6519 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) أي ابن حزن الإمام، أبو محمَّد المخزومي أحد الأعلام، وسيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ) يوم القيامة؛ أي يضمُّ بعضها إلى بعضٍ ويُبيدها.
(وَيَطْوِي السَّمَاءَ) أي يُذهبها ويفنيها، يقال انطوى عنَّا ما كنَّا فيه؛ أي ذهب وزال، وهو الأصل والحقيقة، ولا يُراد بذلك طي بعلاج [وانتصاب، إنما المراد بذلك الإذهاب والإفناء] [1] (بِيَمِينِهِ) أي بقدرته، زاد في رواية ابن وهب عن يونس (( يوم القيامة ) )، قال القرطبيُّ يده عبارة عن قدرته وإحاطتهِ بجميع مخلوقاته.
واليد تأتي لمعانٍ كثيرةٍ بمعنى القوَّة، ومنه
ج 27 ص 333
قوله تعالى {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} [ص 17] . وبمعنى الملك، ومنه قوله تعالى {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} [آل عمران 73] . وبمعنى النِّعمة، تقول كم يد لي عند فلان؛ أي كم من نعمةٍ أسديتها إليه، وبمعنى الصِّلة، ومنه قوله تعالى {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة 237] . وبمعنى الجارحة، ومنه قوله تعالى {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} [ص 44] . وبمعنى الذُّل، ومنه قوله تعالى {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة 29] . قال الهرويُّ أي عن ذلٍّ، وقوله تعالى {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح 10] قيل في الوفاء، وقيل في الثَّواب.
وفي الحديث هذه يدِي لك؛ أي استسلمت لك وانقدتُ لك، وقد يقال ذلك للعاتب، واليدُ الاستسلامُ. قال الشَّاعر
~أَطَاعَ يدًا بِالْقَولِ فَهُو ذَلُولُ
أي انقاد واستسلم.
واليد السُّلطان، واليد الطَّاعة، واليد الجماعة، واليد الأكل، واليد النَّدم. وفي الحديث (( أخذ بهم يد البحر ) )يريد طريق السَّاحل، ويقال للقوم تفرَّقوا وتمزَّقوا في الآفاق صاروا أيدي سبأ.
واليد السَّماء، واليد الحفظ والوقاية، ويد القوس أعلاها، ويد السَّيف قبضتهُ، ويد الرحى العود الذي يَقْبض عليه الطَّاحن، ويد الطَّائر جناحه، وقالوا لا آتيه يد الدَّهر؛ أي الدَّهر. ولقيته أوَّل ذات يدي؛ أي أوَّل شيءٍ. وفي الحديث (( اجعل الفسَّاق يدًا يدًا ورجلًا ورجلًا ) )أي فرق بينهما في الهجرة.
واليد الطَّاقة، وابتعت الغنم اليدين؛ أي بثمنَين مختلفَين. ويد الثَّوب ما فضل منه إذا تعطَّفت [2] به والتحفت، وأعطاه عن ظهر يدٍ؛ أي ابتداء لا عن بيعٍ ولا مكافأة.
ويد الشَّيء أمامه، وهذا عيش يداي واسع، وبايعته يدًا بيد؛ أي بالنَّقد.
قال البيضاوي عبَّر عن إفناء الله تعالى هذه المقلة والمظلة ورفعهما من البين، وإخراجهما من أن تكونا مأوى ومنزلًا لبني آدم بقدرته الباهرة التي تهون عليها الأفعال العظام التي تتضاءل دونها القوى والقدر، وتتحيَّر فيها الأفهام والفكر على طريقة التَّمثيل.
وقال القاضي عياض
ج 27 ص 334
هذا الحديث جاء في «الصَّحيح» على ثلاثة ألفاظٍ القبض والأخذ والطَّي، وكلُّها بمعنى الجمع، فإنَّ السَّماوات مبسوطةٌ، والأرض مدحوّةٌ ممدودة، ثمَّ رجع ذلك إلى معنى الرَّفع والإزالة والتَّبديل، فعاد ذلك إلى ضمِّ بعضها إلى بعضٍ وإبادتها، فهو تمثيلٌ لصفة قبض هذه المخلوقات، وجمعها بعد بسطها وتفريقها دلالةٌ على المقبوض والمبسوط لا على القبضِ والبسط، وقد يحتمل أن يكون إشارةً إلى الاستيعاب، انتهى.
وقد اختلف في قوله تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ} [إبراهيم 48] هل المراد ذات الأرض وصفتها، أو تبديل صفتها فقط، وسيأتي بيانه في شرحٍ ثالث أحاديث الباب إن شاء الله تعالى [خ¦6521] .
(ثُمَّ يَقُولُ) أي الله عزَّ وجلَّ (أَنَا الْمَلِكُ) بكسر اللام؛ أي ذو الملك على الإطلاق (أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ) العبد إذا وُصِف بالملك، فوّصْفُ المُلك في حقِّه مجازٌ، والله تعالى مالك الملك، فالملك مملوك المالك، فإذًا لا مَلِك ولا مالك إلَّا هو، وكلُّ مَلِكٍ في الدُّنيا مُلْكه عاريةً عنده منه تعالى مستعارٌ مردودٌ إليه، وإليه الإشارة بقوله في المحشر {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} ، ومن ثمَّة سمَّى نفسه {مالك يوم الدِّين} ؛ لأنَّ العارية من الملك عادت ورُدَّت إلى مالكها ومُعيرها.
وقوله تعالى أين ملوك الأرض هو انقطاع زمن الدُّنيا وبعده يكون البعث والحشر والنَّشر، وقيل (( إنَّ المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرضٍ بيضاء مثل الفضَّة لم يُعصَ اللهُ عليها، لمن الملك اليوم، فيجيبه العبادُ لله الواحد القهَّار ) )رواه أبو وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وأخرجه النَّحاس، فإن قيل جاء في حديث الصُّور الطَّويل أنَّ جميع الأحياء إذا ماتوا بعد النَّفخة الأولى ولم يبقَ إلَّا الله، قال سبحانه (( أنا الجبَّار لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحدٌ فيقول الله سبحانه لله الواحد القهَّار ) ).
فالجواب أنَّه يمكن الجمع بينهما بأنَّ ذلك يقع مرَّتين. ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.
وقد أخرجه البخاريُّ في «التَّوحيد» أيضًا [خ¦7413] ، وأخرجه مسلمٌ في «التَّوبة» ، والنَّسائي في «البعث» و «التَّفسير» ،
ج 27 ص 335
وابن ماجه في «السُّنة» .
[1] مابين معقوفين من عمدة القاري والكواكب الدراري.
[2] في التوضيح إذا تغطيت به.