عن أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يستطعمُه فأطعمه شطر وسق شعيرٍ، فما زال الرَّجل يأكلُ منه وامرأته وضيفهما حتَّى كاله فأتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( لو لم تكلْه لأكلتُم منه ولقام لكم ) ).

قال القرطبيُّ سبب رفعِ النَّماء من ذلك عند العصر وعند

ج 27 ص 148

الكيل _ والله أعلم _ الالتفات بعين الحرص مع معاينةِ إدرار نعم الله، ومواهب كراماتهِ، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشُّكر عليها، والثِّقة بالَّذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدةِ خرق العادة، ويستفادُ منه أنَّ من رزق شيئًا أو أكرم بكرامة أو لطف به في أمرٍ فالمتعيَّن عليه موالاة الشُّكر، ورؤية المنَّة لله تعالى، ولا يُحْدِث في تلك الحالة تغييرًا، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ؛ لأنَّ هذه الحالة تدلُّ على اختيار الفقر وفضله، وقد مضى الحديث في «الخمس» [خ¦3097] ، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب.

[1] في هامش الأصل في نسخة يكنيه.

[2] في الفتح بيتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت