6489 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ابن عبيد العَنزي _ بفتح النون بعدها زاي _ البصري المعروف بالزَّمِن قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر البصريُّ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين، مصغَّرًا (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ)
ج 27 ص 231
أي لبيد بن ربيعة العامريُّ، ثمَّ الكلابي، ثمَّ الجعفي، ويكنى أبا عقيل، ذكره البخاريُّ، وابن أبي خيثمة وغيرهما في الصَّحابة، سكن الكوفة، ومات بها في خلافةِ عثمان رضي الله عنه وعاش مائةً وخمسين سنةً، وقيل أكثر.
(أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلُ) أي ما عداه تعالى وعدا صفاته الذَّاتية والفعليَّة باطل؛ أي هالك، وكلُّ شيءٍ سوى الله تعالى جائز عليه الفناء، وإن خلق فيه البقاء بعد ذلك كالجنَّة والنَّار، وأَطلقَ البيت، وأُريد به البعض، فإنَّ الذَّي ذكره هنا نصفه، وهو المصراع الأوَّل، أو المراد هو ومصراعه الآخر وهو
وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائل.
ويحتمل أن يكونُ على سبيل الاكتفاء، فأشار بأوَّل البيت إلى بقيَّته، والمراد كلَّه، وفي «كتاب الأدب» بلفظ [خ¦6147] (( أصدق كلمة ) )وأنَّ المراد به القصيدة وهو المشهور، وفي رواية شريك عند مسلم بلفظ (( أشعر كلمةٍ تكلَّمت بها العرب ) ).
وقد أورد ابن إسحاق في «السيرة» ما جرى لعثمان بن مظعونٍ مع لبيد بن ربيعة ناظم هذا البيت، حيث قال له لمَّا أنشد المصراع الأوَّل صدقتَ، ولمَّا أنشد المصراع الثَّاني قال كذبتَ، ثمَّ قال له نعم الجنَّة لا تزول، وقد تقدَّم توجيه ذلك بأنَّ ما سواه تعالى جائزٌ عليه الفناء، وإن خُلق فيه البقاء بعد ذلك كنعيم الجنَّة.
وقال ابن بطَّالٍ قوله (( ما خلا الله باطلٌ ) )لفظٌ عامٌّ أريد به الخصوص، والمراد أنَّ كلَّ ما قرَّب من الله فليس بباطلٍ، فأمَّا أمور الدُّنيا الَّتي لا تؤول إلى طاعة الله فهي الباطلُ، انتهى.
قال العينيُّ لم أرَ أحدًا من الشُّراح ذكر وجه إيراد هذا الحديث في هذا الباب، فلذلك ذكره ابن بطَّال في الباب الَّذي قبله، فأقول من الفيض الإلهيِّ الَّذي وقع في خاطري أنَّ كلَّ شيءٍ ما خلا الله من أمر الدُّنيا الَّذي لا يؤول إلى طاعة الله، ولا يقرب منه إذا كان باطلًا يكون الاشتغال به مبعدًا من الجنَّة، مع كونها أقرب إليه من شِراك نعله، والاشتغال بالأمور الَّتي هي داخلةٌ في أمر الله تعالى يكون مبعدًا من النَّار مع كونها أقرب إليه من شِراك نعله، انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ مناسبة هذا الحديث الثَّاني
ج 27 ص 232
للتَّرجمة خفيَّة، وكأنَّ التَّرجمة لمَّا تضمَّنت [مافي] الحديث الأوَّل من التَّحريض على الطَّاعة ولو قلَّت، والزَّجر عن المعصية ولو قلَّت، دلَّ على أنَّ من خالف ذلك إنَّما يخالفه لرغبةٍ في أمرٍ من أمور الدُّنيا، وكلُّ ما في الدُّنيا باطلٌ كما صرَّح به الحديث الثَّاني، فلا ينبغي للعاقل أن يؤثِّر الفاني على الباقي، فليتأمَّل.
وقد سبق الحديث في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦3841] .