فهرس الكتاب

الصفحة 9715 من 11127

6521 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الحكم بن محمَّد الحافظ، أبو محمَّد الجُمحي مولاهم، قال (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي ابن كثيرٍ المدني (قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار (قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما، السَّاعدي رضي الله عنه (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يُحْشَرُ النَّاسُ) بضم أوله على البناء للمفعول؛ أي يَحشر اللهُ النَّاسَ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ) بفتح العين وسكون الفاء بعدها راء فهمزة ممدودة. قال الخطَّابي العفر بياضٌ ليس بالنَّاصع، وقال القاضي عِياض العفر بياضٌ يضرب إلى حمرةٍ قليلًا، ومنه سُمِّي عفر الأرض وهو وجهها. وقال ابنُ فارس معنى عفراء خالصة البياض، وقال الدَّاودي شديدة البياض، والأوَّل هو المعتمد وأرضٌ بيضاء لم تُوطأ.

(كَقُرْصَةِ) خبزٍ (نَقِيٍّ) سالم دقيقه من الغشِّ والنخال، ويروى ، بالألف واللام (قَالَ سَهْلٌ) هو ابن سعدٍ المذكور بالسَّند السَّابق (أَوْ غَيْرُهُ) بالشَّكِّ، قال الحافظ العسقلانيُّ والغير المبهم لم أقف على تسميته (لَيْسَ فِيهَا) أي في الأرض المذكورة (مَعْلَمٌ لأَحَدٍ) بفتح الميم واللام بينهما عين مهملة ساكنة؛ أي علامة، وهو الشَّيء الذي يستدلُّ به على الطَّريق؛ أي هذه الأرض مستويةٌ ليس فيها حدبٌ يردُّ البصرَ، ولا بناءٌ يستر وراءه ولا علامة غيره. وفي رواية مسلم (( ليس فيها علمٌ لأحد ) ).

وقال القاضي عِياض المراد أنَّها ليس فيها علامة سكنى، ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يُهتدى بها في الطُّرقات كالجبل والصَّخرة البارزة.

وفيه تعريضٌ بأرض الدُّنيا وأنَّها ذهبت وانقطعت العلامة منها، وقال الدَّاودي المراد أنَّه لا يَحُوز أحدٌ منها شيئًا إلَّا ما أدركَ منها. وقال محمَّد بن أبي جمرة فيه دليلٌ على عظم القدرة، والإعلامُ بأهوال يوم القيامة ليكون السَّامع على بصيرةٍ فيخلِّص نفسه من ذلك الهول؛ لأنَّ في معرفة أهوال الشَّيء قبل وقوعه رياضةُ النَّفس وحَمْلُها على ما فيه خلاصها بخلاف مجيءِ الأمر بغتةً.

وفيه إشارةٌ إلى أنَّ أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدًّا، والحكمة في الصِّفة

ج 27 ص 341

المذكورة أنَّ ذلك اليوم يوم عدلٍ وظهور حقٍّ، فاقتضت الحكمة أن يكون المحلُّ الذي يقع فيه ذلك طاهرًا من عمل المعصية والظُّلم، وليكون تجلِّيه سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين على أرضٍ تليق بعظمته، ولأنَّ الحكم فيه إنَّما يكون لله وحده، فناسب أن يكون المحلُّ خالصًا له وحده، انتهى.

وفيه إشارةٌ إلى أنَّ أرض الدُّنيا اضمحلَّت وأُعدمت، وأنَّ أرض الموقف تجدد، وقد وقع للسَّلف في ذلك خلافٌ في المراد بقوله تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ} [إبراهيم 48] هل معنى تبديلها تغيير ذاتها وصفاتها أو تغيير صفاتها فقط، وحديث الباب يؤيِّد الأوَّل.

وأخرج عبد الرَّزاق وعبد بن حميد والطَّبري في «تفاسيرهم» والبيهقيُّ في «الشعب» من طريق عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه في قوله تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} [إبراهيم 48] قال (( تبدَّل الأرض أرضًا كأنَّها فضَّة لم يُسفك فيها دمٌ حرامٌ ولم تُعمل عليها خطيئةً ) )ورجاله رجال الصَّحيح، وهو موقوفٌ.

وأخرجه الطَّبري والحاكم من طريق عاصم بن زرِّ بن حُبيش عن ابن مسعود بلفظ (( أرضًا بيضاء كأنَّها سبيكة فضَّة ) )ورجاله موثقون. ولأحمد من حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه (( كالفضَّة البيضاء قال فأين الخلق يومئذٍ، قال هم أضيافُ الله لن يُعجزهم ممَّا لديه ) ).

وللطَّبري من طريق سنان بن سعيد عن أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا (( يبدلها الله بأرضٍ من فضَّةٍ لم تُعمل عليها الخطايا ) )، وعن عليٍّ رضي الله عنه موقوفًا نحوه من طريق ابن أبي نَجيح عن مجاهدٍ (( أرضٌ كأنَّها فضَّة والسَّماوات كذلك، فيبسطُها ويسطحها ويمدُّها مدَّ الأديم العكاظيِّ، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، ثمَّ يزجر الله الخلق زجرةً واحدةً، فإذا هم في هذه الأرض المبدَّلة في مثل مواضعهم من الأولى، ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان في ظهرها كان في ظهرها ) )انتهى.

وهذا يُؤخذ منه أنَّ ذلك يقع عقبَ نفخة الصَّعق بعد الحشر الأول، ويؤيِّده قوله تعالى {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق 3 - 4]

ج 27 ص 342

وأمَّا من ذهب إلى أنَّ التَّغيير إنَّما يقع في صفات الأرض دون ذاتها، فمستنده ما أخرجَه الحاكم عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما قال (( إذا كان يوم القيامة مُدَّت الأرض كمدِّ الأديم وحُشِر الخلائق ) )ومن حديث جابرٍ رضي الله عنه رفعه (( تمدُّ الأرض مدَّ الأديم، ثمَّ لا يكون لابن آدم منها إلَّا موضع قدميه ) )ورجاله ثقاتٌ إلَّا أنَّه اختُلف على الزهري في صحابيه.

ووقع في «تفسير الكلبي» عن أبي صالحٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} [إبراهيم 48] قال يُزاد فيها ويُنقص منها، وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها، وتمدُّ مدَّ الأديم العكاظيِّ.

وعزاه الثَّعلبي في «تفسيره» لرواية أبي هريرة رضي الله عنه، وحكاه البيهقيُّ عن أبي منصور الأزهري، وهذا وإن كان ظاهره يخالف القول الأول، فيمكن الجمع بأنَّ ذلك كلُّه يقعُ لأرض الدُّنيا لكن أرض الموقف غيرها، ويؤيِّده ما وقع في الحديث الذي قبله أنَّ أرض الدُّنيا تصير خبزةً.

والحكمة في ذلك ما تقدَّم أنَّها تعدُّ لأكل المؤمنين منها في زمن الموقف، ثمَّ تصير نُزلًا لأهل الجنَّة، وقد تقدَّم ما يتعلَّق بذلك في شرح الحديث السَّابق أيضًا [خ¦6520] .

وأخرج مسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها أنَّها سألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} [إبراهيم 48] أين يكون النَّاس حينئذٍ؟ قال (( على الصِّراط ) ). وفي رواية التِّرمذي (( على جسرِ جهنَّم ) ). وفي رواية أحمد من طريق ابن عبَّاس عن عائشة رضي الله عنها (( على متن جهنَّم ) ). وقد أخرج مسلمٌ من حديث ثوبان مرفوعًا (( يكونون في الظُّلمة دون الجسر ) )، فقد جمع بينهما البيهقيُّ بأنَّ المراد بالجسر الصِّراط كما يأتي بيانه في ترجمةٍ مستقلةٍ [خ¦6573 قبل] .

وأنَّ قوله «على الصِّراط» مجازٌ لكونهم يجاوزونه؛ لأنَّ في حديث ثوبان زيادةٌ يتعيَّن المصير إليها؛ لثبوتها، وكان ذلك عند الزَّجرة التي يقع عندها تقلُّبهم من أرض الدُّنيا إلى أرض الآخرة، ويشير إلى ذلك قوله تعالى {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا*وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا*وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} [الفجر 21 - 22 - 23] .

واختلف في السَّموات أيضًا؛ فقد تقدَّم أنَّها تصير جنانًا، وقيل إنَّها [إذا] طويت تكوَّر شمسها وقمرها ونجومها، وتصير تارةً كالمُهل، وتارةً كالدِّهان. وأخرج البيهقيُّ في «البعث» من طريق السدِّي عن مُرَّة عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه

ج 27 ص 343

قال السَّماء تكون ألوانًا كالمهل وكالدِّهان، وواهيةً وتشقّق، فتكون حالًا بعد حالٍ. وجمع بعضهم بأنَّها تنشقُّ فتصير كالوردة وكالدِّهان وكالمهل، وتكور الشَّمس والقمر، وتناثر النُّجوم، ثمَّ تطوى السَّموات وتضاف إلى الجنان.

ونقل القرطبيُّ في «التَّذكرة» عن أبي الحسن بن حيدرة صاحب «الإفصاح» أنَّه جمع بين هذه الأخبار بأنَّ تبديل السَّموات والأرض يقعُ مرَّتين إحداهما تبدل صفاتهما فقط، وذلك عند النَّفخة الأولى، فتنتثر الكواكب، وتخسف الشَّمس والقمر، وتصير السَّماء كالمهل، وتُكشَط عن الرُّؤوس، وتسير الجبال، وتموج الأرض، وتنشقُّ إلى أن تصيرَ الهيئة غير الهيئة، ثمَّ بين النَّفختين تطوى السَّماء والأرض، وتبدَّل السَّماء والأرض، إلى آخر كلامه في ذلك، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة؛ لمناسبة القرصة للخبزة المذكورة في الحديث السَّابق، وجعلها كالقرصة نوعٌ من القبض، قاله الكرمانيُّ.

ونظر فيه العينيُّ فقال إنَّ جعلها كالقرصة ... إلى آخره في أرض الدُّنيا، وهذه الأرض غير تلك الأرض، والأمر في ذلك سهلٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت