6502 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَة) بفتح الكاف والراء المخففة، العِجلي _ بكسر العين المهملة _ الكوفي، مات ببغداد سنة ستٍّ وخمسين ومائتين، وهو من صغار شيوخ البخاريِّ، وقد شاركه في كثيرٍ من مشايخه منهم خالد بن مخلد شيخه في هذا، فإنَّه أخرج عنه البخاري بغير واسطةٍ في «باب الاستعاذة من الجبن» [1] في «كتاب الدَّعوات» [خ¦6819] ، وثبت «ابن كرامة» ، في رواية أبي ذرٍّ، وسقط في غيرها.
قال (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام، البجليُّ، ويقال القطواني الكوفي، مات بالكوفة في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين، وفيه كلامٌ سيأتي إن شاء الله تعالى، قال (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) أبو أيُّوب القرشيُّ التَّيمي مات سنة سبع وسبعين ومائة، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النون
ج 27 ص 270
وكسر الميم بلفظ الحيوان المشهور القرشيُّ، ويقال الليثي، مات سنة أربعين ومائة.
(عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ يسار، ووقع كذلك في بعض النُّسخ، وقيل هو ابنُ أبي رباح، والأول أصحُّ نبَّه عليه الخطيب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (قَالَ) قال الكرماني هذا من الأحاديث القدسيَّة، وقد مرَّ الكلام فيه قبل ستَّة أبوابٍ [خ¦6491] . وقد وقع في بعضِ طُرقه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم حدَّث به عن جبريلَ عن الله عزَّ وجلَّ، وذلك في حديث أنسٍ رضي الله عنه.
(مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا) قوله (( لي ) )صفة لقوله (( وليًا ) )لكنَّه لمَّا قُدِّم صار حالًا، والمراد بالولي العالمُ المواظب على طاعتهِ المخلص في عبادته، وقد استشكلَ وجود أحدٍ يُعاديه؛ لأنَّ المعاداة إنَّما تقعُ من الجانبين، ومن شأنِ الولي الحلمُ والصَّفح عمَّن يجهلُ عليه.
وأُجيب بأنَّ المعاداة لم تنحصر في الخصومة والمعاملة الدُّنيوية، بل قد تقعُ عن بُغضٍ ينشأ عن التَّعصب كالرَّافضي في بغضه لأبي بكرٍ رضي الله عنه، والمبتدع في بغضه للسُّني، فتقع المعاداة من الجانبين إمَّا من جانب الولي فلله وفي الله، وإمَّا من جانب الآخر فلِما تقدَّم، وكذا الفاسق المتجاهر يُبغضه الوليُّ في الله، ويُبغضُه الفاسق لإنكارهِ عليه، ولنهيهِ عن شهواته، وقد تُطلق المعاداة ويُراد بها الوقوعُ من أحد الجانبين بالفعل، ومن الآخر بالقوَّة.
ثمَّ لفظ «الولي» إمَّا فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتوَّلى الله سبحانه أمره قال الله تعالى {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف 169] ، ولا يكله إلى نفسه لحظةً بل يتولَّى الحقُّ رعايته، وإمَّا فعيل بمعنى فاعل مبالغة، وهو الذي يتولَّى عبادة الله وطاعاته، فعباداته تجري على التَّوالي من غير أن يتخلَّلها عصيانٌ، وكلا الطَّريقين واجبٌ حتَّى يكون الولي وليًّا بحسب قيامه بحقوق الله على الاستقصاء والاستبقاء، ودوام حفظ الله إيَّاه في السَّراء والضَّراء، ومن شرط الولي أن يكون محفوظًا كما أنَّ من شرط النَّبي أن يكون معصومًا، فكلُّ من كان للشَّرع عليه اعتراضٌ فهو مغرورٌ مخادعٌ.
قال القشيريُّ والمراد بكون الوليِّ محفوظًا أن يحفظَه الله من التَّمادي في الزَّلل والخطأ، وإن وقع
ج 27 ص 271
فيهما بأن يلهمَه التَّوبة فيتوبُ منهما، وإلَّا فهما لا يقدحان في ولايتهِ.
وقال ابن هُبيرة في «الإيضاح» قوله (( عادى لي وليًّا ) )؛ أي اتَّخذه عدوًا، ولا أرى المعنى إلَّا أنَّه عاداه من أجلِ ولايته، وهو إن تضمَّن التَّحذير من إيذاءِ أولياء الله ليس على الإطلاق، بل يستثنى منه ما إذا كانت الحالُ تقتضي نزاعًا بين وليَّين في مخاصمة أو محاكمةٍ، ويرجعُ إلى استخراج حقٍّ، أو كشف غامضٍ، فإنَّه جرى بين أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما مشاجرة، وبين العبَّاس وعليٍّ رضي الله عنهما إلى غير ذلك من الوقائع، انتهى ملخصًا موضحًا.
وتعقَّبه الفاكهانيُّ بأنَّ معاداة الولي لكونه وليًّا لا تُفهم إلَّا إذا كان على طريق الحسد الذي هو تمنِّي زوال ولايتهِ، وهو بعيدٌ جدًّا في حقِّ الولي، فتأمَّل.
وقال ابن هُبيرة ويستفاد من هذا الحديث تقدُّم الإعذار على الإنذار، وهو واضحٌ.
(فَقَدْ آذَنْتُهُ) بمد الهمزة وفتح الذال المعجمة بعدها نون؛ أي أَعْلَمْتُه، من الإيذان وهو الإعلام، ومنه أُخِذَ الأذان (بِالْحَرْبِ) في رواية الكُشميهني ، ووقع في حديث عائشة رضي الله عنها (( من عادى لي وليًّا قد استحلَّ محاربتي ) )، وفي رواية أحمد (( من أذلَّ لي وليًّا ) )، وفي أخرى (( من آذى لي وليًّا ) )وفي حديث ميمونة رضي الله عنها (( فقد استحلَّ محاربتي ) ). وفي رواية وهب بن منبِّه موقوفًا (( قال الله تعالى من أهانَ وليي المؤمن، فقد استقبلنِي بالمحاربة ) ). وفي حديث معاذ رضي الله عنه (( فقد بارزَ الله بالمحاربة ) ). وفي حديث أبي أُمامة وأنس رضي الله عنهما (( فقد بارزني ) )أي أعملُ به ما يعمله العدوُّ المحارب من الإيذاء ونحوه، فلا يَرِدُ أنَّ المخلوق في أسرِ الخالق، فكيف تقع المحاربة بينه وبين المخلوق، وتحقيقه أنَّه من المخاطبة بما يُفهم، فإنَّ الحرب تنشأُ عن العداوةِ والعداوة تنشأُ عن المخالفة، وغاية الحرب الهلاك، والله لا يغلبه غالبٌ، فكأنَّ المعنى فقد تعرَّض لإهلاكي إيَّاه، فأطلق الحرب وأراد لازمه، وهو أنِّي أعمل به ما يعمله العدوُّ المحارب.
وقال الفاكهانيُّ
ج 27 ص 272
في هذا تهديدٌ شديدٌ؛ لأنَّ من حاربه الله أهلكه، وهو من المجاز البليغ؛ لأنَّ من كره من أحبَّ الله تعالى خالف الله، ومن خالف الله عانده، ومن عانده أهلكه، وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة، فمن والى أولياء الله أكرمه الله.
وقال الطُّوفي لمَّا كان ولي الله من تولَّى الله بالطَّاعة والتَّقوى تولَّاه الله عزَّ وجلَّ بالحفظ والنُّصرة، وقد أجرى الله تعالى العادة بأن عدوَّ العدوِّ صديقٌ، وصديق العدوِّ عدوٌّ، فعدوُّ وليِّ الله عدوُّ الله، فمن عاداه كمن حاربه، ومن حاربه فكأنَّما حارب الله، والله الموفِّق.
(وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بحذف التَّحتية (بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ) بفتح «أحبَّ» ، صفة «لشيءٍ» ، فهو مفتوحٌ في موضع جرٍّ، وبالرَّفع بتقدير هو أحب إلي (مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ) ويدخل تحت هذا اللَّفظ جميع الفرائض من فرائضِ العين وفرائض الكفاية وظاهره الاختصاص بما ابتدأ الله عزَّ وجلَّ فرضيته، وفي دخول ما أوجبه المكلِّف على نفسه نظر للتَّقييد بقوله «افترضته عليه» إلَّا إن أُخذ من جهة المعنى الأعمِّ.
ويستفاد منه أنَّ أداء الفرائض أحبُّ الأعمال إلى الله تعالى، قال الطُّوفي الأمر بالفرائض جازمٌ، ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النَّفل، وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثَّواب، فكانت الفرائض أكمل، فلذا كانت أحبَّ إلى الله تعالى وأرشدَّ تَقْرِيْبًَا، فالفرضُ كالأصل والأُسِّ، والنَّفل كالفرع والبناء، وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثالُ الأمر واحترام الآمر وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الرُّبوبية وذلِّ العبوديَّة، وكان التَّقرب بذلك أعظم العمل، والذي يؤدِّي الفرض قد يفعله خوفًا من العقوبة، ومؤدِّي النَّفل لا يفعله إلَّا إيثارًا للخدمة، فيُجازى بالمحبَّة التي هي غايةُ مطلوب من يتقرَّب بخدمته، ولذا قال تعالى (وَمَا زَالَ) وفي رواية الكُشميهني بلفظ المضارعة
ج 27 ص 273
(عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ) التَّقرب تطلب القُرب.
قال أبو القاسم القشيري قُرْبُ العبد من ربِّه يقعُ أولًا بإيمانه ثمَّ بإحسانه، وقرب الرَّب من عبده ما يخصُّه به في الدُّنيا من عرفانه، وفي الآخرة من رضوانهِ، وفيما بين ذلك من وجوه لطفهِ وامتنانهِ، ولا يتمُّ قرب العبد من الحقِّ إلَّا ببعدهِ من الخلق، قال وقرب الرَّب بالعلم والقدرة عام للنَّاس، وباللطف والنُّصرة خاصٌّ بالخواص، وبالتَّأنيس خاصٌّ بالأولياء.
ووقع في حديث أبي أُمامة رضي الله عنه (( يتحبَّب إليَّ ) )بدل (( يتقرَّب ) )وكذا حديث ميمونة رضي الله عنها، والمراد «بالنَّوافل» ما كانت حاويةً للفرائض مشتملةً عليها، ومكملةً لها، وليس المراد النَّوافل مطلقًا.
(حَتَّى أُحِبَّهُ) كذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره ظاهره محبَّة الله للعبد تقع بملازمة العبد التَّقرب بالنَّوافل. وقد استشكل بما تقدَّم من أنَّ الفرض أحبُّ العبادات المتقرَّب بها إلى الله، فكيف لا تُنتج المحبة؟ والجواب أنَّ المراد من النَّوافل ما كانت حاويةً للفرائض، كما مرَّ الآن، ويؤيِّده أنَّ في رواية أبي أُمامة (( ابن آدم إنَّك لن تدرك ما عندي إلَّا بأداء ما افترضتُه عليك ) ).
وقال الفاكهانيُّ معنى الحديث إنَّه إذا أدَّى الفرائض ودام على إتيان النَّوافل من صلاةٍ وصيامٍ وغيرها أفضى به ذلك إلى محبَّة الله تعالى. وقال ابن هُبيرة يُؤخذ من قوله (( يتقرَّب ) )إلى آخره أنَّ النَّافلة لا تُقدَّم على الفرائض؛ لأنَّ النَّافلة إنَّما سمِّيت نافلةً لأنَّها تأتي زائدة على الفرائض، فما لم تؤدَّ الفرائض لا تحصل فائدة النَّافلة، ومن أدَّى الفرض، ثمَّ زاد عليه النَّفل وأدام ذلك تحقَّقت منه إرادة القرب، انتهى.
وأيضًا فقد جرت العادة أنَّ التَّقرب يكون غالبًا بغير ما وجب على المتقرب كالهدية والتُّحفة، بخلاف يُؤدِّي ما عليه من خراجٍ أو يقضي ما عليه من دينٍ، وأيضًا فإنَّ من جملة ما شرعت
ج 27 ص 274
له النوافل جبر الفرائض، كما صحَّ في الحديث الذي أخرجه مسلم (( انظروا هل لعبدي من تطوع، فتَكْمُل به فريضته؟ ) )الحديث بمعناه، فتبيَّن أنَّ المراد من التَّقرب بالنَّوافل أن تقعَ ممَّن أدَّى الفرض لا من أخلَّ بالفرائض، كما قال بعضُ الأكابر من شغله الفرض عن النَّفل فهو معذورٌ، ومن شغله النَّفل عن الفرض فهو مغرورٌ.
(فَكُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ) لفظة «به» في رواية الكُشميهني ثابتةٌ، وفي غيرها ساقطة (وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ) وفي حديث عائشة رضي الله عنها في رواية عبد الواحد «عينه الذي يبصر بها» . وفي رواية يعقوب بن مجاهد «عينيه اللَّتين يبصر بهما» بالتَّثنية، وكذا قال في الأذن واليد والرَّجل (وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا) بضم الطاء في «اليونينية» ، وبكسرها في غيرها، وبهما قُرئ في القرآن.
(وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا) وزاد عبدُ الواحد في روايته عن عروة عن عائشة رضي الله عنها عند أحمد والبيهقي في «الزُّهد» «وفؤادُهُ الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلَّم به» . ونحوه في حديث أبي أُمامة، وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه (( من أحببتُه كنتَ له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا ) ).
وقد استشكل كيف يكون الباري سبحانه وتعالى سمع العبد وبصره ... إلى آخره.
والجواب من أوجه
أحدها أنَّه ورد على سبيل التَّمثيل، والمعنى كنت كسمعهِ وبصرِهِ في إشارة أمري، فهو يحبُّ طاعتي ويُؤثر خدمتي، كما يحبُّ هذه الجوارح.
ثانيها أنَّ المعنى أنَّ كليته مشغولةٌ بي فلا يُصغي بسمعه إلَّا إلى ما يرضيني ولا يرى ببصره إلَّا ما آمره به.
ثالثها أجعلُ له مقاصده كأنَّه ينالها بسمعهِ وبصرهِ ... إلى آخره.
ورابعها كنت له في النُّصرة كسمعهِ وبصره ويدهِ ورجله في المعاونة على عدوه.
وخامسها ما قال الفاكهانيُّ، وسبقه إلى معناه ابن هُبيرة وهو فيما ظهر أنَّه على حذف مضاف التَّقدير كنتُ حافظَ سمعه الذي يسمعُ به، فلا يسمع إلَّا ما يحلُّ سماعه، وحافظ بصره كذلك إلى آخره.
وسادسها ما قاله الفاكهانيُّ أيضًا أنَّه يحتمل معنى آخر أدقُّ من الذي قبله، وهو أن يكون معنى سمعه مسموعه؛ لأنَّ المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل فلان
ج 27 ص 275
أملي بمعنى مأمولي، والمعنى لا يسمع إلَّا ذكرى، ولا يلتذُّ إلَّا بتلاوة كتابي، ولا يأنس إلَّا بمناجاتي، ولا ينظر إلَّا في عجائب ملكوتي، ولا يمدُّ يده إلَّا فيما فيه رضائي، ورجله كذلك، وبمعناه قال ابن هُبيرة.
وقال الطُّوفي اتَّفق العلماء ممَّن يُعتدُّ بقوله أنَّ هذا مجازٌ، وكنايةٌ عن نصرة العبد وتأييده وإعانته حتَّى كأنَّه سبحانه وتعالى نزَّل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها. ولهذا وقع في رواية (( فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطشُ، وبي يمشي ) )قال والإلحادية الاتِّحادية زعموا أنَّه على حقيقته، وأنَّ الحقَّ عين العبد، واحتجُّوا بمجيء جبريل في صورة دِحْية، فهو روحاني خلع صورته، وظهرَ بمظهر البشر، قالوا والله أقدر على أن يظهرَ في صورة الموجود الكلي أو بعضه، تعالى الله عمَّا يقول الظَّالمون علوًّا كبيرًا.
وللشَّيخ قطب الدِّين القسطلانيُّ كتاب بديع في الرَّد على أصحاب هذه المقالة الشَّنيعة الباطلة، أثابه الله تعالى ثوابًا جزيلًا.
وقال الخطَّابي هذه أمثال، والمعنى توفيق الله لعبدهِ في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبَّة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمَه عن مواقعة ما يكره الله تعالى من الإصغاء إلى اللَّهو بسمعه، ومن النَّظر إلى ما نهى الله عنه ببصرهِ، ومن البطشِ فيما لا يحلُّ له مدُّ يدِهِ إليه، ومن السَّعي إلى الباطل برجله، وإلى هذا نحا الدَّاودي، ومثله للكلاباذي، وعبَّر بقوله أحفظه فلا يتصرَّف إلَّا في محابِّي؛ لأنَّه إذا أحبَّه كره له أن يتصرَّف فيما يكرهه منه.
وسابعها ما قال الخطَّابي أيضًا وقد يكون عبَّر بذلك عن سرعة إجابة الدُّعاء والنُّجح في الطَّلب، وذلك أنَّ مساعي الإنسان كلها إنَّما تكون بهذه الجوارح المذكورة. وقال بعضُهم وهو منتزعٌ ممَّا تقدَّم لا تتحرَّك له جارحة إلَّا في الله ولله، فهي كلها تعمل بالحقِّ للحقِّ.
وأسند البيهقيُّ في «الزهد» عن أبي عثمان الحيري أحد أئمَّة الصُّوفيَّة القشيريَّة قال معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعهِ في الأسماع، وعينه في النَّظر، ويده في اللَّمس، ورجلهِ في المشي.
ج 27 ص 276
وحمله بعضُ متأخري الصُّوفية على ما يذكرونه من مقام الفناء والمحو، وأنَّه الغاية التي لا شيءَ وراءها، وهو أن يكون قائمًا بإقامة الله له، محبًا بمحبتهِ له، ناظرًا بنظره له من غير أن يبقَى له بقيَّة تُناط باسم أو تقف على رسم أو تتعلَّق بأمر، أو توصف بوصف، ومعنى هذا أنَّه يشهد إقامة الله له حين قام، ومحبَّته له حين أحبَّه، ونظره حين أقبلَ ناظر إليه بقلبه.
وحمله بعضُ أهل الزَّيغ على ما يدعونه من أنَّ العبدَ إذا لازم العبادة الظَّاهرة والباطنة حتَّى يصفى من الكدورات أنَّه يصير على معنى الحقِّ، تعالى الله عن ذلك، وأنَّه يُغني عن نفسهِ جملة حتَّى يشهد أنَّ الله هو الذَّاكر لنفسهِ الموحِّد لنفسه، وأنَّ هذه الأسباب والرُّسوم تصير عدمًا صرفًا في شهوده، وعلى الأوجه كلِّها فلا تمسُّك فيه للإلحاد، ولا القائلين بالوحدةِ المطلقة؛ لقوله في بقيَّة الحديث (( فلئن سألني ) )، (( ولئن استعاذني ) )فإنَّه كالصَّريح في الرَّد عليهم، والله الموفِّق.
(وَإِنْ سَأَلَنِي) زاد في رواية عبد الواحد بن ميمون (( عبدي ) ) (لأُعْطِيَنَّهُ) ما سأل، وهو بلام التَّأكيد والهمزة مضمومة وبالنون الثَّقيلة، وفي بعض النُّسخ على أنَّه فعل ماضٍ (وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بي) بالباء الموحدة بعد الذال المعجمة، وقيل بالنون موضع الباء (لأُعِيذَنَّهُ) أي ممَّا يخاف، وفي حديث أبي أُمامة رضي الله عنه عند الطَّبراني والبيهقيِّ في «الزهد» (( وإذا استنصرني نصرته ) ). وفي حديث حذيفة رضي الله عنه عند الطَّبراني (( ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النَّبيين والصِّديقين والشُّهداء في الجنَّة ) ). وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه (( نصحنِي فنصحتُ له ) )، وفي حديث أبي أُمامة (( وأحبُّ عبادتهِ عندي النَّصيحة ) ).
ويستفاد منه أنَّ المراد بالنَّوافل ما يقربُ من الأقوال والأفعال. وقد استشكلَ بأنَّ جماعةً من العباد والصُّلحاء دعوا وبالغوا ولم يُجابوا.
والجواب أنَّ الإجابة تتنوَّع فتارةً يقعُ المطلوب بعينهِ على الفور، وتارةً يقعُ ولكن يتأخَّر لحكمةٍ فيه، وتارةً قد تقع الإجابة، ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون في المطلوبِ مصلحةٌ ناجزةٌ، وفي الواقع مصلحةٌ أو أصلح منها.
وفي الحديث عظم قدر الصَّلاة، فإنَّه نشأَ عنها محبَّة الله عزَّ وجلَّ للعبد الذي يتقرَّب بها، وذلك لأنَّ الصَّلاة محلُّ المناجاة
ج 27 ص 277
والقُربة، ولا واسطة فيها بين العبد وربِّه، ولا شيءَ أقرَّ لعين العبد منها، ولهذا جاء في حديث أنسٍ رضي الله عنه المرفوع (( وجعلت قرَّة عيني في الصَّلاة ) )أخرجه النَّسائي وغيره بسندٍ صحيحٍ، ومن كانت قرَّة عينه في شيءٍ، فإنَّه يودُّ أن لا يفارقه ولا يخرج منه لأنَّ فيه نعيمه، وبه تطيبُ حياته، وإنما يحصل ذلك للعابد بالمصابرة على النَّصب، فإنَّ السَّالك عرضة الآفات والفتور.
وقد تمسَّك بهذا الحديث بعضُ الجهلة من أهل الرِّياضة، فقالوا القلب إذا كان محفوظًا مع الله كانت خواطره معصومة من الخطأ، وتعقَّبَ ذلك أهل التَّحقيق من أهل الطَّريق، فقالوا لا يلتفت إلى شيءٍ من ذلك إلَّا إذا وافق الكتاب والسُّنة، والعصمة إنَّما هي للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ومن عداهم قد يخطئ، فقد كان عمر رضي الله عنه رأسَ المُلهمين، ومع ذلك كان ربَّما يرى الرَّأي فيُخبره بعضَ الصَّحابة بخلافه فيرجع إليه ويترك رأيه، فمن ظنَّ أنَّه يكتفي بما يقع في خاطره مُعْرِضًا عمَّا جاء به الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، فقد ارتكبَ أعظم الخطأ، وأمَّا من بالغ منهم فقال حدَّثني قلبي عن ربِّي، فهو أشدُّ خطأً، فإنَّه لا يأمنُ من أن يكون قلبه إنَّما حدَّثه عن الشَّيطان، والله المستعان.
قال الطُّوفي هذا الحديث أصلٌ في السُّلوك إلى الله تعالى، والوصول إلى معرفتهِ ومحبَّته، وطريقه أداء المفروضات الباطنة وهي الإيمان، والظَّاهرة وهي الإسلام، والمركَّب منهما وهو الإحسانُ فيهما كما تضمَّنه حديث جبريل عليه السَّلام، والإحسان يتضمَّن مقامات السَّالكين من أهل الزُّهد والإخلاص والمراقبة وغيرها.
وفي الحديث أيضًا أنَّ من أتى بما وجبَ عليه وتقرَّب بالنَّوافل لم يردَّ دعاؤه لوجودِ هذا الوعد الصَّادق المؤكَّد بالقسم، وقد تقدَّم الجواب عمَّا يتخلَّف من ذلك.
وفيه أنَّ العبد لو بلغَ أعلى الدَّرجات حتَّى يكون محبوبًا لله تعالى لا ينقطع من الطَّلب من الله لما فيه من الخضوعِ وإظهار العبوديَّة.
(وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ) وفي حديث عائشة رضي الله عنها
ج 27 ص 278
(( تردَّدي عن موته ) )، ووقع في «الحلية» في ترجمة وهب بن منبِّه إنِّي لأجد في كتب الأنبياء عليهم السَّلام أنَّ الله تعالى يقول ما تردَّدت عن شيءٍ قطُّ تردُّدي عن قبض روح المؤمن ... إلى آخره.
قال الخطَّابي التَّردد في حقِّ الله تعالى غير جائزٍ، والبدء عليه في الأمور غير سائغٍ، ولكن له تأويلان أحدهما أنَّ العبد قد يشرفُ على الهلاك في أيَّام عمره من داءٍ يصيبه، أو فاقةٍ تنزلُ به، فيدعو الله عزَّ وجلَّ فيشفيه منها، ويدفعُ عنه مكروهًا بها، فيكون ذلك من فضله كتردُّد من يريد أمرًا، ثمَّ يبدو له فيتركه ويعرضُ عنه، ولا بدَّ له من لقائه إذا بلغَ الكتاب أجله؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى قد كتبَ الفناء على خلقهِ واستأثر بالبقاء لنفسه.
والثَّاني أن يكون معناه ما رددت رسلي في شيءٍ أنا فاعله كترديدي إيَّاهم في نفسِ المؤمن، كما روي في قصَّة موسى عليه السَّلام وما كان من لطمه عين ملك الموت، وتردَّد إليه مرةً أخرى، وأضاف تعالى ذلك لنفسه لأنَّ تردُّدَهم عن أمره، قال وحقيقة المعنى على الوجهين عطف الله على العبد ولطفه به وشفقتهِ عليه.
وقال الكلاباذيُّ ما حاصله إنَّه عبَّر عن صفة الفعل بصفة الذَّات؛ أي عن التَّرديد بالتَّردد، وجعل متعلَّق التَّردد اختلاف أحوال العبد من ضعفٍ ونَصَبٍ إلى أن تنتقلَ محبَّته في الحياة إلى محبَّته للموت فيُقبض على ذلك، قال وقد يُحدث الله تعالى في قلبِ عبده من الرَّغبة فيما عندَه والشَّوق إليه والمحبَّة للقائهِ ما يشتاقُ معه إلى الموت فضلًا عن إزالة الكراهةِ عنه، فأخبر أنَّه يكره الموت ويسوئه، فكرهَ الله سبحانه مساءته، فيزيلُ عنه كراهةَ الموت، فيأتيه الموتُ وهو له مُؤْثِرٌ وإليه مشتاقٌ. قال وقد ورد تفعَّل بمعنى فعَّل، مثل تفكَّر بمعنى فكَّر، وتدبَّر بمعنى دبر، وتهدَّد بمعنى هدَّد، والله أعلم.
وعن بعضهم يحتمل أن يكون تركيبُ الوليِّ يحتمل أن يعيشَ خمسين سنةً وعمره الذي كُتب له سبعون، فإذا بلغها فمرضَ ودعا الله عزَّ وجلَّ بالعافيةِ، فيُحييه عشرين أخرى مثلًا، فعبَّر عن قَدْرِ التَّركيب وعمَّا انتهى إليه بحسب الأجل المكتوب بالتَّردد.
وعبَّر ابن الجوزي عن الثَّاني
ج 27 ص 279
بأنَّ التَّردد للملائكةِ الذين يقبضون الرُّوح، وأضاف الحقُّ ذلك لنفسه لأنَّ تردُّدهم عن أمره، قال وهذا التَّردد ينشأ عن إظهار الكراهة.
فإن قيل إذا أُمر الملك بالقبض كيف يقع منه التَّردد؟ فالجواب أنَّه يتردِّد فيما لم يَحُدَّ له الوقت، كأن يقال لا تقبض روحه إلَّا إذا رضي.
ثمَّ ذكر جوابًا ثالثًا وهو احتمال أن يكون معنى التَّردد اللطف به، فإنَّ الملك يؤخر القبض فإنَّه إذا نظر إلى قدر المؤمن وعظم المنفعة به لأهل الدُّنيا احترمه، فلم يبسط يده إليه، فإذا ذكر أمر ربِّه لم يجد له بدًّا من إمساكه.
وجوابًا رابعًا وهو أن يكون خطابًا لنا بما نعقل، والرَّب عزَّ وجلَّ منزهٌ عن حقيقته بل هو من جنس (( ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً ) )فكما أنَّ أحدنا يريد أن يضربَ ولده تأديبًا فتمنعه المحبَّة وتبعثه الشَّفقة، فيتردَّد بينهما ولو كان غير الوالد كالمعلم لم يتردَّد بل كان لا يبالي، بل يبادر إلى ضربه لتأديبه، فأريد تفهيمنا بتحقيق المحبَّة للولي بذكر التَّردد.
وجوَّز الكرماني احتمالًا آخر وهو أنَّ المراد أنَّه يقبض روح المؤمن بالتَّأني والتَّدريج بخلاف سائر الأمور، فإنَّها تحصلُ بمجرد قول كنْ، سريعًا دفعةً.
(يَكْرَهُ الْمَوْتَ) لما فيه من الألم العظيم (وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) بفتح الميم والمهملة بعدها همزة ففوقية، وفي حديث عائشة رضي الله عنها (( أنَّه يكره الموت، وأنا أكره مساءته ) )ويروى (( إساءته ) ). زاد ابن مخلدٍ عن ابن كرامة في آخره «ولا بدَّ له منه» ، ووقعت هذه الزِّيادة أيضًا في حديث وهب، وأسند البيهقيُّ في «الزهد» عن سيد الطَّائفة الجنيد قال الكراهة هنا لما يلقى المؤمن من الموت وصُعوبته وكربه، وليس المعنى أنِّي أكره الموت؛ لأنَّ الموت يُورده إلى رحمة الله ومغفرته، انتهى.
وعبَّر بعضهم عن هذا بأنَّ الموت حتمٌ مقضيٌّ، وهو مفارقةُ الرُّوحِ الجسدَ ولا يحصل إلَّا بألمٍ عظيمٍ جدًّا، كما جاء عن عَمرو بن العاص رضي الله عنه أنَّه سُئل وهو يموت، فقال كأنِّي أتنفَّس من خرم إبرةٍ، وكأنَّ غصن شوكةٍ يُجَرُّ به من قامتي
ج 27 ص 280
إلى هامتي.
وعن كعبٍ أنَّ عمر رضي الله عنه سأله عن الموتِ، فوصفه بنحو هذا، فلمَّا كان الموت بهذا الوصف والله يكرهُ أذى المؤمن أطلقَ على ذلك الكراهة.
ويحتمل [أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة؛ لأنها تؤدي إلى أرذل العمر، وتنكّسُ الخلق والردِّ إلى] [2] أسفل سافلين، وفي ذلك دلالة على شرف الأولياء ورفعةِ منزلتهم حتَّى لو تأتَّى أنَّه لا يذيقهم الموت الذي حتمه على عباده لفعل، ولهذا المعنى ورد لفظ التَّردد، كما أنَّ العبد إذا كان له أمرٌ لا بدَّ له أن يفعلَه بحبيبه لكنَّه يؤلمه، فإن نظرَ إلى ألمه انكفَّ عن الفعل، وإن نظر إلى أنَّه لا بدَّ له منه لمنفعتهِ أقدم عليه، فيعبر عن هذه الحالة في قلبه بالتَّردد، فخاطب الله تعالى الخلق بذلك على حسب ما يعرفون، ودلَّهم به على شرفِ الولي عنده ورفعة درجته.
قال الشَّيخ أبو الفضل [بن عطاءُ] [3] في هذا الحديث عظم قدر الولي لكونهِ خرج عن تدبيرهِ إلى تدبير ربِّه، وعن انتصاره لنفسه إلى انتصار الله له، وعن حوله وقوَّته بصدق توكُّله. قال ويؤخذ منه أن لا نحكم لإنسانٍ آذى وليًّا، ثمَّ لم يُعاجَل بمصيبته في نفسه أو ماله أو ولده بأنَّه يَسلم من انتقام الله عزَّ وجلَّ، فقد يكون مصيبته في غير ذلك ممَّا هو أشدُّ عليه كالمصيبة في الدِّين مثلًا أعاذنا الله تعالى من ذلك.
قال ويدخل في قوله (( افترضت عليه ) )الفرائض الظَّاهرة فعلًا كالصَّلاة والزَّكاة وغيرهما من العبادات، وتركًا كالزِّنا والقتل وغيرهما من المحرَّمات، والباطنة كالعلم بالله والحبِّ له والتَّوكل عليه والخوف وغير ذلك، وهو ينقسم أيضًا إلى أفعال وترك.
قال وفيه دلالةٌ على جواز اطلاع الولي على المغيبات باطِّلاع الله تعالى له، ولا يمنع من ذلك ظاهر قوله تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَد} [الجن 26] {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن 27] فإنَّه لا يمنع دخول بعض أتباعه معه بالتَّبعية لصدق قولنا ما دخل على الملِك اليوم إلَّا الوزير.
ومن المعلوم أنَّه دخل بعضُ خدمه، قال الحافظُ العسقلاني الوصف المستثنى للرَّسول هنا
ج 27 ص 281
إن كان ممَّا يتعلَّق بخصوص كونه رسولًا، فلا مشاركة لأحدٍ من أتباعه من الأمة، وإلَّا فيحتمل، والله تعالى أعلم.
وقد استشكل في مطابقة الحديث للتَّرجمة حتَّى قال الدَّاودي ليس هذا الحديث من التَّواضع في شيءٍ. قال صاحب «التلويح» لا أدري ما مطابقته له لأنَّه لا ذكر فيه للتَّواضع ولا لِمَا يقرب منه. وقيل المناسب إدخاله في الباب الذي قبله، وهو مجاهدةُ المرء نفسه في طاعة الله، وبذلك ترجم البيهقيُّ في «الزُّهد» فقال فصلٌ في الاجتهاد في الطَّاعة وملازمة العبوديَّة.
وأجابوا عن ذلك بوجوه
أحدها ما قاله الكرمانيُّ من أنَّ التَّقرب إلى الله تعالى بالنَّوافل لا يكون إلَّا بغاية التَّواضع لله تعالى والتَّذلل له، وقد سبقه بهذا صاحب «التَّلويح» ، فإنَّه قال التَّقرب إلى الله بالنَّوافل حتَّى يستحقُّوا المحبَّة من الله تعالى لا يكون إلَّا بغاية التَّواضع والتَّذلل للرَّب عزَّ وجلَّ، ثمَّ قال وفيه بعدٌ؛ لأن النَّوافل إنَّما يزكو ثوابها عند الله لمن حافظ على فرائضه.
وثانيها ما ذكره الكرمانيُّ أيضًا من أنَّ التَّرجمة مستفادةٌ ممَّا قال (( كنت سمعه ) )، ومن التَّردد.
قال الحافظ العسقلانيُّ ويخرج منه جوابٌ ثالثٌ، ويظهر لي رابع وهو أنَّها تستفاد من قوله (( من عادى لي وليًّا ) )لأنَّه يقتضي الزَّجر عن معاداة الأولياء المستلزم لموالاتهم، وموالاة جميع الأولياء لا تتأتَّى إلَّا بغاية التَّواضع لله والتَّذلل له، إذ فيهم الأشعث الأغبر الذي لا يُؤبه به.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ دلالة الالتزام مهجورة؛ لأنَّها لو كانت معتبرةً لزم أن يكون للفظ الواحد مدلولات غير متناهيةٍ، ويقال أيضًا لهذا القائل أتريد اللزوم البين أو المطلق، وأيًّا ما كان فدَلالة الالتزام مهجورة، فإن أردت اللُّزوم البين، فهو يختلفُ باختلاف الأشخاص، فلا يكادُ ينضبطُ المدلول، وإن أردت مطلق اللُّزوم، فاللَّوازم لا تتناهى، فيمتنع إفادة اللَّفظ إيَّاها، فلا يقعُ كلامه جوابًا.
تنبيه هذا الحديث في سندهِ خالد بن مخلد القطوانيُّ، قال أبو داود صدوق، وقال أحمد له مناكير،
ج 27 ص 282
وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتجُّ به، وقال أبو سعد منكر الحديث مفرط التَّشيع، وذكره ابن عدي ثمَّ ساق له عشرة أحاديث استنكرها، وممَّا انفردَ به ما رواه البخاري في «صحيحه» عن محمَّد بن عثمان بن كرامة شيخ البخاري فيه، وقال هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا لولا هيبة «الجامع الصَّحيح» لعدوه في منكرات خالد، وذلك لغرابة لفظه، ولأنَّه ممَّا ينفرد به شريك وليس بالحافظ، ولم يرو هذا المتن إلَّا بهذا الإسناد، ولا خرجه من عدا البخاري، ولا أظنُّه في «مسند أحمد» ، انتهى.
وتعقَّبه الحافظ العسقلاني فقال إنَّه ليس هو في «مسند أحمد» جزمًا، وإطلاق أنَّه لم يرو إلَّا بهذا الإسناد مردودٌ، ومع ذلك فشريك شيخ شيخ خالد فيه مَقال أيضًا وهو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص، وقدَّم وأخَّر، وانفرد بأشياء لم يُتابع عليها، ولكن للحديث طرقٌ أخرى يدلُّ مجموعها على أنَّ له أصلًا، منها
عن عائشة رضي الله عنها أخرجه أحمد في «الزُّهد» من طريق عبد الواحد بن ميمون عن عروة عنها، وذكر ابن حبَّان وابن أبي عدي أنَّه تفرَّد به. وقد قال البخاريُّ أنَّه منكر الحديث، لكن أخرجه الطَّبراني من طريق يعقوب بن مجاهد عن عروة وقال ولم يروه عن عروة إلَّا يعقوب وعبد الواحد.
ومنها عن أبي أُمامة رضي الله عنه أخرجه الطَّبراني والبيهقي في «الزُّهد» بسندٍ ضعيف.
ومنها عن علي رضي الله عنه عند الإسماعيلي في مسند عليٍّ رضي الله عنه، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخرجه الطَّبراني، وسندُه ضعيفٌ، وعن أنسٍ رضي الله عنه أخرجه أبو يَعلى والبزَّار والطَّبراني وفي سنده ضعفٌ، وعن حذيفة رضي الله عنه أخرجه الطَّبراني مختصرًا، وسنده حسنٌ غريب، وعن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه أخرجه ابن ماجه، وأبو نُعيم في «الحلية» ، وفيه تَعقُّب، وعن وهب بن منبه مقطوعًا أخرجه أحمدُ في «الزُّهد» وأبو نُعيم في «الحلية» .
[1] كذا، وهو في باب الرجم في البلاط.
[2] ما بين معقوفين من الفتح
[3] كما الفتح حتى لا يظن أنه أبو الفضل ابن حجر العسقلاني.