6526 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة المفتوحة بعدها معجمة مشدَّدة، الملقَّب بُندار العبدي، قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة بعدها راء، محمَّد بن جعفر، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ) النَّخعي، وفي رواية ابن عساكر (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ) في خطبته (إِنَّكُمْ) زاد ابن المثنَّى (( يا أيُّها النَّاس إنَّكم ) ) (مَحْشُورُونَ) بميم مفتوحة، اسم مفعول من حشر، كذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بفوقية مضمومة على البناء للمفعول من المضارع (حُفَاةً) لم يقع فيه أيضًا (( مشاة ) ) (عُرَاةً) زاد أبو ذرٍّ ( {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} الآيَةَ) ساق ابن المثنَّى الآية كلها إلى قوله {فَاعِلِينَ} أي بأن نجمع أجزاء المتبدِّدة، أو نعيدُ ما خلقناه مبتدأ إعادةً، مثل بَدْئِنا إيَّاه في كونهما إيجادًا عن العدم.
والمقصود بيان صحَّة الإعادة بالقياس على الإبداء؛ لشمول الإمكان المصحِّح للمقدوريَّة، وتناول القدرة القديمة لهما على السَّواء. فإن قيل سياق الآية في إثبات الحشر والنَّشر؛ لأنَّ المعنى يُوجدكم من العدم كما مرَّ، فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور؟
ج 27 ص 358
فالجواب أنَّ سياق الآية دلَّ على إثبات الحشر، وإثباتها على المعنى المراد من الحديث، فهو من باب الإدماج.
(وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلاَئِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) عليه الصَّلاة والسَّلام. قال القرطبيُّ في «شرح مسلم» يجوز أن يرادَ بـ «الخلائق» من عدا نبينا صلى الله عليه وسلم، فلم يدخل هو في عموم خطاب نفسه. وتعقَّبه تلميذه القرطبيُّ أيضًا في «التَّذكرة» هذا حسنٌ لولا [ما] جاء من حديث عليٍّ رضي الله عنه الذي أخرجه ابنُ المبارك في «الزُّهد» من طريق عبد الله بن الحارث رضي الله عنه (( أوَّل من يُكسى يوم القيامة خليل الله عليه السَّلام قبطيَّتين، ثمَّ يُكسى محمَّد صلى الله عليه وسلم حلَّة حبرة عن يمين العرش ) ).
قال الحافظ العَسقلاني كذا أخرجه مختصرًا موقوفًا، وأخرجه أبو يَعلى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مطولًا مرفوعًا نحو حديث الباب، وزاد (( وأوَّل من يكسى من الجنَّة إبراهيم عليه السَّلام، يكسى حلَّةً من الجنَّة، ويُؤتى بكرسيٍّ، فيطرح عن يمين العرش، ثمَّ يُؤتى بي فأُكسى حلَّةً من الجنَّة لا يقوم لها البشر، ثمَّ يُؤتى بكرسيٍّ، فيُطرح عن شمال العرش ) ).
وفي مرسل عبد [1] بن عُمير، عن جعفر الفريابي (( يحشرُ النَّاس حفاةً عراةً، فيقول الله تعالى لا أرى خليلي عريانًا، فيُكسى إبراهيم عليه السَّلام ثوبًا أبيض فهو أوَّل من يكسى ) ). قيل الحكمةُ في كون إبراهيم عليه السَّلام أوَّل من يكسى أنَّه جُرِّد حين أُلقي في النَّار، وقيل إنَّه أوَّل من سنَّ التَّستر بالسَّراويل. وقيل إنَّه لم يكن في الأرض أخوف لله منه، فعُجِّلت له كسوته أمانًا له ليطمئنَّ قلبه، وهذا اختيار الحليمي، والأوَّل اختيار القرطبي.
وقد أخرج ابنُ منده في حديث حَيْدة _ بفتح المهملة وسكون التحتية _ رفعه قال (( أوَّل مَن يُكسى إبراهيمُ عليه السَّلام، يقول الله عزَّ وجلَّ اكسوا خليلي ليعلم النَّاس اليوم فضله عليهم ) ).
قال الحافظ العَسقلاني ولا يلزم من تخصيصِ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام بأنَّه أوَّل من يكسى أن يكون أفضل من نبيِّنا صلى الله عليه وسلم على ما لا يخفَى، فكم لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم من فضائل مختصَّة به لم يُسبق إليها، ولم يشارك فيها.
ويحتمل أن يكون نبيُّنا صلى الله عليه وسلم خرجَ من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحُلَّة التي يكساها حينئذٍ من حلل الجنَّة خلعةَ الكرامة، بقرينة إجلاسه على الكرسيِّ عند ساقَ العرش، فتكون أولية إبراهيم عليه السَّلام
ج 27 ص 359
في الكسوة بالنِّسبة لبقيَّة الخلق.
وأجاب الحليميُّ بأنَّه يكسى أولًا، ثمَّ يكسى نبيُّنا صلى الله عليه وسلم على ظاهر الخبر، لكن حلَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم أعلى وأكمل، فيُجبر بنفاستها ما فات من الأوَّلية، والله عزَّ وجلَّ أعلم.
(وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي إلى جهة النَّار، ووقع ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في آخر «باب صفة النَّار» [باب في الحوض 6587] من طريق عطاء بن يسار عنه، ولفظه (( فإذا بزمرةٍ حتَّى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم، فقال هلمَّ، فقلت أين؟ قال إلى النَّار ... ) )الحديث.
وبيَّن في حديث أنسٍ رضي الله عنه الموضعَ، ولفظه (( ليردنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ حتَّى إذا عرفتهم اختلجُوا دوني ... ) ). الحديث. وفي حديث سهلٍ (( ليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفونني ثمَّ يُحال بيني وبينهم ) )، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه لمسلمٍ (( وليذادنَّ رجالٌ عن حوضِي كما يذادنَّ البعير الضَّال أناديهم ألا هلُمَّ ) ).
(فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي) أي هؤلاء أُصيحابي _ بضم الهمزة مصغرًا _ تصغير الشَّفقة كما في بُنَيَّ، وكذا في رواية «أحاديث الأنبياء» [خ¦3349] ، وكذا هو في حديث أنسٍ رضي الله عنه، وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر أي أمَّتي أمَّة الدَّعوة، وفي رواية أحمد (( فلأقولنَّ ) ).
(فَيُقَالُ) وفي رواية أي الله عزَّ وجلَّ (إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( إنَّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقرى ) ) [خ¦6585] ، وزاد في رواية سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا [خ¦6586] (( فيقول إنَّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال إنَّهم قد بدلوا بعدك، فأقول سحقًا سحقًا ) )أي بعدًا بعدًا، والتَّكرير للمبالغة.
وفي حديث أبي سعيدٍ في «باب صفة النَّار» أيضًا [خ¦6584] [2] (( فيقال إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقًا سحقًا لمن غيَّر بعدي ) ). وزاد رواية عطاء بن يسار [خ¦6587] (( فلا أراه يخلصُ منهم إلَّا مثل هَمَلِ النَّعم ) )، وفي رواية أحمد والطَّبراني من حديث أبي بَكْرة رضي الله عنه رفعه (( ليردنَّ عليَّ الحوض رجالٌ ممَّن صَحِبني ورآني ) )وسنده حسنٌ، وفي رواية الطَّبراني من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه فقلت
ج 27 ص 360
يا رسول الله! ادعُ الله أن لا يجعلني منهم، قال (( لستَ منهم ) )وسنده حسنٌ.
(فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى ابن مريم عليهما السَّلام ( {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} ) أي رقيبًا ( {مَا دُمْتُ فِيهِمْ} إِلَى قَوْلِهِ {الْحَكِيمُ} قَالَ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا) وفي رواية الكُشميهني (مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) ووقع في ترجمة مريم من «أحاديث الأنبياء» [خ¦3447] (( قال الفِرَبْري ذكر عن أبي عبد الله البخاري [3] عن قَبيصة قال هم الذين ارتدُّوا على عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه فقاتلهم أبو بكرٍ؛ يعني حتَّى قُتلوا وماتوا على الكفر ) )وقد وصله الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن قَبيصة.
وقال الخطَّابي لم يُرد بقوله «مرتدِّين» الرِّدَّةَ عن الإسلام، بل التَّخلف عن الحقوق الواجبة، ولم يرتد من الصَّحابة أحدٌ، وإنَّما ارتدَّ قومٌ من جفاة الأعراب ممَّن لا نصرة له في الدِّين، وذلك لا يوجب قدحًا في الصَّحابة المشهورين، ويدلُّ قوله (( أُصيحابي ) )بالتَّصغير على قلَّة عددهم. وقال غيرُه قيل هو على ظاهره من الكفر، والمراد بأمَّتي أمَّة الدَّعوة لا أمَّة الإجابة، ورُجِّح بقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فأقول بعدًا لهم وسحقًا ) ). ويؤيِّده كونهم خفيَ عليه حالهم، ولو كانوا من أمَّة الإجابة؛ لعرف حالهم؛ لكون أعمالهم تُعرضُ عليه.
وهذا يردُّه قوله في حديث أنسٍ رضي الله عنه (( حتَّى إذا عرفتهم ) )وكذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦6587] .
وقال ابن التِّين يحتمل أن يكونوا منافقين أو مرتكبي الكبائر، وقيل هم قومٌ من جُفاة الأعراب دخلوا في الإسلام رغبةً ورهبةً، وقال الدَّاودي لا يمتنعُ دخول أصحاب الكبائر والبدع في ذلك.
وقال النَّووي قيل هم المنافقون والمرتدُّون، فيجوز أن يُحشروا بالغرَّة والتَّحجيل؛ لكونهم من جملة الأمَّة، فيناديهم من أجل السِّيماء التي عليهم، فيقال إنَّهم بدَّلوا بعدك؛ أي لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه.
وقال القاضي عياض وغيره وعلى هذا فيَذهبُ عنهم الغرَّة والتَّحجيل، ويُطفئ نورهم، وقيل لا يلزم أن تكون السِّيماء، بل يناديهم لِمَا كان يعرف من إسلامهم. وقيل هم أصحابُ الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطعُ بدخول هؤلاء النَّار لجواز أن يذادوا عن الحوض أولًا عقوبةً لهم، ثمَّ يُرحموا، ولا يمتنع
ج 27 ص 361
أن يكون لهم غرَّة وتحجيل، فيَعرفُهم بالسِّيماء سواءً كانوا في زمنه أو بعده.
ورجَّح القاضي عِياض والباجي وغيرهما ما قال قَبيصة راوي الخبر أنَّهم من ارتدَّ بعده صلى الله عليه وسلم، ولم يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السِّيماء؛ لأنَّها كرامةٌ تظهر بما عمل المسلم، والمرتدُّ قد حبط عمله، وقد يكون عرفهم بأعيانهم لا بصفتهم باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعدُ أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمنه من المنافقين، وسيأتي في حديث الشَّفاعة و «تبقى هذه الأمة فيها منافقوها» [خ¦6573] ، فدلَّ على أنَّهم يحشرون مع المؤمنين، فيَعرف أعيانهم، ولو لم يكن لهم تلك السِّيما غرَّته، تأوَّله مستصحبًا لحاله التي فارقه عليها في الدُّنيا.
وأمَّا دخول أصحاب البدع في ذلك فاستُبعد؛ لتعبيره في الخبر بقوله (( أُصيحابي ) )وأصحاب البدع إنَّما حدثوا بعده. وأُجيب بحمل الصُّحبة على المعنى الأعمِّ، واستُبعد أيضًا بأنَّه لا يُقال للمسلم ولو كانوا مبتدعًا «سُحقًا» . وأُجيب بأنَّه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنَّه قضى عليه بالتَّعذيب على معصيته، ثمَّ ينجو بالشَّفاعة، فيكون قوله «سحقًا» تسليمًا لأمر الله تعالى مع بقاء الرَّجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر.
وقال البيضاويُّ ليس قوله (( مرتدِّين ) )نصًّا في كونهم ارتدُّوا عن الإسلام، بل يحتمل ذلك، ويحتمل أن يُرادَ بهم عصاة المرتدين عن الاستقامة يبدلون الأعمال الصَّالحة بالسَّيئة. انتهى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة كسابقه.
[1] كذا في المخطوط والصواب عبيد كما في الفتح وغيره.
[2] هو في باب في الحوض.
[3] في الأصل أبي عبد البخاري. والصواب ما أثبته.