6531 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، الورَّاق الوزَّان، قال (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) هو ابنُ أبي إسحاق السَّبيعي الكوفيُّ، أحد الأعلام في الحفظ والعبادة، سكن ناحية الشَّام في موضعٍ يقال له الحَدَث، ومات بها أوَّل سنة إحدى وتسعين ومائة، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبدُ الله بن عون بن أَرْطبان البصري (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه قال في قوله تعالى ( {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ) بفتح الراء وسكون الشين المعجمة بعدها حاء مهملة، في عرق نفسه من شدَّة الخوف، شبَّه برشح الإناء؛ لكونه يخرجُ من البدن شيئًا فشيئًا.
(إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ) قال الكرمانيُّ هو كقوله تعالى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم 4] ، ويمكن الفرق بأنَّه لمَّا كان لكلِّ شخصٍ أذنان فهو من باب إضافة الجمع إلى مثله بناءً على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، وفي رواية صالح بن كيسان عن نافعٍ عند مسلم (( حتَّى يغيبَ أحدهم ) )، وكذا تقدَّم في تفسير {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين 1] من طريق مالك عن نافع [خ¦4938] . وهذا ظاهرٌ في أنَّ العرق يحصلُ لكلِّ شخصٍ من نَفَسه، وفيه تُعقُّب على من يُجوِّز أن يكون من عرقه فقط، أو من عرقه وعرق غيره.
وقال القاضي عِياض يحتمل أن يريد عرقه وعرق غيره، فيُشدُّ على بعضٍ ويخفَّف عن بعضٍ، وهذا كلُّه بتزاحم النَّاس، وانضمام بعضهم إلى بعضٍ، حتَّى صار العرق يجري سابحًا في وجه الأرض كالماء في الوادي بعد أن شربت منه الأرض، وغاص فيها سبعين ذراعًا.
قال الحافظ العَسقلاني واستشكل بأنَّ الجماعة إذا وقفوا في الماء الذي على أرضٍ معتدلةٍ كان تغطية الماء لهم على السَّواء، لكنَّهم إذا اختلفوا بالطُّول والقصر تفاوتوا، فكيف يكون الكلُّ إلى الأُذن؟
ج 27 ص 377
والجواب أنَّ ذلك من الخوارق الواقعة يوم القيامة، والأولى أن تكون الإشارة بمن يصل الماء إلى أذنيه إلى غاية ما يصلُ الماء، ولا ينفي أن يصلَ الماء لبعضهم إلى دون ذلك، فقد أخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه رفعه (( تدنو الشَّمس من الأرض يوم القيامة، فيعرق النَّاس، فمنهم من يبلغ عرقُه عقبيه، ومنهم من يبلغُ نصف ساقيه، ومنهم من يبلغُ ركبتيه، ومنهم من يبلغُ فخذيه، ومنهم من يبلغُ خاصرته، ومنهم من يبلغُ منكبيه، ومنهم من يبلغُ فاه، وأشار بيده فألجمها، ومنهم من يغطِّيه عرقه، وضرب بيده على رأسه ) ).
وله شاهدٌ عند مسلم من حديث المقداد بن الأسود، وليس بتمامه وفيه (( تُدنى الشَّمس يوم القيامة من الخلق حتَّى تكون بمقدار ميلٍ، فيكون النَّاس على قدر أعمالهم في العرق ... ) )الحديث.
فإنَّ ظاهره أنَّهم يستوون في وصول العرق إليهم، ويتفاوتون في حصوله فيهم. وأخرج أبو يَعلى وصحَّحه ابن حبَّان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال (( {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين 6] قال مقدار نصف يومٍ من خمسين ألف سنةٍ، فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشَّمس إلى أن تغرب ) ). وأخرجه أحمدُ وابن حبَّان نحوه من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه. وللبيهقيِّ في «الشُّعب» من طريق عبد الله بن الحارث عن أبي هريرة رضي الله عنه (( يحشرُ النَّاس قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السَّماء، فيُلجمهم العرق من شدَّة الكرب ) ).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وأخرجه مسلمٌ في «صفة النَّار» ، والتِّرمذي في «الزُّهد» و «التَّفسير» ، والنَّسائي في «التَّفسير» ، وابن ماجه في «الزُّهد» .