فهرس الكتاب

الصفحة 9714 من 11127

6520 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بن بُكَير _ بضم الموحدة وفتح الكاف _ المخزومي مولاهم المصري، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعدٍ، أبو الحارث الإمام مولى بني فَهْم، وهو من نظراء مالكٍ قيل كان مغلُّه في العام ثمانين ألف دينارٍ فما وجبت عليه زكاة.

(عَنْ خَالِدٍ) هو ابنُ يزيد، من الزِّيادة الجُمَحِي _ بضم الجيم وفتح الميم وكسر الحاء _ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ) التَّيمي، مولاهم أبي العلاء المدني (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الفقيه العمري (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتحتية والمهملة المخففة، الهلاليُّ القاص مولى ميمونة رضي الله عنها (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه، أنَّه قال (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكُونُ الأَرْضُ) أي أرض الدُّنيا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً) بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة وفتح الزاي بعدها هاء التأنيث.

قال الخطَّابي الخبزة الطُّلْمة _ بضم المهملة وسكون اللام _ وهو عجينٌ يوضع في الحفيرة بعد إيقاد النَّار فيها قال والنَّاس يسمُّونها المَلَّة _ بفتح الميم وتشديد اللام _ وإنَّما الملَّةُ الحفرةُ نفسُها، والتي يُملُّ فيها هي الطُّلْمة والخبزة والمليل.

قال النَّووي معنى الحديث إنَّ الله تعالى يجعل الأرض كالطُّلمة، والرَّغيف العظيم، انتهى.

وحمله بعضُهم على ضرب المثل فشبهها بذلك في الاستدارة والبياض، والأولى حمله على الحقيقةِ مهما أمكن، وقدرة الله تعالى صالحةٌ لذلك، بل اعتقاد كونه حقيقةً أبلغ.

وقد أخرج الطَّبري عن سعيد بن جبير قال تكون الأرضُ خبزة بيضاء يأكلُ المؤمن من تحت قدميه. ومن طريق أبي معشر عن محمَّد بن كعبٍ أو محمَّد بن قيس، ونحوه للبيهقيِّ بسندٍ ضعيفٍ عن عكرمة تبدَّل الأرض مثل الخبزة يأكلُ منها أهل الإسلام حتَّى يفرغوا من الحساب. وعن أبي جعفر محمَّدٍ الباقر نحوه.

(يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ) بفتح التحتية والتاء المثناة الفوقية والكاف وتشديد الفاء المفتوحة بعدها همزة؛ أي يقبلها ويميلها، من كفأت الإناء إذا قلبته، وفي رواية مسلمٍ

ج 27 ص 336

(( يكفأها ) ). (بِيَدِهِ) بقدرته، من هنا إلى هنا (كَمَا يَكْفَأُ) بفتح التحتية وسكون الكاف؛ أي يقلب (أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ) بفتح المهملة والفاء، أراد أنَّه كخبزة المسافر التي يجعلها في الرَّماد الحارِّ يقلبها من يدٍ إلى يدٍ حتَّى تستوي؛ لأنَّها ليست منبسطةً كالرُّقاقة، ومعناه أنَّ الله عزَّ وجلَّ يجعل الأرض كالرَّغيف العظيم الذي هو عادة المسافرين فيه، ليأكل المؤمن من تحت قدمهِ حتَّى يفرغَ من الحساب.

وقال الخطَّابي يعني خبزَ الملَّة الذي يصنعه المسافر، فإنَّها لا تُدحى كما تدحى الرُّقاقة، وإنَّما تقلب على الأيدي حتَّى تستوي، وهذا على أنَّ السَّفَر _ بفتح المهملة والفاء _ ورواه بعضهم بضم أوله جمع سُفرة، وهو الطَّعام الذي يتَّخذ للمسافر. ومنه سمِّيت السُّفرة؛ يعني التي يُؤكل عليها.

(نُزُلًا) بضم النون والزاي وقد يسكَّن، ما يقدم للضَّيف عند نزوله، ويُطلق على ما يعمل للضَّيف قبل الطَّعام، ويقال أصلحَ القوم نُزُلهم؛ أي ما يصلح أن ينزلوا عليه من الغداء، ومعناه أنَّ الله تعالى جعل بهذه الخبزة نُزلًا.

(لأَهْلِ الْجَنَّةِ) أي لمن يصير من أهل الجنَّة يأكلونها في الموقف قبل دخول الجنَّة حتَّى لا يعاقَبون بالجوع في طول زمان الموقف، بل يقلبُ الله بقدرته طبع الأرض حتَّى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاء الله من غير علاجٍ ولا كلفةٍ. وإلى هذا القول ذهب ابنُ برجان في كتاب «الإرشاد» كما نقله عنه القرطبيُّ في «تذكرته» .

وقال الدَّاودي المراد أنَّه يأكل منها من سيصير إلى الجنَّة من أهل المحشر، لا أنَّهم لا يأكلونها حتَّى يدخلوا الجنَّة.

وقال الحافظ العسقلاني وظاهر الخبر يُخالفه، وكأنَّه أراد أنَّ قوله «نُزلًا لأهل الجنَّة» ، أعمُّ من كون ذلك يقع قبل دخول الجنَّة أو بعده، والدَّاودي بنى كلامه على ظاهر ما رُوي عن سعيد بن جبير، قال تكون الأرض خبزةً بيضاء يأكلُ المؤمن من تحت قدميه، كما مرَّ.

ونقل الطِّيبي عن البيضاويُّ أنَّ هذا الحديث مشكلٌ جدًّا لا من جهة إنكار صُنع الله تعالى وقدرته على ما شاء، بل لعدم التَّوقيف على قلب جرم الأرض من الطَّبع

ج 27 ص 337

الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول، مع ما ثبتَ في الآثار أنَّ هذه الأرض تصير يوم القيامة نارًا، وتنضمُّ إلى جهنَّم، فلعلَّ الوجه فيه أنَّ معنى قوله خبزة واحدة؛ أي كخبزةٍ واحدةٍ من نعتها كذا وكذا، وهو نظيرُ ما في حديث سهل يعني المذكور بعده «كقرصة نقي» [خ¦6521] ، فذكر المَثَل بها لاستدارتها وبياضها، فضرب المثل في هذا الحديث بخبزةٍ تشبه الأرض في معنيين

أحدهما بيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذٍ.

والآخر بيان الخبزة التي يهبها الله نُزلًا لأهل الجنَّة، وبيان عظيم مقدارها ابتداعًا واختراعًا. وقد تكلَّم الطِّيبي هنا بما آل حاصله أنَّ حاصل كلام البيضاويِّ أنَّ كون أرض الدُّنيا تصير نارًا محمولٌ على حقيقته، وأنَّ كونها تصير خبزةً يأكل منها أهل الموقف محمولٌ على المجاز، والآثار التي ذُكرت عن سعيد بن جُبير وغيره تَرِدُ عليه، والأَولى أن تُحمل على الحقيقة مهما أمكنَ، وقدرة الله تعالى صالحة لذلك كما تقدَّم.

والجواب عن الحديث الذي استدلَّ به البيضاويُّ من كون الأرض تصير نارًا أنَّ المراد به أرض البحر لا كلُّ الأرض، فقد أخرج الطَّبري من طريق كعب الأحبار قال يصير مكان البحر نارًا.

وفي «تفسير الربيع بن أنسٍ» عن أبي العالية عن أُبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه تصير السَّماوات جنانًا، ويصير مكان البحر نارًا.

وأخرج البيهقيُّ في «البعث» في قوله تعالى {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة 14] قال تصيران غبرةً في وجوه الكفَّار.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ويمكن الجمع بأنَّ بعضها يصير نارًا، وبعضها غبارًا، وبعضها يصير خبزةً.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ لفظ حديث الباب «تكون الأرض يوم القيامة خبزةً» تطلق على الأرض كلِّها، وفيما قاله ارتكاب المجاز، فلا يُصَار إليه إلَّا عند تعذُّر الحقيقة، ولا تعذُّر هنا؛ لأنَّ القدرة صالحة لذلك، بل الجواب الشَّافي أن يُقال إنَّ المراد من كون الأرض نارًا هو أرض البحر كما مرَّ، والمراد من كونها غبرة الجبالُ، فإنَّها بعد أن تدكَّ تصير غبارًا في وجوه الكفَّار، والله تعالى أعلم.

(فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ج 27 ص 338

وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني ، قال الحافظ العسقلانيُّ لم أعرف اسمه (فَقَالَ بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَلاَ) بالتَّخفيف (أُخْبِرُكَ) بضم الهمزة وكسر الموحدة (بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (بَلَى) أخبرني (قَالَ) اليهوديُّ (تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ) يريد أنَّه أعجبه إخبار اليهوديِّ عن كتابهم بنظير ما أَخبر به من جهةِ الوحي، وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، فكيف فيما أُنزل عليه.

(حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالنون والجيم والذال المعجمة، جمع ناجذة، وهي أُخريات الأسنان أو الأضراس، ولكلِّ إنسانٍ أربع نواجذ. وجاء في «كتاب الصِّيام» [خ¦1936] (( حتَّى بدت أنيابه ) )ولا منافاة بينهما؛ لأنَّ النَّواجذ تطلقُ على الأنياب والأضراس أيضًا، قيل مضى في «كتاب الأدب» في «باب التَّبسم» [خ¦6084] أنَّه ما يزيد على التَّبسم، وأُجيب بأنَّ ذلك بيان عادته، والغالب فيه وهذا نادرٌ.

(ثُمَّ قَالَ) أي اليهوديُّ، وفي رواية الكُشميهني (أَلاَ أُخْبِرُكَ) وفي رواية مسلمٍ (( ألا أخبركم ) ) (بِإِدَامِهِمْ) بكسر الهمزة؛ أي ما يؤكل به الخبز (قَالَ إِدَامُهُمْ بَالاَمٌ) بفتح الموحدة وتخفيف اللام والميم. وقال الكرمانيُّ وهي موقوفةٌ ومرفوعةٌ منوَّنة وغير منونة، وفيه أقوالٌ والصَّحيح أنَّها كلمةٌ عبرانيَّة معناها بالعربيَّة الثَّور، ولهذا فُسِّر به، ولهذا سألوا اليهوديَّ عن تفسيرها، ولو كانت عربيَّة لعرفتها الصَّحابة رضي الله عنهم.

وقال الخطَّابي لعلَّ اليهوديَّ أراد التَّعمية عليهم فقطع الهجاء، وقدَّم أحد الحرفين على الآخر وهي لام ألف وياء، يريد لَأّى على وزن لعا، وهو الثَّور الوحشيُّ فصحَّف الرَّاوي المثنَّاة، فجعلها موحدة وقال بالام بالموحدة، وإنَّما هو بالياء آخر الحروف وثلاث همزاتٍ.

وقال ابن الأثير وأمَّا بالام فقد تمحَّلوا [لها] شرحًا غير مرضيٍّ، ولعلَّ اللَّفظة عبرانيَّة، ثمَّ نقل كلام الخطَّابي، ثمَّ قال وهذا أقربُ ما يقع لي فيه، إلَّا أن يكون عبَّر عنه

ج 27 ص 339

بلسانه، ويكون ذلك بلسانهم، وأكثر العبرانيَّة فيما يقوله أهل المعرفة مقلوبٌ على لسان العربيَّة بتقديمٍ في الحروف وتأخير والله أعلم بصحَّته.

وقال القاضي عياض أورد الحميديُّ في اختصاره؛ يعني «الجمع بين الصَّحيحين» هذا الحديث بلفظ (( باللأى ) )بكسر الموحدة وألف وصل ولام ثقيلة بعدها همزة مفتوحة خفيفة بوزن الرحى، واللأى الثَّور الوحشيُّ، قال ولم أر أحدًا رواه كذلك، فلعلَّه من إصلاحه، وإذا كان هكذا بقيت الميم زائدة إلَّا أن يدَّعي أنَّها حُرِّفت عن الياء المقصورة، قال وكلُّ هذا غير مسلمٍ لما فيه من التَّعسف والتَّكلف، قال وأولى ما يُقال في هذا أن تبقى الكلمة على ما وقع في الرِّواية، وتُحمل على أنَّها عبرانيَّة. وقد جزم النَّووي بهذا فقال هي لفظة عبرانيَّة معناها ثور.

(قَالُوا) أي الصَّحابة رضي الله عنهم (وَمَا هَذَا) أي وما وتفسير هذا؟ (قَالَ) أي اليهودي (ثَوْرٌ وَنُونٌ) أي حوتٌ، كما حكى النَّووي اتِّفاق العلماء عليه (يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا) الزَّائدة هي القطعة المنفردة المتعلِّقة بالكبد، وهي أطيبها وألذُّها ولهذا خصَّ بأكلها (سَبْعُونَ أَلْفًا) ولعلَّهم الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ فُضِّلوا بأطيب النُّزل، ويحتمل أن يكون عبَّر بالسَّبعين عن العدد الكثير ولم يُرِد الحصر فيها.

قال القاضي عِياض وقد تقدَّم في «أبواب الهجرة» قبيل «المغازي» في مسائل عبد الله بن سلام (( أنَّ أوَّل طعامٍ يأكله أهل الجنَّة زيادة كبد الحوت ) ) [خ¦3938] . وعند مسلمٍ من حديث ثوبان (( تحفة أهل الجنَّة زيادةُ كبد النُّون ) )وفيه (( غِذاؤهم على أَثَرها أنَّه يُنحر لهم ثور الجنَّة الذي يأكلُ من أطرافها ) )، وفيه (( وشرابهم عليه من عينٍ تسمَّى سلسبيلًا ) ). وأخرج ابنُ المبارك في «الزُّهد» بسندٍ حسنٍ عن كعب الأحبار أنَّ الله تعالى يقول لأهل الجنَّة ادخلوها إنَّ لكلِّ ضيفٍ جزورًا، وإنِّي أجزركم اليوم حوتًا ونونًا، فيُجزر لأهل الجنَّة.

وقال الدَّاودي أوَّل أكل أهل الجنَّة زائدة الكبد، يلعب الثَّورُ والحوت بين أيديهم فيزكي الثَّورُ الحوتَ بذنبه فيأكلون منه، ثمَّ يعيده الله تعالى فيلعبان فيذكي الحوت [الثورَ بذنبه فيأكلون منه كذلك ماشاء الله] .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقبض الأرض يوم القيامة، ثمَّ يُصيِّرها خبزة، وقد أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة» .

ج 27 ص 340

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت